أطياف العرَّاب: النجاة بالقصة القصيرة

mamdouh rizk

أحمد فاروق بيضون

بين فلسفة الموت والقلق الوجودي وأسطرة الشخصيات و(الهمارتيا) من خلال تأطير تلاعب ميكانيزمات السرد القصصي، يمهُر القاص ممدوح رزق في مسرح الحياة:

(أطياف العراب) هي مجموعة قصصية ترتكز في جوهرها على آليات الصراع الداخلي للنفس البشرية وتألب عناصر الوجود في حوار مع ذاك الإنسان الذي ضل سعيه ويبكي مرثيته في ظل العبثية والضبابية التي تتوسد كونه الصغير Microcosmic Interface؛ مذ مستهل العنونة التي تشير إلى القصة البادئة بين ستين قصة من قطار سردي باذخ يستميل عاطفتنا وأحاسيسنا، بلْ يستنم إلى العديد من التغيرات التاريخية والتجذرات الثقافية بين الأمس واليوم وتستشرف الغد، نستلهم the God Father أو شخصية العراب لماريو بوزو كما بدر لنا، لكننا نكتشف بأن الأطياف التي تهال ذاك العرّاب تكمن في تشظي نفسي للقاص كمؤلف أو راوٍ انشطرت ذاته وبات يسرد معانته بينه (الأنا) وبين الآخر (الهو) تأسيا بتشظي كارل يونغ أو تحليلية فرويد؛ بات جلياً بأن هناك تنظير لكينونته بالدكتور (فاوست) لمارلو الذي أسلم روحه لميفستوفيلس الشيطان، ذاك التبلُّس أعاده لخيباته المشينة في أطياف حكاياته كمشكالٍ أو (اسبكترغراف) حياتي مشهدي، وقد وسم نفسه بالناقد الذي يرى الواقع بعين الحقيقة التي غابت عن الجميع للحالة الراهنة للقصة القصيرة، لا ريبَ بأنه أدرك في النهاية: (لا أحد في القطيع يقدرُ على القفز من فوق سياج الراعي) في دلالة سيميائية على الواقع المأزوم الممض وتقزم المحاولات لذاك العراب الذي يلتقط أنفاسه في أن يصبح ذا حظوة وحفاوة، وكأنه تحول إلى شيء مهمل ومجرد طيف عابر بهاته الحياة.

أما في بين (قبر ومقهى) يتبع القاص بناءه السردي بإحكام التنظير بين فلسفة الموت لامرأة طاعنة في السن كانت فتاة يائسة تعيسة ورجلا يلزم مقهى في منتصف العمر لا ينتظر شيئا سوى مساعدة تلك الأنثى لاصطحابها إلى المشفى، وكأنها متاهة من تداخلات مشهدية في الزمكان في متوترة زمنية تم قولبتها في قصة إعجازية، بينما في (الأسماك الميتة) تجلت فلسفة الموت الدلالية الرمزية لتلك الأسماك التي تنفق تترا أمام ناظري فتاة صغيرة ووالديها بداخل صندوق زجاجي، لقد وصف القاص هذا الكون الزجاجي بالحوض المهجور والذي يحمل سيميائية منطق الاندثار والتلاشي لمعالم الحياة ونضب وتصحر الأحلام الوردية لفتاة في مقتبل العمر، لا شيء سوى السوداوية ومعاول شبح الموت تقتاد سفينة القصّ كما في (النسيان) لما طلبت المرأة العجوز من ذاك العابر (أعطني موتي).

في (صناديق كرتون مستعملة) وكأن القاص يؤنسن Personification تلك الجمادات ويوظفها في حكاياته وكأنها تستنطق مأساة دراماتيكية لذي قدمين نحيلين يمشي كروبوت بشريّ هزيل لم يناهز الأربعة عشر عاماً؛ ليخزنها في غرفة أسراره ، لربما استحالت آماله ولكنه مازال متشبثاً بالصناديق لبلورة عالم سعادته الخاصة، أما (ما لا يتحقق على الإطلاق) ألهمت عين النقادة لمغزى الاستحالة للروائي (ميلان كونديرا) كما أشار في (الجهل) بأنها ليست مأساة على الإطلاق بالحنين إلى نوستالجيا الماضي ولكن الحقيقة الساطعة بلا مراء أن الزمن يغير الأشياء والأشخاص مما يجعل العودة من المستحيلات، يظل الضعف البشري أمام مغبة المصير شاهداً بهذه التحفة السردية بالحنين إلى (كنزة مفقودة) موروثة وتأطيرها في أدلجة حوار بين أخ وأخته بين الماضي والحاضر ومازالت المسارات البديلة من عوالم موازية تؤسطر تلك (الكنزة) الأزلية البائدة وتستحضر روح الأب الذي غربت شمسه في (استلاب واستمالة عاطفية) المقرونة بالاستحالة..

تتجلى قصة (بانتومايم) التي أعادتنا لعهود العروض اليونانية والمصرية القديمة وكذلك للقرن التاسع عشر من ذاك (التمثيل الصامت) الذي جاء على لسان سارد عليم يزعق بضجيج الصمت وكأنه يستحضر قصة (رجل عجوز على الجسر) لأرنست هيمنغواي النوبلي أو وفاة موظف لتيشخوف، لربما كان دور (البانتومايم) أقرب لشخصية أكاكي النساخ الذي سرق معطفه كما أراد (غوغل) الروسي..

ما بين آلية التقمص والاستمالة العاطفية والبندولية بين الألم والأمل، يتحفنا بتلك الأحداث (ما قبل انسداد الأمعاء) ويختصر دوامات العمر في ليلة ويتجرع مرارة العابرين والغرباء بين سماء ملبدة بسحب رمادية تدنو من رؤوس أبطاله وتصحبهم في سفين يمخر بعرض البحر ويبرح اليابسة، ثم تأتينا عبرة على حين غِرة عاش بقدم مبتورة في (قدم وحيدة) يلملم أجزاءه الباقية ثم ينهض من جديد، يتواتر تمشهد وتمذهب بمعانقة (بندقية تشيخوف) التي لن تدفع أحدا لمحاولة تعطيل فاعليتها في هذا العالم، ويبقى (شيء غامض يضيء في الأفق) على مد البصر أمام المآقي، يحمل هاجسا أو إلهاماً ليستقي مداد أحباره التي صابها العطن والعطب، على شفير نافذة البيت ونافذة القطار لما تتجلى الهالة المكانية، ولكن ( ذاكرة الوقت) لن تمحو أبداً أبواب السعادة الموصدة، بين دقات الساعات أسوأ عادات الانتظار، يفتش عن (تفسير العتمة) و(الخطيئة الأولى) و(خيوط الفَناء)، ما سر تلك الطائرة الورقية والبحر؟ وما الشيء المفقود في مكان ما؟ وما قصة العوامة وعربة المطافئ؟ وما هو ضمير الغائب وسرائر قطعة اليوسفي والبقع الحمراء الكبيرة؟ ما الشىء الذي يقطن السماء؟ وما الشاهق الذي ليس بجبل؟.. مازالت ثغرات الخلود تروض طقوس قصصه وشريعة ميثاق كتاباته.. ربما يلهمها بيت الصياد أو ذاك العلاج الرقمي الحوسبي من الفيسبوك أو مراسم من هواء، وكأنه يحلق فوق ذاك التصدُّع بين عالم البشر وصفحات البحر في رسالة أدبية يطلقها إلى الفنان الرسام الأمريكي (وينسلو هومر) من ذكريات تليدة تنسج جدائل تصل الحاضر عبر تيارات الخلجان وخطوط الحياة؛ ليستجديه لاقتناء لوحة من أخيلته يدوزنها طيفه لسحب مثخنة بلون رمادي فوق رأس رجل يتوسط قاربًا ويدنو منه نقطة ضوء بعيد يستنمُ إلى سفينة… فهل ينقذه الزائر من عالم الماورائيات؟!

يتجلى الإبداع السردي في سرد قصص المبدع بين قصص قصيرة وقصص قصيرة جداً ورسالة أدبية ختامية ليعضد من منهاجه الذي يرتجيه منذ الانطلاقة  في دورانه السردي؛ بأنه العرَّاب الذي سينجو بالقصة القصيرة المعاصرة ويذوب مع شخوصه من دون سلطوية أو سياطين شرور، وبأنه قد نجح في نهاية المطاف أن يلوذ بمنأى عن ضوضاء وصخب وتخبط إلى قارب نجاة يشق طريقه مهما أتت المعركة أوزارها وادلهمت فضاءات الحكي.

هنيئا َ لنا هذه التحفة بناءً ولغة وتبيانا.. دام العطاء ودامت قناديل الإبداع.

 

اقرأ أيضاً:

نسخة إلكترونية من مجموعة “أطياف العراب” لممدوح رزق

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع