جارتي زوجة الرجل الدُّب

art

شهيرة لاشين

وهكذا، عشقت جارتي كل أصناف الرجال الذين قابلوها، وقررت أن يكونوا أبطال قصتها، حتى أنها أحبت رجلًا عجوزًا ونحيلًا ذات يوم، ولم يمنعها كون الفارق بينهما أربعين عامًا أو يزيد، من أن تتزوجه، ولا كونه يقلل من شأن أنوثتها الفائرة كلما نام معها، من أن تحبه بجنون.

كانت تلتمس له العذر كلما قال لها: “لماذا لا تقبّلين شفتيّ بعنفٍ يا حُرمة، وتطحنين هذا العشب الجافّ عليها؟!”، فتشعر بالتقصير الشديد نحوه، وتحاول أن تسترضيه بكل السبل الممكنة، قائلة لنفسها: “عنده كل الحق، كيف لامرأة حمقاء مثلي أن تجاري رجلًا نحيلًا برجولة طاغية مثله؟”.

أدرك الهالة التي صنعها لنفسه في عينيها، وكيف أنها تراه بهذه القوة والهيبة التي تأسر قلبها، فراح يقسو عليها أكثر، ليُبقيها على حالتها تلك. يقول لها بصوتٍ خشنٍ يستحضره دائمًا حين يريد إخافتها أو معاقبتها بسبب أو بدون سبب: “ابلعي صوتك، وإياكِ أن تظهري ألمك وخوفك”.

يختفي صوتها في قاع بئر سحيق بلحظات خوفها تلك، بينما تتخيّله يقصف ببلطته رؤوس النساء الساكنات جسدها، اللائي يقفن وراء رغبتها، ويعلقهن جميعًا في هواء غرفته.

استغرقت ثلاث سنوات تقريبًا، حتى تُشفى من جراح الرجل النحيل. بعدها أحبت رجلًا بدينًا عكسه تمامًا، وقالت بحماس:

–      يا سلام ما أجمل أن تُحبَّ المرأة رجلًا ملو هدومه، سأهدي هذا الرجل اللطيف السمكة الملوّنة في قلبي، وأقصّ من أجله جناحي، وأعلّقهما بكل حبٍّ على باب بيته.

وأقسمت أن تتبعه عبر الجحيم، والقارات البعيدة، والمياه السّامة. وأن ترافقه دائمًا، إلى السماء، إلى القبر، إلى العدم، إلى أي مكان داخل وخارج هذا العالم، كما تفعل النساء في الأفلام الأجنبية.

أحبته بجنون، فلم ترَ عيوبه أو تلحظ ضآلة جسدها بجواره. وكلما شعرت بثقل ظله عليها، تطلب منه أن يغني لها؛ ليخفَّ وزنه. فالغناء هو الشيء الوحيد الذي توقن بأنه يجعل الناس يهيمون كالطيور في السماء. يغني لها؛ فيحلقان معًا عاليًا، وتنحل مشكلتها في غمضة عين.

أحبته بعد عمرٍ من التجريب والتقمّص، كان يستحق من وجهة نظرها كل محاولة لحبه وفهمه، حتى تستطيع الحفاظ عليه لأطول وقت ممكن. بسببه لم تعد تحبُّ الرجال الأصغر سنًّا؛ لأنهم في نظرها مرضى نفسيون، ولا كبار السّن لأنهم غريبو الأطوار، وفضّلت الزواج منه تحديدًا لاعتقادها أنه بلا عمر، أو أنه سيظل في العمر المناسب لها حتى ولو تغيّرت الظروف ومضت السنوات، سيظل كرشه محتفظًا بهيبته، ويحبّها.

لن يتغيّر شيء مهما حصل، يعيشان معا، وينجبان الأطفال، ويستمران في مشاهدة الأفلام، وتجسيدها في واقعهما، فلا يتسلل إليهما الملل أبدًا. لكن لسوء الحظّ، بعد سنوات من الزواج ومشاهدة الأفلام، دخل الرجل الدُّب في نوبات مرض واكتئاب أثّرت على صحته، وغيرت من هيئته التي أحبته عليها. فصار نحيفًا ووجهه ضامرًا ومخيفًا للغاية، بل إنَّه في أحيان كثيرة كان يستعير وجه الرجل النحيل الذي دمّرها سلفًا، ويرتديه.

لم تدرِ ماذا تفعل أو كيف تتصرّف حتى يرجع إلى سابق عهده. ومع ذلك ظلت تحبه وترمّم التفاصيل المتعرجة في جسده بالألوان الحديثة والصور العارية، حتى إنها صنعت له تمثالًا فضيًّا وعلّقته في رقبتها المرمرية.

تغيَّر مع الوقت، وأصبح يُعاملها بطريقة مهملة جدًّا وفجّة، حتى الطفل الوحيد الذي أنجبته منه ورث عنه الجسد السمين والصمت العميق. لم يكن يتكلّم، بل يغمض عينيه كلما قبَّلته أو تحدثت إليه، كأنه يريد أن ينسحب من عالمها، ويطفئ صوتها بحاجبيه المنقبضين.

في البداية كانت تبكي بحُرقة كلما فعل ذلك، لكن مع مرور الوقت، تعودت، وتوقفت تمامًا عن النحيب. تلاشت ضحكاتها القديمة بالتدريج، بالتزامن مع توقف تشغيل الأفلام في البيت، حتى أنَّها لم تعد تفكر في الذهاب إلى السينما نهاية كل شهر، كما اعتادت.

–      السينما؟ كيف لي أن أشاهد الحب على الشاشة بينما يتبخّر من بين يديَّ؟

تقول لنفسها وهي ترى عالمها ينكمش، ويُختزل في تفاصيل صغيرة، في ملامحها التي بدأت تتغير، بعد أن تركت حاجبيها يلتئمان، وشاربها الخفيف يستطيل ويَخْضَرّ كنبتة صغيرة تنمو في تربة الإهمال.

–      الذين لا يملكون غرفًا سرية، لا يملكون وطناً حقيقيًّا. تقول وهي تفكر في صنع غرفة سرية تخصها وحدها كما فعلت شاعرتها المفضلة “فرجينيا وولف”.

صنعت غرفة سرية بالفعل، وملأتها بأجنحة النوارس والطيور، وشيّدت في زاويتها فنارًا صغيرًا يمكن أن يهدي سفنها في الليالي المظلمة. وكانت تُغلقها بإحكام خلفها.

دقَّت وراء الباب مسمارًا، تستخدمه كشماعة تعلق عليه قلبها كلما دخلتها. أرضية الغرفة تتماوج بهدوءٍ تحت قدميها، والجدران تتلوّن بلون البحر، وتزداد زرقةً حين يستبد بها الحزن. من حينٍ لآخر، تحشو رأسها بالسحاب واللون الأزرق، وتطلق في غرفتها طائرات ورقية، تتحرك كطيور مهاجرة، تراقبها وهي تختفي بين الأمواج التي تعلو وتهبط على الجدران.

لم يتحمل أحد أن يكون معها في فيلم حياتها الجديد؛ فقد كان صعبًا على أي شخص، حتى ابنها، أن يعيش في جزيرة وسط البحر طوال الوقت؛ مما جعلها تُصاب بنوبات نعاس مفاجئة في أوقات غير مناسبة للنوم.

أصبحت تغرق في سبات طويل خلال النهار. وإذا ما أفاقت، يظل الثقل يجثم على عينيها، ويعمّ التشوش ذهنها، يرافقه صداعٌ حاد. تمضي في ضباب يجعلها لا تبصر زوجها وابنها، وهو ما أزعجهما كثيرًا.

أما لياليها، فغدت مسرحًا للكوابيس المفزعة واليقظات المرتبكة، تستفيق أحيانًا عاجزة عن الحركة أو النطق، معلقة بين النوم والصحو. لم يقدر أحد على احتمالها بتلك الحالة، فاتفق الجميع أن ترتاح قليلًا، وتنظم نومها في “السرايا الصفرا”.

ولأن نومها في السرايا لم يُزعج أحدًا -فالكل نيام، كلٌّ بطريقته الخاصة- بدت طبيعية وهادئة الملامح حين تفيق. لم يحوِ ملفّها تشخيصًا قاطعًا، فقط عبارة وحيدة كتبها الطبيب المشرف على حالتها: “تسكن داخلها جزيرة النعاس. لم أستطع الوصول إليها، ولا أريد المجازفة على أية حال”.

خرجت لاحقًا، لكنها بقيت وحيدة، بلا أبطال في قصتها. وحدها، في عالم يفيض بالأسماك الملونة، والنوارس، والسحاب، والبحر، واللون الأزرق.

ذات ليلة، وبينما تطل من نافذتها السرية، سمعت صوت أمواج حقيقية! انتفض قلبها، واتصلت بي وهي تهمس في خوف:

–      في قلبي سمكة صغيرة ملونة، نصبوا لها الشّباك، لا تخبري البحارة أن البحر في غرفتي، وأن السمكة التي يبحثون عنها تسبح في قلبي.

أخبرتني أنها تنام دائمًا على جانبها الأيسر، فالنوم المباشر على القلب يجعل الأحلام تفيض، والأبطال يتقنون أدوارهم في أفلامها، وأن للجانب الأيسر سرًّا لا يعرفه أولئك الأطباء الأغبياء. وحين أدركت خطورة ما هي فيه؛ لم تتحدث كثيرًا بعدها.

رأيتها منذ يومين، تمشي بحذر في الشوارع والطرقات، كي لا يلاحظ الناس وجودها، ولا يلتفت أحد للبحر الذي يترسّب ملحه على أطراف ملابسها.

……………………………

*قصة من المجموعة القصصية “المتجه إلى السرايا يسلك طريق البحر” التي ستصدر قريباً عن دار صفصافة للنشر والتوزيع.

 

شهيرة لاشين

24 مقال
كاتبة وباحثة مصرية، حاصلة على دكتوراه الفلسفة في التربية، تخصص مناهج وطرق تدريس التاريخ من جامعة المنوفية. تجمع في كتابتها…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع