الثقافة والتخلف.. مساءلة الحالة العربية

abd alsalam farouk

عبد السلام فاروق

ليس في السؤال جديد. ولا في الإجابة، حين تختزل، جديد. فسؤال التخلف العربي يطرح كل عقد، ويدفن، ثم ينعش، كأنه جثة لا تقبل التحلل. وهذه المرة ، بعد عقود من النفط والثورات والحروب والربيع الذي كان شتاء، نعود نسأل لماذا نحن هكذا؟ لماذا تتقدم الأمم ونحن ندور في حلقة مفزعة، نشخص فيها عيوبنا ثم نعزوها إلى الخارج، أو نلقي باللائمة على الاستعمار، أو نلوح بإشارة القدر؟

الحقيقة المرة أننا نعيش أزمة ثقافية قبل أن تكون أزمة اقتصادية. وقد عرفها عالم السياسة الأمريكي إدوارد بانفيلد عام 1958، حين درس الفقر في “مونتيغرانو”، واكتشف أن المشكلة ليست في غياب الموارد، بل في غياب العقد الاجتماعي. أطلق عليها “العائلية اللاأخلاقية” لا أحد يثق بأحد، والكل يعمل لصالح أسرته الضيقة، والنتيجة أن المجتمع بأكمله يغرق في مستنقع من الريبة والانهيار. وسأل نفسه كيف تبني جسراً وأنت لا تثق أن الجسر سيصمد؟ وكيف تدفع الضرائب وأنت متأكد أن غيرك سيتهرب منها؟

هذا الكتاب أزعج اليسار واليمين معاً. اليسار لأنه اتهم الفقراء بأنهم صنعوا فقرهم بأيديهم. واليمين لأنه قال إن السوق وحده لا يصنع مجتمعاً. غير أن بانفيلد لم يتهم الثقافة وحدها، وأشار إلى تفاعلها مع المؤسسات. ثقافة لا تثق بالمؤسسات تنتج مؤسسات فاسدة. ومؤسسات فاسدة تنتج ثقافة لا تثق بأي شيء. دوامة، يا سادة، لا مخرج منها إلا بتغيير جذري.

والسؤال العربي الآن هو ألسنا نحن نسخة مكبرة من مونتيغرانو؟ أليست الواسطة هي عملة البلاد الرائجة؟ أليس من تعرف أهم مما تعرف؟ ألسنا نرى أنفسنا عائلات متناحرة، وقبائل متنافسة، وطوائف متوجسة، لا كمواطنين في دولة واحدة؟ حين يصل الأمر إلى أن الشاب العربي يبحث عن وظيفة عبر صلات أبيه، لا عبر شهادته، فإننا أمام نظام مواز، نظام لا يكتب في الدستور لكنه يمارس في كل وزارة وشركة وشارع.

ولست هنا أدافع عن نظرة الغرب الدونية لنا، كما يفعل أدعياء التحرر الذين يرون في كل نقد عربي للعربي خيانة للقضية. الاستشراق موجود، ونظرتهم إلينا كـ”عجائز لا يصلحون للحكم” موجودة. لكن عكس ذلك ليس أن ننكر عيوبنا. عكس العيب ليس إنكار العيب، إنما الاعتراف به والعمل عليه. عندما يصفنا الغرب بالكسل، فهذا هراء. ولكن عندما يصفنا بانفيلد بالعائلية اللاأخلاقية، فعلينا أن نتوقف، وننظر في المرآة، ونقرأ كتابه بجرأة، ليس لنعرف كيف يرانا الغرب، بل كيف نرى نحن أنفسنا.

ما يميز المجتمعات الناجحة ليس غناها بالموارد الطبيعية، لكن غناها بالثقة. الثقة هي النفط الحقيقي. المجتمعات التي يثق أفرادها ببعضهم، وتثق بمؤسساتها، وتثق بأن الغد سيكون أفضل من اليوم، تلك هي التي تتقدم. والثقة لا تبنى بالخطب، ولا بالقوانين التي لا تنفذ. الثقة تبنى بأن يرى المواطن أن جاره الذي تخطى الإشارة عوقب، وأن المدير الذي عين ابنه في وظيفة حساسة أُقصي، وأن الشكوى التي قدمها إلى المحكمة لم تبق في الأدراج سنوات. حين يرى ذلك، يبدأ بالتدريج أن يصدق أن القانون هو السيد، وأن الجدارة هي الطريق، وأن الدولة ليست مجرد جباية ضرائب وتوزيع منافع.

ولكن هل قدمت الدول العربية لمواطنيها هذا النموذج؟ قفزت أتذكر أن بعضهم، حين سئل عن سبب هروب رأس المال العربي إلى الخارج، قال: “إنه يخاف من القادم”. لم يقل يخاف من الفقر، لكن يخاف من غياب اليقين. رأس المال يهرب لأن القانون لا يحميه، لأن العلاقة مع الحاكم هي التي تقرر الربح أو الخسارة، لأن المحاكم أداة في يد القوي. فكيف نطلب من الناس أن يكونوا مدنيين، ودولهم لم تكن مدنية معهم؟

هنا تكمن المفارقة. نحن نعيش في حلقة مفزعة الدولة لا تثق بالمواطن، فيخون المواطن الدولة. والمواطن لا يثق بالدولة، فتصبح الدولة أكثر قسوة واستبداداً. والثقافة الناتجة هي ثقافة الناجي، ثقافة الذي يمشي على الحبل، ثقافة الذي لا يبني بيته لأن الزلزال قادم لا محالة. حتى إننا صرنا نتحدث عن الواقع كقدر، وليس كنتاج لسياسات بشرية. “هكذا هي الدنيا”، “ما باليد حيلة”، “اكتبها على جبينه”. هذه المقولات ليست أمثلة شعبية بريئة؛ هي تبرير للاستسلام، وهي إعلان هزيمة قبل المعركة.

غير أن لوم الثقافة وحدها ظلم. الثقافة ليست قدراً محتوماً. الثقافة تتغير حين تتغير البيئة. لنتذكر اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، دولة منهكة، فقيرة، محتلة، ثقافتها كانت عسكرية إقطاعية. اليوم هي قوة تكنولوجية عظمى. هل تغيرت طبيعة اليابانيين؟ لا، تغيرت مؤسساتهم، تغيرت قوانينهم، تغيرت حوافزهم. صار من المربح أن تكون نزيهاً، ومن المكلف أن تكون فاسداً. وهكذا تصنع المجتمعات.

نحن في العالم العربي بحاجة إلى ثورة مؤسسية قبل أي شيء آخر. ثورة في إدارة الدولة. محاكم مستقلة، إعلام حر، وجامعة تكافئ الباحث المبدع لا ابن الوزير. هذا الكلام يبدو حلماً في زمن الأحلام المستحيلة. ولكن أي بديل لدينا؟ البقاء على هذا الحال يعني أن الجيل القادم سيرث مشاكلنا نفسها، بل أعمق، وأن الهجرة إلى الخارج ستصبح الحلم الوحيد للشاب العربي الطموح. وقد بدأنا نرى هذا عقولنا تهاجر، وأموالنا تهاجر، وحتى أحلامنا تهاجر. ما تبقى هو مجرد جسد يتنفس.

ولا أنسى هنا أن أتحدث عن النخب العربية. أين المثقفون؟ أين المفكرون الذين كانوا يملؤون الدنيا ضجيجاً بأفكارهم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي؟ تحول كثيرون إلى نخب متقاعدة، إما في خدمة السلطة، أو في معارضة عقيمة، أو في صمت مطبق. وأصبح الخطاب العام إما دينياً سلفياً يشرع الواقع، أو علمانياً شعبوياً يردد شعارات الاشتراكية الفارغة. قليلون هم من يطرحون أسئلة حقيقية، مثل كيف نبني ثقافة المواطنة؟ كيف نعلم أطفالنا أن القانون يحميهم لا يخيفهم؟ كيف نخرج من منطق نحن وهم إلى منطق نحن جميعاً؟

هذا المقال ليس دعوة إلى اليأس. على العكس، أنا متفائل بغرابة. لأنني أرى أن المجتمعات العربية ليست ميتة. أرى شباباً يرفضون الواسطة، ونساء يقتحمن مجالات كان يعتقد أنها حكراً على الرجال، وصحفيين يخاطرون بحياتهم ليكتبوا كلمة حق، ونشطاء مدنيين يبنون مؤسسات من لا شيء. هؤلاء هم الأمل الحقيقي. لكن الأمل وحده لا يبني دولة. الأمل يحتاج إلى أجنحة، وهذه الأجنحة هي قانون، ومؤسسة، وثقافة تقول إن الغد سيكون أفضل ليس لأن الله قال ذلك، بل لأننا سنصنعه بأيدينا.

لننه هذا المقال بعودة إلى بانفيلد. في نهاية كتابه، لم يقل إن مونتيغرانو محكوم عليها بالفقر الأبدي. إنما قال إن تغيير الثقافة ممكن، لكنه يحتاج إلى جيل كامل، وإلى إرادة سياسية حقيقية، وإلى نموذج جديد للعلاقة بين الفرد والمجتمع. ونحن في العالم العربي بحاجة إلى مشروع نهضوي جديد، لا يستنسخ الغرب، ولا يكرر تجارب الماضي الفاشلة، بل ينطلق من خصوصيتنا ومن عالميتنا معاً. مشروع يحررنا من ثنائيات مزيفة؛ أصالة ضد حداثة، دين ضد علم، قبيلة ضد دولة. مشروع يقول نعم نقد ذاتنا، لا لنكره أنفسنا. نعم ننتقد الغرب، لا لنكره الغرب. نعم نريد التقدم، لا لنصبح نسخة مكررة من الآخر.

العالم العربي ليس فاشلاً. لكنه يمر بمرحلة عسيرة، مرحلة يتخبط فيها بين الماضي الذي لا يعود والمستقبل الذي لا يأتي. والخروج من هذه المرحلة يتطلب شجاعة نادرة؛ شجاعة الاعتراف بأن العدو الحقيقي ليس خارج الحدود، لكنه داخل العقول والمؤسسات. فهل نملك هذه الشجاعة؟ أم نظل نردد أن الغرب يكيد لنا، ونحن نغرق في وحلنا بأيدينا؟

الجواب، كما يقول العرب القدامى، في بطون الكتب. ولكن الكتب وحدها لا تصنع التاريخ. التاريخ يصنعه أشخاص يقرؤون ثم يقومون.

السؤال الآن هل سنقوم؟

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع