ضياء حامد
تأتي رواية “بيارق على رقعة الشطرنج” للروائي رياض القاضي بوصفها امتداداً سردياً وسياسياً لعالمه الروائي الذي بدأه في رواية “أحدب بغداد”، لكنها تبدو أكثر انغماساً في تشريح البنية العميقة للفوضى العراقية بعد عام 2003. فالرواية لا تكتفي بتقديم حكاية تشويق سياسي أو مطاردة استخباراتية، بل تحاول أن تؤسس لرؤية فكرية ترى العراق فضاءً مفتوحاً لصراع القوى المحلية والدولية، حيث يتحول الإنسان إلى مجرد قطعة صغيرة داخل لعبة كبرى لا يمتلك السيطرة عليها.
منذ العنوان، يضع الكاتب القارئ أمام استعارة مركزية شديدة الوضوح، فـ(رقعة الشطرنج) ليست سوى العراق، أما (البيارق) فهم المواطنون والأحزاب والشخصيات التي تتحرك وفق إرادات أعلى منها. وهذه الرمزية لا تظهر في العنوان فقط، بل تمتد إلى كامل البناء السردي، حيث تتشابك المصائر الفردية مع خطط استخباراتية وشبكات سياسية تتجاوز قدرة الأفراد على الفهم أو المقاومة.
تعتمد الرواية على حبكة متشعبة تدور حول شخصية (الدكتور عمر)، العائد إلى العراق حاملاً مشروعاً عمرانياً يطمح من خلاله إلى المساهمة في إعادة بناء وطنه. غير أن هذا الحلم سرعان ما يصطدم بواقع مأزوم تحكمه الميليشيات والصفقات السرية والصراعات المسلحة. وهنا ينجح الكاتب في تحويل شخصية عمر إلى رمز لجيل كامل من العراقيين الذين عادوا من المنافي محمّلين بأحلام الإصلاح، ليكتشفوا أن الخراب لم يعد مادياً فقط، بل صار بنية سياسية ونفسية متجذرة.
إن اختيار مهنة (البناء) للبطل يحمل دلالة عميقة، فالرجل الذي يريد تشييد الوطن يجد نفسه مطارَداً داخل وطن مهدّم أخلاقياً وسياسياً. ومن خلال هذه المفارقة، تطرح الرواية سؤالها المركزي: هل يمكن إعادة بناء بلد تحكمه شبكات العنف والمصالح الخارجية؟
تتحرك الرواية أيضاً في فضاء الجاسوسية والمؤامرة، حيث تتداخل أجهزة الاستخبارات البريطانية مع الميليشيات المحلية، وتظهر شخصيات مثل “كاميليا” التي تجمع بين الإغواء والاحتراف الاستخباراتي. وهذه الشخصية لا تُقدَّم بوصفها بطلة إنقاذ تقليدية، بل باعتبارها وجهاً آخر للهيمنة الغربية الناعمة، فهي تساعد البطل، لكنها في الوقت نفسه توظفه داخل لعبة سياسية أكبر منه. وبهذا المعنى، فإن الرواية تزعزع الحدود الأخلاقية بين المنقذ والمستغل، وبين الحليف والعدو.
ومن أكثر الجوانب إثارة في الرواية توظيفها لعناصر الماسونية والوثائق السرية والماضي الملكي. فعبر استعادة شخصية مرتبطة بالقصر الملكي للملك فيصل الثاني، يحاول الكاتب الربط بين لحظتين تاريخيتين: سقوط الملكية وانهيار الدولة الحديثة بعد الاحتلال الأمريكي. وكأن الرواية تقول إن التاريخ العراقي ليس سلسلة تطور متصل، بل سلسلة انقطاعات وصدمات متلاحقة أعادت إنتاج العنف بأشكال مختلفة.
غير أن هذا الاتساع في شبكة المؤامرات يشكل، في الوقت نفسه، نقطة قوة وضعف معاً. فمن جهة، يمنح الرواية جواً كثيفاً من الغموض والريبة، ويجعل القارئ يشعر بأن كل شيء مراقَب ومحكوم بقوى خفية. ومن جهة أخرى، تميل الرواية أحياناً إلى الإفراط في توسيع دوائر المؤامرة، بحيث تتداخل الميليشيات والاستخبارات والماسونية في شبكة واحدة تبدو أكبر من الواقع ذاته. وهذا قد يدفع بعض القراء إلى الشعور بأن النص يقترب من خطاب (نظرية المؤامرة) أكثر من اقترابه من الواقعية السياسية الدقيقة.
أما على المستوى الفني، فإن لغة الرواية تتسم بالحركة والسرعة، خاصة في مشاهد المطاردة والتوتر الأمني، بينما تصبح أكثر وصفية وتأملاً في المقاطع التاريخية والسياسية. ويُحسب للكاتب قدرته على خلق جو دائم من القلق، بحيث تبدو الشخصيات كلها محاصرة بالخوف وانعدام الثقة. حتى العلاقات الإنسانية داخل الرواية تبدو هشة ومؤقتة، وكأن الحرب لم تدمّر المدن فقط، بل دمّرت أيضاً قدرة البشر على الاطمئنان لبعضهم البعض.
وفي العمق، لا تتحدث الرواية عن السياسة وحدها، بل عن الإنسان المهدد داخل عالم فقد معناه. إنها رواية عن الخوف، والضياع، وانهيار فكرة الوطن، وعن الفرد الذي يجد نفسه محاصراً بين قوى لا يستطيع مواجهتها. لذلك فإن أهم ما يميز العمل ليس حبكته البوليسية أو عناصر التشويق فيه، بل قدرته على تحويل الواقع العراقي إلى سؤال وجودي: كيف يعيش الإنسان في وطن أصبح ساحة مفتوحة للنفوذ والعنف والخراب؟
في النهاية، يمكن القول إن “بيارق على رقعة الشطرنج” تقدم رؤية شديدة الصدق عن عراق ما بعد الاحتلال، حيث لم يعد الأفراد أبطالاً حقيقيين، بل بيادق تتحرك فوق رقعة تتحكم بها أيادٍ خفية. وهي، بهذا المعنى، رواية سياسية بامتياز، لكنها أيضاً رواية عن هشاشة الإنسان حين يفقد القدرة على التحكم بمصيره.
عن الكاتب رياض القاضي
* نشأته وهجرته: وُلد في بغداد عام 1974، واضطر إلى مغادرة العراق عام 1999.
* روائي وصحفي، حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال من لندن، ويجيد ست لغات. وله العديد من الإصدارات التي تتنوع بين الرواية والخواطر والشعر.
* من أعماله: “مولانا السيد (حليف الشيطان)”، وهي رواية تتناول صراع الجن والإنس ودور رجال الدين في أزمات العراق بين عامي 1922 و1933.
* “بيت القاضي (العراب الأخير)”، وهو عمل سياسي يغوص في تعقيدات السلطة.
* “قارئة الفنجان واعترافات الحب”، وهي مجموعة من الخواطر والقصص.









