سامح قاسم
يبدو عزت القمحاوي في “ثلاثية الغربة” كاتباً مشغولاً بما يتسرّب من حياة الناس أكثر من انشغاله بما يظهر على سطحها. يذهب إلى الإنسان في لحظاته العادية: حين يعود إلى غرفته آخر النهار، حين يطيل النظر من نافذة فندق، حين يشعر فجأة أن المدينة التي عاش فيها سنوات طويلة صارت أبعد من ذي قبل. من هذه المساحات الضيقة يخرج عالم القمحاوي كله، عالم تتحرك به شخصيات تحمل قدراً خفيفاً من التعب، وكثيراً من الأسئلة المؤجلة.
في الروايات الثلاث التي تضمها “ثلاثية الغربة”: “غرفة ترى النيل” و”البحر خلف الستائر” و”مدينة اللذة”، يمضي الكاتب وراء أثر الإنسان وهو يحاول أن يحتفظ بشيء ثابت وسط عالم سريع التبدل. لا شيء حاداً يحدث في الظاهر، ومع ذلك يشعر القارئ أن حياة كاملة تتحرك بين السطور. رجل يجرّ حقيبته في ممر فندق، امرأة تنظر إلى هاتفها طويلاً، لقاء عابر في مقهى، أو سهرة قصيرة تنتهي بإحساس غامض بالوحشة. تلك التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه، يمنحها القمحاوي وقتاً كافياً كي تكشف معناها الإنساني.
في “غرفة ترى النيل” تبدو القاهرة حاضرة بثقلها اليومي: الشوارع، الفنادق، المقاهي، الوجوه المرهقة، والإحساس الذي يرافق الإنسان حين يدرك أن عمره يتحرك أسرع من أحلامه وطموحاته. النيل يمرّ في الخلفية مثل شريان مفتوح، فيما الشخصيات غارقة في مراجعة حياتها وعلاقاتها وما تبقى منها. القمحاوي يكتب المدينة من القلب، من أثرها على الروح، ومن قدرتها على دفع الناس نحو عزلاتهم الصغيرة.
أما “البحر خلف الستائر” فتتحرك بمزاج أكثر هدوءاً وانكساراً. البحر قريب طوال الوقت، والشخصيات تبدو كأنها تنظر إليه من مسافة بعيدة. العلاقات هنا مترددة، ناقصة، تحمل ذلك القلق الخفي الذي يجعل البشر عاجزين عن الوصول الكامل إلى بعضهم. كل شخصية تحمل وحدتها بطريقتها الخاصة، والكاتب يقترب منها بصبر شديد، كأنه يخشى أن يوقظ جرحها الغائر.
وفي “مدينة اللذة” يذهب القمحاوي إلى عالم المدن بما فيه من رغبات سريعة وعلاقات عابرة وأيام متشابهة. الشخصيات تبحث عن المتعة، عن الحب، عن شيء يخفف ثقل الأيام، ثم تكتشف بالتدريج أن الفراغ يبقى موجوداً مهما تبدلت الأمكنة والوجوه. هنا تظهر براعة القمحاوي في التقاط التناقض الإنساني: ذلك الإنسان الذي يقترب من الآخرين كثيراً، ويشعر مع ذلك بمسافة هائلة تفصله عنهم.
ما يمنح هذه الثلاثية قوتها الحقيقية أن الكاتب يعرف كيف يرى المعنى داخل الأشياء الصغيرة. أغنية قديمة في مطعم، فنجان قهوة على طاولة، ضوء غرفة في آخر الليل، أو صمت قصير بين شخصين يعرفان أن اللقاء يقترب من نهايته. هذه التفاصيل تتحول عنده إلى مفاتيح لفهم البشر، ولهذا يشعر القارئ أن النصوص تمسه بطريقة شخصية وحميمة.
كما تمتلك لغة القمحاوي ذلك الصفاء الباهر. الجمل تمضي بهدوء، والإيقاع متأنٍ، والعبارات تقترب من القارئ من دون استعراض. هناك خبرة واضحة في بناء المشهد وفي معرفة اللحظة التي ينبغي أن تتوقف عندها الجملة كي تترك أثرها الكامل.
وفي العمق، تبدو “ثلاثية الغربة” كتابة عن الزمن أيضاً. عن الناس الذين يكتشفون فجأة أن حياتهم القديمة ابتعدت، وأن المدن تغيّرت، وأن العلاقات التي بدت يوماً راسخة صارت مجرد أثراً قديماً.
القمحاوي يكتب هذا التحول بحس إنساني شفيف، ويمنح شخصياته حقها الكامل في التعب والأشواق والرغبة في العثور على معنى يخفف قسوة الأيام.
لهذا تترك “ثلاثية الغربة” أثرها ببطء. فالقارئ يخرج منها محمّلاً بالأحداث، وبذلك الشعور الغامض الذي يرافقه بعد انتهاء القراءة: إحساس بأن الإنسان، مهما اقترب من الآخرين، يحمل دائمًا شيئاً من غربته الخاصة، ويمضي في الحياة محاولاً أن يجد ملاذاً يُخفف قسوة هذا العالم.











