أحمد الشَّهاوي
في الجنوب الإسباني، حيثُ البحرُ يلمسُ ذاكرةَ العربِ القديمة، وحيثُ تتكئُ المدنُ الأندلسيةُ على ظلالِ محيي الدين بن العربي ولوركا، ينهضُ صوتُ الشاعر خوسيه ساريا بوصفه واحدًا من أكثر الأصوات الشعرية الإسبانية اقترابًا من الروح العربية، لا من باب المجاملة الثقافية، بل من باب الانتماءِ الروحيِّ العميق إلى فكرةِ الأندلس بوصفها جسرًا بين بين لغتين.
وقد ولد ساريا في ملقة المدينة التي تعرف كيف تصنع من الضوء قصيدة، ومن البحر تأمّلًا طويلًا في هشاشة الإنسان. ففي هذه المدينة تشكّلت حساسيته الشعرية المبكرّة، لا باعتباره شاعرًا إسبانيًّا فحسب، بل شاعرًا أندلسيًّا يحملُ في دمه بقايا الحضارات التي مرّت من هنا كالعرب، والرومان، والمتصوفة، والموسيقى التي لا تزال تتسلل من الحارات القديمة مثل دعاءٍ قديم.
حين تقرأ شعر خوسيه ساريا تشعر أنك لا تقرأ قصائد مكتوبة بالحبر، بل بالحنين. ثمة شاعر يمشي داخل نصوصه حافيًا، خائفًا من إيقاظ الذاكرة. شاعر يعرف أن العالم هشّ، وأن اللغة آخرُ ما تبقّى لنا أمام هذا الخراب الكوني. ولذلك تبدو قصيدته كأنها صلاةٌ للنجاة، أو محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنسان.

لقد استطاع خوسيه ساريا أن يحتل مكانة شعرية مميزة داخل المشهد الثقافي الإسباني المعاصر، لا بسبب غزارة إنتاجه فقط، بل بسبب فرادة مشروعه الشعري الذي يتجاوز المحلي نحو أفق إنساني وروحي واسع. فقد أصدر عشرات الكتب في الشعر والسرد والنقد، وترجمت أعماله إلى لغات عديدة، من بينها العربية في كل من المغرب والعراق، والفرنسية والإنجليزية والإيطالية والرومانية. كما حضر اسمه في مختارات شعرية دولية كثيرة، ما جعله أحد أبرز الأصوات الأندلسية الحديثة.
غير أن أهمية خوسيه ساريا لا تكمن في عدد كتبه، بل في نوعية الجسر الذي بناه بين الضفتين. لقد كان دائم الانحياز إلى الثقافة العربية، وإلى المغرب تحديدًا، بوصفه الامتداد الحيّ للروح الأندلسية. وليس غريبًا أن يقيم صداقات عميقة مع شعراء وكتّاب مغاربة، وأن يحضر باستمرار في الفعاليات الثقافية العربية، وأن يترأس جمعيات للحوار الثقافي بين إسبانيا والمغرب.
لقد بدا خوسيه ساريا في كثير من الأحيان، كأنه يحاول أن يرمم بالشعر ما هدمه التاريخ والسياسة.

ففي شعره حضور واضح للتصوف الإسلامي، خصوصًا أثر ابن عربي وابن رشد. لكنه لا يستعير التصوف بوصفه زينة ثقافية، بل باعتباره طريقًا لفهم الذات والعالم. وليست القصيدة عنده وصفًا للأشياء، بل عبورٌ نحو جوهرها. ولذلك كثيرًا ما تبدو نصوصه مثل مرايا داخل مرايا، أو مثل أبواب تُفتح على احتمالاتٍ لا نهائية من التأويل.
إنه شاعر الزمن الهارب. شاعر الذاكرة التي تتآكل مثل جدار قديم في حيّ أندلسي. ففي دواوينه ومنها “زمن الانتظار” و“كتاب المياه” و“سجل الهزائم” و“معاهدة الحب المستحيل”، يكتب عن الإنسان بوصفه كائنًا مهددًا بالفقد، لكنه يظلّ متمسكًا بالأمل، ولو كان أملًا صغيرًا يشبه ضوء شمعة في عاصفة.
وحين تُرجمت أعماله إلى العربية، بدا الأمر كأن القصائد تعود إلى بيتها الأول. لقد استقبل القارئ العربي شعره بحفاوة لافتة، لأن هناك قرابة خفية بين حساسيته الشعرية والذائقة العربية الحديثة، خصوصًا تلك التي تميل إلى التأمل والوجد واللغة الشفيفة. واللافت أن قصائده، رغم انتمائها إلى اللغة الإسبانية، تحمل موسيقى داخلية قريبة من الروح الصوفية العربية، حيثُ تتجاور الحكمة مع الحزن، والعشق مع الفناء.

لا يكتب خوسيه ساريا القصيدة بوصفها بناءً لغويًّا مغلقًا، بل باعتبارها كائنًا حيًّا يتنفّس. فلغته شفافة لكنها عميقة، هادئة لكنها مليئة بالقلق الداخلي.
إنه من الشعراء الذين لا يصرخون داخل النص، بل يهمسون، غير أن همسهم يبقى طويلًا في الروح. ولذلك فإن قارئه لا يخرج من القصيدة كما دخل إليها؛ ثمة شيء ما يتغير في الداخل، ولو قليلًا.
وفي زمنٍ أصبحت فيه القصيدة الحديثة تميل إلى البرودة الذهنية، يحتفظ خوسيه ساريا بحرارة القلب.
إنه شاعر يعرف أن الكتابة ليست استعراضًا ثقافيًا، بل محاولة لفهم هذا الألم الإنساني الكبير. وربما لهذا السبب تبدو قصائده قريبة من البشر، حتى وهي مغمورة بالفلسفة والأسئلة الوجودية.
لقد استطاع أن يمنح الشعر الإسباني المعاصر بعدًا متوسطيًّا وإنسانيًّا نادرًا، وأن يجعل من الأندلس فضاءً شعريًّا مفتوحًا لا جغرافيا مغلقة. فالأندلس عنده ليست ماضيًا منتهيًّا، بل كائن حيّ يسكن اللغة والذاكرة والموسيقى والبحر. ولهذا يظلّ وفيًّا لفكرة الحوار بين الثقافات، مؤمنًا بأن الشعر قادر على ترميم العالم، ولو جزئيًا.
يشبه خوسيه ساريا أولئك الشعراء الذين يمشون بمحاذاة الغياب، لكنهم لا يسقطون فيه. يحمل في قصيدته حزن المتوسط، وضياء الجنوب، وحنين العرب الذين عبروا من هنا ذات زمن بعيد وتركوا في الحجارة أنفاسهم. وربما لهذا يبدو قريبًا من القارئ العربي إلى هذا الحد؛ لأنه لا يكتب عن العرب من الخارج، بل من منطقة وجدانية عميقة يشعر فيها أن الأندلس لم تغادره أبدًا.
إنه شاعر يرى العالم بعين الحكيم، وقلب العاشق، وقلق الإنسان الذي يعرف أن القصيدة ليست خلاصًا كاملًا، لكنها على الأقل تمنحنا القدرة على احتمال هذا العالم قليلًا.

ومدينة مالقة أو Málagaكما تنطق الآن بالإسبانية كانت واحدة من الحواضر الأندلسية المهمة، وقد نُسب إليها عدد من العلماء والأدباء والفلاسفة الذين عُرفوا بلقب «المَلَقي» أو «المالقي»، نسبةً إلى مالقة.
ومن أبرزهم ابن البيطار المالقي وهو من أعظم علماء النبات والصيدلة في الحضارة العربية الإسلامية. وله كتاب شهير هو «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» ويُعد من أهم المراجع العلمية في تاريخ الطب والنبات. وابن عاصم المالقي وهو من كبار الفقهاء والأدباء في غرناطة ومالقة. وقد اشتهر بكتابه الفقهي «تحفة الحكام» الذي أصبح مرجعًا في القضاء والفقه المالكي في المغرب والأندلس. و يحيى بن يحيى المالقي وهو من أوائل من أدخلوا المذهب المالكي إلى الأندلس، وكان له تأثير بالغ في الحياة الدينية والفقهية هناك. وأصبح اسمه علامة في تاريخ الفقه الأندلسي، حتى إن المذهب المالكي ترسخ بفضله في الأندلس والمغرب. وأبو القاسم الشاطبي المالقي
رغم أن الشاطبي يُنسب غالبًا إلى شاطبة، فإن بعض مراحل حياته واتصالاته العلمية ارتبطت بمالقة. ويُعد من كبار علماء أصول الفقه والفكر المقاصدي، وصاحب كتاب «الموافقات». وأبو جعفر أحمد بن نصر المالقي وكان من أدباء مالقة المعروفين في العصر الأندلسي، واشتهر بالشعر والكتابة الديوانية. وابن الفخار المالقي
من علماء الحديث والفقه في الأندلس، وكانت له مكانة علمية معتبرة في عصره.
وأبو عبد الله محمد المالقي، وقد برز في علوم اللغة والنحو، وكان من أعلام الثقافة العربية في جنوب الأندلس. ولم تكن مالقة مدينة علم فقط، بل كانت ميناءً حضاريًّا كبيرًا، التقت فيه الثقافات الإسلامية والمسيحية واليهودية، ولهذا خرج منها شعراء وموسيقيون وفلاسفة وأطباء، وكان لقب «المالقي» يحمل دلالة ثقافية رفيعة في العالم الإسلامي الوسيط، تمامًا كما حمل لقب «القرطبي» أو «الغرناطي».

وقد بقي أثر هؤلاء العلماء ممتدًا في المغرب العربي خصوصًا، لأن العلاقة بين الأندلس والمغرب لم تكن علاقة جغرافيا فقط، بل علاقة علم وروح وهجرة وذاكرة.
ولذا ليس غريبا أن نجد شاعرا مثل خوسيه ساريا يبرز من مالقة، حتى أن كثيرين يطلقون عليه شاعر مالقة، وإن كان تأثيره ممتدا في سائر إسبانيا.











