أحمد طه
محمد سلیمان منذ بداية تفتح الوعى عنده كان منفرداً، أعنى كان فرداً واحداً وليس فرداً فى مجموعة، هكذا شاءت مجريات حياته، عندما تخرَّج من كلية الصيدلة أواخر الستينات من القرن الماضى، كان موظفاً مسئولاً، أقرب إلى مدير نفسه فقد عمل فى فروع الشركة المصرية للأدوية التابعة للدولة، لم يعمل فى منشأة كبيرة تضم مشرفين ومديرين وعمالاً، بل عمل دائماً كمسئول صغبر فى فرع، ومعه عامل مناول، ومن خلال عمله فى فرع الشركة بوسط المدينة (شارع الأفى) تعرَّف على كبار الوسط الإبداعى فى مصر، ممن كانوا يترددون على المكان، للحصول على الأدوية غير المتوفرة فى الصيدليات الأهلية وكذا الأدوية المستوردة التى احتكرت استيرادها شركة الأدوية الحكومية.
تعرف محمد سليمان على “جماعة فجر” الأدبية التى كانت تقيم جلساتها فى أحد كازينوهات نيل “منيل الروضة” بالقاهرة، وضمت يسرى العزب، محمد مستجاب، عبد العال الحمامصى، طه وادى، وآخرين لا أتذكرهم. كان كعادته أقرب إلى العضو المنتسب، محافظاً على فرديته التى تتفادى وتنفر من الالتصاق بحشد أو جمع مهما كان قريباً إلى نفسه.
بعد أن ترك الوظيفة الحكومية وقرر أن يقيم منشأته الخاصة، افتتح “صيدلية الشعب” فى مجاهل حى الوايلى الكبير شرق القاهرة، وبعدها بسنوات قليلة استأجر شقة لائقة فى حى “حدائق القبة” القريب من الصيدلية، (وإن كنت غير متأكد أيهما كان الأسبق الشقة أم الصيدلية) وهناك تعرف عليه جاره عبد المنعم رمضان، عندما دخل الصيدلية لشراء بعض الأدوية فوجده يقرأ فى ديوان أحد شعرائنا من رواد شعر التفعيلة.
ومن نوادر جيلنا أن عبد المنعم رمضان تعرف على محمد عيد إبراهيم فى أحد الأوتوبيسات وهو يقرأ أو يحمل ديواناً شعرياً لأحد شعرائنا الكبار، كنت أكاد أقهقه عندما علمت بهذه الطريقة المبتكرة للتعارف فكنت أشعر بالندم لأننى لم أسعَ فى حياتى المزدحمة دون أن يكون فى صحبتى ديوان أو أكثر.
هكذا كان يعامل السبعينيون الكتب، خاصة الشعرية منها، فكان الشاعر منهم يفضِّل تأبط كتاب فى رواحه ومجينه، ولا يتأبط فتاة مهما كانت فائقة الجمال، كنا أقرب إلى الصوفيين نتوحد بالكتب مثلما يتوحد الصوفى بالذات العليا، لهذا تميز السبعينيون عمن قبلهم أو بعدهم من الأجيال الأدبية بالثقافة الرفيعة والحقيقية سواء كانت ثقافة إبداعية أم نظرية.
کنا أنا وعبد المقصود عبد الكريم وعزت عواد وشمس الدين موسی وآخرون، نسكن حى شبرا شمال القاهرة بينما سكن طلعت شاهين وقريبه على حامد فى شارع “شيكولانى” أو “كتشنر” الذى أسكن فيه، عرفنا بعضنا من خلال ترددنا على ندوة سيد حجاب فى مبنى الاتحاد الاشتراكى الذى احترق فى عام 2011 أثناء الانتفاضة الكبرى فى ٢٥ يناير من نفس السنة.
فى تلك الندوة تعرفت أنا وعبد المقصود على مجموعة الشعراء الذين كونوا فيما بعد جماعة “إضاءة”، على قنديل وحلمى سالم وأمجد ريان، كما تعرفنا على محمد عيد إبراهيم الطالب بكلية الإعلام جامعة القاهرة وزميل على حامد الذى نعرفه جيداً من خلال قربيه طلعت شاهين.
كانت هذه الأحداث فى النصف الثانى من السبعينيات حيث كنت أقيم ندونى الخميسية فى منزلى بشيرا، الذى كان يشمل سطحاً واسعاً (كنا نلعب فيه الكرة خلال دراستى بالمرحلة الابتدائية) أصبحنا جميعا شبه أصدقاء أو على الأقل رفاق شعر وقص أو “سرد” كما يقال الآن.
***
عندما أردت الاستقلال بمسكن خاص انتقلت بكتبى وندوتى وأريكتى التى أنام عليها إلى حى “الزاوية الحمراء” الملاصق لحى الوايلى الكبير، وهكذا اجتمع أعضاء جماعة “أصوات” معاً بعد أن عرَّفنا عبد المنعم رمضان على الشاعر محمد سليمان.
استمرت الندوة الخميسية، وكان محمد سليمان يشارك فيها كلما استطاع اصطياد أحد الشباب من محبيه وهم کثر کی يتولى أمر الدكان، كما كان سليمان يطلق على صيدليته.
لم يعبأ محمد سليمان كثيراً بالمقولات المصاحبة للشعر، ونفر من التنظير المنتشر آنذاك وكأنه كوليرا العصور الوسطى، حاول معظمنا إعطاء الشعر وثيقه هوية، تتضمن نسبة وفصيلة دمه ومما ينحدر أسلافه بینا رأى محمد سليمان الشعر مثلما يرى الصداقة والحب والجنس، فعلاً يأتى مثلما تأتى النباتات والهوام والنهار والليل والموت أيضاً، وهكذا اختار منذ البداية طريقه الخاص فى الإبداع الشعرى، الشعر عنده فعل فردى وهو جزء من صاحبه كالتوائم الملتصقة.
هكذا كانت حياته اليومية فى شقته بحدائق القبة، ترك بعض أصدقائنا الشعراء ممن ينتمون إلى الأقاليم يعيشون معه حتى تتيسر أحوالهم، بل أنه استضاف عاملين من “النقاشين” لشهور عديدة، بعد أن أنهيا عملهما فى دهان شقته، بعد أن وجد فيهما موهبة فى الحكى وعمل الشاى الذى كان يعشقه وكذا إعداد بعض الأكلات البسيطة، لم يفكر كما يفكر الناس فى احتمال سرقته أو الغدر به، أرغم الآخرين على إخراج أطيب ما فى نفوسهم وشخصياتهم بتسامحه وتجرده من أى عُقد تفسد رؤيته للآخرين، إلى جانب هذا كان قروياً مدينياً يسارياً يمينياً برجوازياً وصعلوكاً، شاعراً وحكاء ساخراً وفضاحاً، وفى كل الأحوال كان مقبولاً ممن يعرفونه لأنه كان هو فى كل الأوجه التى تسكن روحه.
***
فى النصف الأول من الثمانينيات تعرف على محبوبته الإسبانية لوث التى تكتب أطروحتها فى القاهرة عن الروائى جمال الغيطانى، أولعت به لوث وعاشت معه فى شقته وكأنها زوجة ريفية ورفيقة ثقافية وقرينة روحية له، وعندما قام رجال “أمن الدولة” بمهاجمة مسكنه ومسكنى ومساكن العديد من أصدقائنا الكتاب والمثقفين فى شتاء ١٩٨٥م وقاموا بالقبض علينا فى فجر ذلك اليوم قاموا باصطحاب لوث معهم إلى مقر أمن الدولة.
عندما نقلوا الجميع إلى سجن القناطر فوجئت بوجود المفكر والمترجم والشاعر بشير السباعى والروائى إبراهيم عبد المجيد ومجموعة كبيرة من أعضاء تنظيمات يسارية تم حلها من سنوات ومجموعة أكثر لا يعلمون شيئاً عن وجودهم معنا فى الزنزانة الكبيرة، ومن الطريف أنهم سجنوا معنا المصور الإسبانى خورخى وهو لا يعلم سبب القبض عليه، إلا إذا كان جلوسه معنا فى مقهى البستان هو جريمته.
استولت هذه الحملة على ما يقرب من ستمائة کتاب من مکتبتی وكانت الكتب التى لها علاقة بالفكر السياسى لا تتعدى ربع هذا العدد والباقى كتب فى التصوف الإسلامى والفلسفة اليونانية والإسلامية ودواوين ودراسات فى الشعر والأدب.
بعد عدة أشهر خرجتُ مع محمد سليمان وكنا آخر المفرج عنهم. نقلونا إلى أمن الدولة ليلقنوننا التعليمات بضرورة إعلامهم بأى تغيير فى عناويننا وأى سفر ننوى القيام به.. إلخ، وبالطبع لم نعبأ بأى من تعليماتهم ونسيناها بعد أن خرجنا إلى الشارع حيث سارعنا بشرب كوبين مثلجين من عصير القصب ثم أخذ كل منا تاكسياً إلى المنزل وقد رفض سائق التاكسى الذى أوصلنى أخذ أى أجر منى بعد أن أخذنى من أمام لاظوغلى وعلم أنى كنت محتجزاً لديهم رغم أنى لم أخبره أننى قادم أصلاً من سجن القناطر.
فى الشهور الماضية جاءت لوث من إسبانيا وقالت إنها تريد خدمة محمد سليمان فى مرضه وأخبرناها أن هذا المطلب مثله مثل الغول والعنقاء والخل الوفى.
نختم هذه الحكايا المتناثرة بقصيدة لمحمد سليمان كنت أدرِّسها لطلابى فى جامعة شيكاغو مع أنى لست أكاديمياً فلا تظنن بى السوء، وبالمناسبة كان محمد سليمان يطلق على حبيبته اسم نورا.
علاقات
الصباح.. يمد أصابعه من خروق السحب
والعصافير تخرج من ظلمة الصمت،
تلقى تحيتها.
والمذيع يطارد فى صوته النوم حين يصيح،
ويندلق الصبح من فتحة الباب،
يستقبل الله زواره….
يفرغ الكيس
لكننى أستدير أدغدغ نورا
وأدخلها خطوة خطوة
أتحسس فيها المحيط الذى تنبت الشمس منه
أقارنها ببلادى..
وأمهلها لحظة
ثم أنقض مقتلعاً صمتها الغجرىَّ
فتضحك أو تتشبث بالنوم
أو تتلوى انتشاء،
تجرجر أعضاءها من كهوف النعاس
تمد إلى وردة الباب وجهاً
فينفتح الباب.. يخضر عشبٌ على العارضة
مَن ترى يفتح الآن نافذتى؟
الطيور ترفرف بين المحيطات،
تبحث عن شجر فى الضباب المحلق
والنيل يترك تحت البخار ملامحه
وأنا أتقلب فوق الفراش،
أمد يدى لطيور الشمال
أسددها نحو نافذة تتدحرج منها البساتين
أسالها عن فتاة طوت بحرها…
وتأسَّت بثلج الميادين،
أطعمت الريح
أرخت ضفائرها حول شمس الشتاء
وشدت بلاداً من القلب
مالت على أفق ناصع – كلَّمته
ففاضت دموع الرخام،
وشب إليها من البحر طفل بلؤلؤةٍ
مَن ترى ثبَّت الليل فى الشرفات،
أهال على وردة خوفه،
وأعان الصحارى..؟
أنا……
أم الهمجى الذى يتجشأ فى غرفتي
يتناوم فى الركن
أو يتسلل شيئاً
فشيئاً
يوسع صحراءه
ثم يجلس فوق السرير عليه قميصي
وطاقيتي.








