ابن البلد

atef abd al aziz

عاطف عبد العزيز

فى مفتتح قصيدته “لم آخذ وجه أحد” بديوانه “دفاتر الغبار”، يقول محمد سليمان:

لم آخذ وجهَ أحد

لم أسرق وجهَ البحر

ولا يد موسى

لم أصبغ شعرى

تذكرنى هذه الأسطر بحوار دار منذ فترة وجيزة، بينى وبين الشاعر أحمد طه حول جماعة “أصوات”، إذ خطر لى حينها أن أسأله – بوصفه أحد مؤسسيها – عن الإطار الفكرى الواسع الذى كان بمقدوره الجمع بين تجارب أولئك الشعراء ممن انضووا تحتها، وعلى سبيل التحديد سألته: ما الذى يمكن أن يجمع بين تجربة شاعر كمحمد عيد إبراهيم، صاحب ديوان “قبر لينقض” بتجريبيتها والتباسها، وبين تجربة شاعر كمحمد سليمان، برصانتها وانفتاحها؟!

فاجأتنى إجابة أحمد طه حين رد ببساطته المعروفة، بأن لا شىء كان يجمع بين شعراء الجماعة سوى الصداقة والجوار فى السكنى، فعبد المقصود عبد الكريم كان جاره فى شبرا، ثم حين انتقل إلى الزاوية الحمراء، تعرف إلى محمد سليمان وعبد المنعم رمضان ومحمد عيد إبراهيم، الذين كانوا بالمصادفة يقطنون الوايلى القديم المجاور للزاوية الحمراء.

فسّرتْ إجابة أحمد طه العفوية، تلك الدهشة التى كانت تعترينى كلما طالعت ديوانًا لمحمد سليمان، فثمة ما يربط – فى رأيى- قصيدته بقصيدة الستينيات فى عمومها، ربما كان مرد ذلك إخلاصه الواضح لفكرة المعنى الشعرى، وهى فكرة حاول السبعينيون هدمها، لصالح فكرة التشكيل اللغوى المحض، وربما كان ذلك أيضًا من جراء نشأته فى بيئة تقليدية أورثته قدرًا كبيرًا من احترام التراث واعتباره مصدرًا للشرعية، ذلك فى الوقت الذى كانت قد شاعت فيه بين السبعينيين مقولات مثل: القطيعة مع الماضى، إلخ، الأمر الذى حال بينه وبين انخراطه فى التجريب المفرط الذى يصل أحيانًا إلى حد الافتعال، وهيمن على تجارب الكثير من أقرانه.

والحقيقة أن المرات القليلة التى التقيت فيها بمحمد سليمان، جرت فى جلسات الجُمَع التى كان يعقدها الدكتور محمد عبد المطلب رحمه الله، بمقهى الأمفتريون، وقد لاحظت إذاك حضور محمد سليمان القوى فى تلك الجلسات بقسماته المصرية النقية، وبأحاديثه التى لا تخلو من الطرافة، وكذلك آرائه الحاسمة الصريحة والنهائية، لذلك بدا لى مثالًا للرجل الشهم لطيف المعشر، أو بالتعبير المصرى الدارج “ابن بلد جدع”.

بيد أن ذلك الحسم الذى اتسمت به قناعاته، كان يثير قلق مَن كان مرتابًا مثلى، وأذكر أنه قرأ علينا مرة قصيدة طويلة له منشورة فى أحد أعداد أخبار الأدب، كانت القصيدة تتحدث عن النيل بوصفه رمزًا للوطن، لاقت القصيدة وقتها استحسان الموجودين، بمن فيهم الدكتور عبد المطلب، غير أنها لم تعجبنى على الإطلاق، إذ لاحظت أنها تقريرية إلى حد ما، كما أن بها عبارة تكررت مرات عديدة فى معرض تمجيد النيل، وهى “النيلُ ذَكَرْ”، أى أن الشاعر راقه أن يجعل من الذكورة مناط الجدارة فى هذه القصيدة، مما جعلنى أربط على الفور بين آرائه الحاسمة من جانب، وبين ذهنيته الذكورية من جانب آخر، تلك الذهنية شكلت – من وجهة نظرى – عائقًا ما فى مسار تجربة محمد سليمان، وربما تكون قد حرمتنا من شاعر عبقرى بمعنى الكلمة، شاعر طوال الوقت ظل نسيج وحده، ولم يسع يومًا ليأخذ “وجه أحد”، شاعر كان من الممكن أن يغيِّر مجرى الشعر بموهبته الخارقة.

الطريف أن المرة الوحيدة التى أتيح لى الكلام مع محمد سليمان على نحو مطوّل، فاجأنى بإبداء إعجابه بمقال لى كان قد قرأة منشورًا فى أحد المواقع الإلكترونية، فوجدت نفسى أذكره بقصيدته عن النيل ورأيى فيها، فلم يكن منه سوى قبول رأيى بصدر رحب، وإن بقى مختلفًا معى.

على هذا النحو، يمكن القول بأن محمد سليمان لم يكن شاعرًا سبعينيًّا بالمعنى الشائع، بل هو أقرب إلى أن يكون جسرًا ناعم الانحدار، يصل ما بين السبعينيات وما قبلها، وقد هيّأ له ذلك الحفاظ على الكثير من فرادته، وإن لم توفر له الحماية الكافية من التصنيف المجانى، وفى ظنى أنه جسَّد بتجربته الشعرية، وبحركته فى الحياة، فكرةً قد تبدو للبعض تقليدية، لكنها لم تكن لتخلو أبدًا من النبالة والشرف، أعنى.. فكرة الشاعر البطل المسؤول “ابن البلد”، الذى جعل الدفاع عن الإنسان غايته الأولى والأخيرة، رحمه الله رحمة واسعة.

 

عودة إلى الملف

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع