د. بشير رفعت سعيد: وظيفتي أن أكون قنَّاص الرُّؤى وعلى المبدع أن يتجاوز ثقافة الصيغ الشفاهية

بشير رفعت سعيد

حاوره: أحمد اللاوندي  

الشعر حياته، والقصيدة عنده لها خصوصيتها ولها رؤاها ولها مدلولاتها، وقد لا أكون مبالغًا حينما أقول إنه لا يتعجل أبدًا في إنجازها، ولا يبحث عن مجد هنا أو انتصار هناك، بل كل ما يعنيه أن يصل صوته إلى القارئ من أيسر الطرق وأسهلها. إنه الشاعر المصري دكتور بشير رفعت سعيد، أحد أهم الشعراء المصريين والعرب.

ولد في محافظة كفر الشيخ عام (1972م)، وحصل على ليسانس آداب وتربية لغة إنجليزية (1993م)، وعلى ليسانس آداب لغة عربية (1998م)، وعلى الدكتوراه في الأدب العربي الحديث عام (2013م) عن أطروحته: “من الكتابية إلى الشفاهية الموثقة – تحولات القصيدة العربية من النص إلى الغناء في الفترة من (1934م – 1977م)”.

صدر له مجموعة من الدواوين الشعرية هي: (الغزلان اصطلحتْ واختصم الصيادون 2000م)، (السماءُ تخبئُ أجراسَها 2004م)، (أُقشِّر الموسيقا 2011م)، (عُرْسٌ مراكشيٌّ 2013م)، (يؤدي خياناته بأمانة 2020م). كما أصدر في مجال الترجمة (همس الماس 2005م) قصائد مختارة لمارك ستراند أمير شعراء أمريكا.

نال عدة جوائز من بينها: الجائزة الأولى من الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر (2000م)، جائزة المبدعون من الإمارات (2004م)، جائزة اتحاد الكُتَّاب المصري في مجال الترجمة (2006م) وفي مجال الشعر (2018م). وشارك في محافل أدبية محلية ودولية عديدة في مصر والإمارات والأردن وإيطاليا، وتُرْجِمَتْ مختاراتٌ من شعره إلى الفرنسيَّة.

ثمة عوامل أسهمتْ في تكوينك، لأن من يقرأ شعرك يرى تنوعًا ثقافيًّا وحصيلة معرفية وفيرة. لمن قرأت عربيًّا وعالميًّا؟

ثقافة الشاعر ضرورة، لكنها ليست سببا للإبداع. إن لم تكن الذات مبدعة، فإنَّ الثقافة تظلُّ قيمة مستقلة. هل تَعْلم أنَّ طه حسين بايع العقاد أميرا للشعراء عام (1934م)؟! هذه سقطة لكلا الرَّجلين، فالعقاد مثقف ومفكرٌ كبير، لكن قيمته الإبداعية متواضعة. وأظن أنَّ ثقافة شوقي هي الثقافة ذاتها التي توفرت لحافظ إبراهيم. وشتان ما بين شِعرهما. فالمكونات الثقافية تشترك فيها جماعاتٌ وأجيالٌ كاملة، لكن الموهبة مسألة أخرى.

إنَّ أهم ما يقدمه المبدع هو قدرته على تجاوز ثقافة الصيغ الشفاهية. المنتَج الإبداعي أكبر مِن مجموع عناصره، كما أنَّ الوردة أكبر مِن عناصر التربة والضوء والهواء والبذرة. مِن أين يأتي العِطرُ في الوردةِ لو أرجعناها إلى عناصر تكوينها؟!

نلت جوائز عديدة مصرية وعربية، لكن جائزة مجلة دبي الثقافية في الشعر عام (2004م) تمثل لك الكثير. لِمَ هذه الجائزة دون غيرها؟

الجائزة ضوءٌ يَكتب اسمك ونَحتٌ يُخــَلِّـدُ ضوءكَ في ذاكرة المبصرين. أعـتـز بكلِّ جائزةٍ حصدتها. فأنا أقيم بعيدًا عن القاهرة، وليس لي منصب ثقافي ولا علاقات متواطئة. وهو ما يجعلُ الكتابة هي الطرف الوحيد في المعادلة، ويجعلُ الفوز استحقاقًا محضًا للكتابة. أما فيما يخص (جائزة دبي الثقافية)، فقد كان لي الشرف أن أكونَ الشاعر المصريَّ الوحيد الذي يحصد جائزة الشعر الأولى في هذه المسابقة على امتداد تاريخها. وهو ما ترتب عليه حينئذٍ طباعة ديواني الثاني وتكريمي في دبي. وهناك تعرفتُ على المبدعين الفائزين في مجالات أخرى في زمن ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، ثُم قُدِّرَ لي بعد هذه الجائزة أن أنطلق أكثر، وأسافر إلى دولٍ أخرى.

ما الجديد الذي أضفتَه في مجموعتك الشعرية الرائعة “يؤدي خياناته بأمانة”؟

وظيفتي أن أكون قناص الرؤى، فالقصيدة بلا رؤيةٍ وجهٌ ممسوحٌ بلا عينين. ومعظم قصائد هذا الديوان تحمل زاويةَ رؤية خاصة. بعض مَن كَتبوا عنه يرون أنها قصائد البُعد الثالث، وهو وصفٌ يتسق مع أحد تأويلات العنوان. فــ (الخيانـة)، في هذا السياق، هي النافذة التي يطل منها الشاعر بعينيْ طفلٍ يرى العالَم دون إملاءاتٍ معـلَّـبة. أظنُّ أنَّ هذا الديوان يقدِّمُ رؤية مغايرة في النظر إلى هرم خوفو وعِلم اللغة والخلايا النائمة وهبوط الإنسان على القمر …إلخ. إنها رؤية الشاعر في مقابل الرؤية الكالحة.

عُرِفَ عنك أنك توقِّع الإهداء في آخر الكتاب. أليس هذا غريبًا؟

 يبدو لي أنَّ التوقيع في صدر الكتاب، يقف فيه النسبي (خط اليد) عائقًا أمام المطْـلَق (الطباعة)، فتنكشف للقارئ ذاتُ الشاعر الحقيقية التي ينبغي أن تتوارى خلف ذاته الشاعرة، فضلا عن التشوش الناتج عن اختلاف النسق بين الطباعة والكتابة. وإذا أردتَ أن تتمثل وجهة نظري، فأرجو أن تستحضر ما تفقده الطباعة مِن قداسة النسق وما تكتسبه مِن تشوش عندما يَصْدُرُ كتابُك وبه أخطاء مطبعية تحاول تصويبها بخط يدك. لا بُدَّ أنك تشعر حينئذٍ بأنَّ هناك نسقًا شائهًا يعتري الصفحة. هذا ما قصدتُ إليه. إنَّ المزج بين خط اليد وبين الطباعة هو مزجٌ بين المسودة ومطْـلَق الرؤية. وهذا ما أكده (مارشال مكلوهان) الذي يقول: “إن وجهة النظر الثابتة جاءت إلى الوجود مع الطباعة”. أمَا وقد انتهت صفحات الكتاب، فقد صار مستساغًا أن تكون صفحة المغادرة ممهورة بتوقيع الكاتب. 

رغم انتشار التكنولوجيا واعتماد البشر عليها؛ إلا أنك لا تحب القراءة الالكترونية؟

ليس مِن المعقول أن نخاصِمَ سُنَّةَ الحياة في التطور. وليس مِن المعقولِ أن نخاصِمَ عُمرًا مِن الألفة بين يومٍ وليلة. الكتاب الورقي كائن حيوي تلمحه عيناك على رف المكتبة وتتلقفه يدك كأنك تصافحه إيذانًا ببدء اللقاء. هناك كتبٌ تتجاوز كونها نسخًا تباع وتشترى، لأنها شاركتنا الرحلة وربما تتيتم بعد موتنا.

الكتاب الالكتروني مثل الهدف الذي يحرزه اللاعب في ركلات الترجيح. نَعَم، هو هدف، لكنه لم يُحرَزْ نتيجة التغلب على عدد من اللاعبين والإفلات مِن بينهم. أو قُلْ إنه مثل هدفٍ اعتباريٍّ نتيجة انسحاب أحد الفريقين. هو( شيْءٌ ولا شيْءٌ كظلِّ الظلِّ)، على حد تعبير محمود حسن إسماعيل.

لقد نشأتُ في زمنِ ما قبل الـ Computer Games. كنا نلعب الاستغماية، ونتقافز فوق أكياس القطن، ونلعب بأعواد التيل الأخضر والحطب وجريد النخل، ونجلس ونصلي فوق الحصير المدبَّج مِن نبات السَّمَر. عرفتُ رهافة الكتان وطيبةَ الحقائب المدرسية المنسوجة مِن القماش . تعلمتُ حروف الأبجدية وحفظتُ قصار السُّوَر في الكٌـتَّاب. أكلتُ الخبز ساخنًا مِن أفران القش. سمعتُ غناء الكادحين في الحقول ومواويل السائلين بالربابة وزلزلة طبلة السحور. هكذا تشكلت حواسي مِن التفاعل مع العالَم. فكيف أتقـلص مِن معانقةِ الحياة إلى ملامسةِ سطحِ شاشة؟!

انقطعتَ عن الترجمة مِن (2004م) وحتى (2017م) ثم عدتَ إليها. لماذا كل هذه الفترة الطويلة؟

مِن الضروري أن تنتبه لهويتك الإبداعية، فقد تنسلخُ منها دون وعيٍ. لديَّ ما أقوله في قصيدتي. وأتذكر دائمًا مقولة الشاعر السوفيتي (إيفان بونين): “ولدتُ لأكون شاعرًا”، الشِّعر بالنسبة لي مسألة الحياة، وهو فرضُ عين. الترجمة سُنَّـة، الشعر ضروريٌّ كالماء والهواء والطعام. الترجمة فنجانُ قهوة الصباح. يمكن لغيري أن يقوم بدوري في الترجمة أو يَفوقني. لكن المسألة تختلف في الشِّعر، فأنا وحدي المسؤول مسؤولية كاملة عن موهبتي الشعرية التي أغارُ عليها وأحرص على توجيه طاقتي لها وحدها. فإذا انشغلتُ عن رعايتها، فمن يرعاها إذن؟ هناك شعراء صاروا مترجمين فقط، دون أن ينتبهوا لفتـنةِ الانزياح. لكني أعي تمامًا أنَّ الشعر صلاةٌ بامتداد العمر، ليس لكَ منها إلا ما خشعتَ فيه.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع