حين يكون الصوت صلاة

إشكالية الموسيقى بين التحريم والتجلي

ahmed abbas al tonsi

أحمد عباس التونسي

“إلى الذين كبروا على سماع الأغاني، وإلى الذين سيولدون داخلها… إلى من لا يزالون يبحثون عن الله في نغمة، وعن أنفسهم في صمت.”

لم تكن الكتابة عن الموسيقى من المنظور الديني أمر سهل، كما أن مناقشة أو مقارنة أيديولوجيات بعينيها في ظل التوتر الذي يخيم على العالم حاليا وخاصة العالم العربي يجعل ما أحاول شرحه أمرا حساسا لدي الكثيرين، ليس فقط بسبب حساسية الموضوع، بل لأن السؤال ذاته قد يكون مضللاً منذ البداية. فنحن، في العمق، لا نسأل عن الموسيقى بقدر ما نسأل عن الإنسان، كيف يسمع، وكيف يتأثر، وإلى أين يمكن أن يقوده هذا التأثر. في زمن تتصاعد فيه الأصوات بين التحليل والتحريم، يبدو أن الجدل قد استقر على السطح، بينما ظل العمق بعيداً عن النظر.
حين تقف أمام غروب الشمس في الصحراء، أو ترى جدولا يتدفق بين الجبال، أو تسمع خرير الماء في ليلة هادئة، أليس هناك صوت يرتفع في داخلك؟ صوت لا يُقال، لكنه يُحس. هذا هو بالضبط موطن الإشكال. الموسيقى ليست مجرد أصوات تنظم في إيقاع وتكتب او تصور في فيديو به بعض الراقصين والراقصات، إنها تجربة تمس منطقة غامضة في الكائن البشري، منطقة تتقاطع فيها العاطفة بالمعنى، والجسد بما يتجاوزه. يصبح الصوت أحيانا أكثر من مجرد ذبذبة، بل أشبه بنداء خفي يوقظ شيء قديم في الداخل. والقرآن نفسه يدعونا إلى هذا النوع من التأمل، كما في قوله تعالى: “الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ” (3) سورة الملك.
تأمل، أعد النظر، ثم انظر مرة أخرى. هذا هو الجمال كطريق إلى الإيمان، وليس كزينة عابرة.
في بعض التصورات الدينية، يظهر حذر واضح من الموسيقى، ليس بوصفها صوتا فحسب، بل بوصفها قدرة على التأثير والتغيير، وربما على دفع الإنسان نحو حالات يصعب ضبطها أو التنبؤ بها. في هذا السياق، يصبح الامتناع نوع من الحماية، لا رفض للجمال بقدر ما هو تخوف من قوته. فالصوت حين يدخل إلى النفس لا يستأذن العقل دائما، بل يتسلل عبر مسارات لا نراها، ويترك أثره قبل أن نجد الكلمات التي تفسره. لكن المفارقة تبقى قائمة، وكانت دوما مصدر إحراج هادئ داخلي فالصوت نفسه، حين يرتل نصا مقدسا كما في تلاوة القرآن على مقام الراست مثلا أو النهاوند، يتحول حينها المقام إلى وسيلة للتقرب الى الله، ويصبح تجربة روحية عميقة يبكي فيها الرجال ولا يستطيعون تفسير سبب بكائهم. أو في الترتيل الغريغوري داخل كاتدرائية قديمة، هنا لا يعود السؤال عن الصوت ذاته، بل عن الإطار الذي يوضع فيه، عن النية التي تحمله، وعن المعنى الذي يسبقه ويصاحبه. فلماذا يقدس المقام الموسيقي نفسه حين يحمل كلمات الله، ويحرم حين يحمل بيتا من الشعر عن الحب أو الشوق؟ أليس هذا دليل على أن المشكلة ليست في الذبذبات الصوتية، بل في أعماقنا نحن، في تصوراتنا التي نخلط فيها بين الوسيلة والغاية؟

على الجانب الآخر، هناك رؤية لا تكبت العاطفة بل تعيد تشكيلها. الحزن، على سبيل المثال، لا يرفض هنا، بل يعاش داخل إطار جماعي يتحول فيه الصوت إلى وسيط بين الذاكرة والوجدان. تأمل كيف يبكى الشيعة على الإمام الحسين في مجالس العزاء، موال حزين، لحن يتصاعد ثم ينخفض، دموع لا تتكلف. ليست مجرد عاطفة جامحة، بل طقس كامل يمنح الألم معنى وغاية. تغدو الموسيقى هنا ممارسة تتجاوز التعبير إلى نوع من العبور، فلا تكون التجربة فكرة تناقش، بل حالة تعاش في الجسد، في الارتعاش الخفيف، في الدموع التي لا تفسر بسهولة، في ذلك الإحساس الغامض بأن الإنسان يقترب من شيء لا يقال. بل إن الإنجيل نفسه يشير إلى هذا المعنى: “تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ .. إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ .. كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا ( متى 6: 28 ، 29)”. الجمال الزهري ليس إغراء، بل علامة على عناية إلهية فائقة. فلماذا نثق في جمال الطبيعة ولا نثق في جمال الصوت؟
العلم الحديث لا يحسم البعد الروحي لهذه التجارب، لكنه يضيء جانبا مهما لا ينبغي تجاهله. فالتجارب الموسيقية العميقة تنشط في الدماغ شبكات مرتبطة بالعاطفة والمعنى والتركيز. الجهاز الحوفي، منطقة الدوبامين، القشرة الجبهية، كلها تتفاعل كما تتفاعل أثناء الصلاة العميقة أو التأمل الطويل. وقد أظهرت الدراسات أن التلاوة القرآنية والموسيقى الكلاسيكية تثيران استجابات عصبية متقاربة إلى حد كبير، وإن اختلف الإطار التأويلي. هذا لا يجعل الموسيقى عبادة، لكنه يكشف أنها قادرة على فتح أبواب داخلية مشابهة، وأن ما يحدث أثناء الاستماع العميق ليس مجرد انفعال عابر، بل لقاء مع شيء أعمق داخلنا.
وربما يكون السؤال الأعمق هو: كيف يمكن لنموذج ديني أن يحتفي بجمال غروب الشمس، وجمال الجبال، وجمال وجوه البشر، ثم يخاف من جمال الصوت؟ أليس كل الجمال، بصريا كان أو سمعيا، خلقه الله؟ أليس “الله جميل يحب الجمال” كما ورد في الحديث النبوي؟ إذا كنا نرى في نظام الكون، وفي تناسق الألوان، وفي تعاقب الليل والنهار، آيات تدل على الخالق، فلماذا لا نرى في النغمة التي تبكينا أو النغمة التي تملأنا سلاما وشيئا من ذلك الجمال الإلهي؟ التشدد الديني، في بعض تجلياته، لا يخاف من الموسيقى فقط، بل يخاف من الفكرة القائلة إن الجمال يمكن أن يكون طريقا مستقلا إلى الله، ليس عبر النص، بل عبر الذوق والوجدان. أما التبسط، فيرى أن الله أكبر من أن تحجره حدودنا البشرية. هو خالق النغم قبل أن يكون خالق النص، وهو الذي أودع في النفس البشرية قدرة على الاهتزاز للجمال، وجعل من ذلك الاهتزاز باب يمكن أن يدخل منه الإيمان من أبوابه الرحبة، لا من ثغرة ضيقة يخنق فيها كل ما هو جميل.
وربما لا تكون الموسيقى نقيض الصمت كما يتصور، بل قد تكون طريقاً إليه. فليست كل الأصوات ضجيج، كما أن ليس كل صمت حضور. هناك لحظة، في بعض التجارب الموسيقية، يتلاشى فيها الإحساس بالزمن، ويخف ثقل الذات، ويظهر نوع من السكون الداخلي، سكون لا يفرض بل يكتشف. في تلك اللحظة، لا يعود السؤال هل ما يحدث حلال أم حرام؟ بل: ماذا حدث لي؟ ولماذا أشعر أنني أقرب، من نفسي أو من شيء يتجاوزني؟ ومن منظور فيزيائي بحت، لا فرق بين موجة صوتية وأخرى، لكن الإنسان لا يسمع الفيزياء، إنه يسمع المعنى. ولهذا، قد لا تكون الموسيقى في ذاتها طريق ولا عائق، بل مرآة. مرآة تكشف ما نحمله، تضخمه، وتقودنا أحيانا إلى حيث لم نكن نخطط. هي لا تصنع فينا شيئا من عدم، بل تبرز ما هو كامن، وتمنح ه صوت يمكن سماعه.
يبقى السؤال، إذن، ليس عن الصوت وحده، بل عن الإصغاء، كيف نسمع؟ ولماذا؟ وإلى أين نسمح لما نسمعه أن يأخذنا؟ ليست كل الآذان سواء، ولا كل القلوب تستقبل الصوت بالطريقة نفسها. هناك من يسمع في الموسيقى لهو، وهناك من يسمع فيها حزن، وهناك من يجد فيها باب نحو شيء أعمق، شيئا لا يمكن اختزاله في وصف واحد. وربما لا يكون الخلاف حول الموسيقى في جوهره خلافا حول الصوت، بل حول الإنسان نفسه. هل هو كائن يحتاج إلى الحماية من التأثر، أم كائن قادر على تحويل التأثر إلى معرفة؟ هل الجمال إغراء ينبغي الحذر منه، أم إشارة يمكن تتبعها في الطريق الى الله؟ ما تخشاه بعض الرؤى هو أن تذيب الموسيقى الحدود، أن تضعف السيطرة، أن تفتح الباب لما هو غير متوقع. وما تراه رؤى أخرى هو أن هذا الانفتاح ذاته قد يكون شرطا لتجربة أعمق، تجربة لا تختزل في العقل وحده، بل تشمل الكيان كله.
في الأندلس، قال ابن حزم: “كل ما شغلك عن الله فهو شغلك، وما شغلك بالله فهو رشدك”. المعيار ليس الصوت، المعيار أين يأخذك الصوت. في زمن يزداد فيه الضجيج، قد لا تكون الحاجة إلى المزيد من الأصوات، بل إلى إنصات مختلف. إنصات لا يهرب من العالم ولا يغرق فيه، بل يعبره بهدوء وقدر من الوعي، بحثا عن ذلك الصمت الذي لا يلغيه الصوت، بل يكشفه. وربما في هذا التوازن، بين الصوت والصمت، وبين التأثر والانتباه، وبين خشية الجمال والإبحار فيه، يكمن المعنى الذي ظل الإنسان يبحث عنه طويلا، دون أن يدرك أنه كان قريبا منه دائماً، في نغمة، أو في سكون.

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع