النقش على سطوح سائلة: قراءة في جدل الثقافة والتحوّل عند مريم الزرعوني

مريم الزرعوني

ضياء حامد

يضم كتاب «النقش على سطوح سائلة» للكاتبة مريم الزرعوني، والصادر عن دار اللوهة للنشر، مجموعة مقالات متنوعة تتناول قضايا ثقافية وأدبية وفكرية، تمتد عبر مجالات الثقافة والأدب والفلسفة، وبعض الموضوعات التي تتقاطع مع العلوم الإنسانية.

كما يتضمن الكتاب مقالات عن شخصيات ثقافية مثل طه حسين، وأخرى تتناول مفاهيم مثل الحداثة، والطبقية الثقافية، والحكي والقصص، والاغتراب، والحرية، والتفاعل بين الثقافات.

ترى الزرعوني أن الكتابة والفكر لا يمكن أن يُنظَّما في سلطة واحدة جامدة، بل هما عملية «نقش على سطوح سائلة»، أي في حالة حركة وتحوّل مستمرين.

ومن السمات اللافتة في الكتاب استخدام «الثنائيات» كمنهج فكري، مثل: الأنا والآخر، والذات والموضوع، والمحلية والعالمية، والحب والعقل، والشرق والغرب.

تشير الكاتبة في بداية الكتاب إلى كثرة الدراسات العربية والاستشراقية المعنية بتتبع أثر مؤلفات التراث العربي في الثقافات الأخرى؛ فمنها ما توصل إلى أن «جحيم دانتي» متأثر بـ«رسالة الغفران» للمعري، وثمة آراء تشير إلى أثر «طوق الحمامة» لابن حزم في الشعر الغنائي الإسباني، ومثالها قصيدة «الحب الطيب» للشاعر خوان رويث.

واستمر هذا الأثر إلى قرون متأخرة؛ ففي بحث سريع عن مؤلفات الغرب منذ ظهور ترجمة أنطوان غالان لنص «ألف ليلة وليلة» في القرن الثامن عشر، يظهر العديد من المؤلفات الغربية المبنية على قراءات أصحابها للأدب العربي؛ فقد كتب للمسرح الإسباني لوب دي فيجا مسرحية «الخادمة تيودور» اقتباسًا من حكاية الجارية «تودّد»، كما صرّح بورخيس بتأثره شخصيًا في نتاجه القصصي بقراءات «ألف ليلة وليلة».

وفي مقال «قناديل طه حسين»، تشير الكاتبة إلى القناديل التي منحها الله لعميد الأدب العربي طه حسين، فعوّضه بها عن فقدان نعمة البصر، كما تقدّمه بصورة رمزية «القنديل الذي يبدّد العتمة». والقنديل هنا ليس ضوءًا فرديًا، بل سلسلة من القناديل التي أنارت للآخرين طريقهم نحو الوعي والنقد والتحرر.

القنديل هنا مجاز عن كفاحه ضد الظلام الفكري والجمود الاجتماعي، وعن دفاعه عن حرية العقل والإبداع. يُستعاد طه حسين في هذا المقال ليس فقط ككاتب أو عميد للأدب العربي، بل كرمز للتنوير والحرية الفكرية.

كما تضع الكاتبة سوزان طه حسين (زوجته الفرنسية) في قلب الصورة، إذ تعتبرها قنديلًا آخر في حياته، كانت تضيء له يومياته.

وفي مقال «توالد الحكايات في مواجهة هادم اللذات»، تتحدث الكاتبة عن المكانة التي حظي بها كتاب «ألف ليلة وليلة» في الغرب خاصة، طارحة عدة تساؤلات، منها: ما الذي اختص به هذا الكتاب دون غيره من مصادر التراث العربي أو غير العربي؟ وما الذي دفع المستشرقين إلى العناية به، رغم عدم الجزم بأصله؟

أما في «سلطة الحكي بين ألف ليلة وليلة ولوحة العشاء الأخير»، وفي إطار الرؤية القائمة على الثنائيات، فتتناول الكاتبة ثنائية الحياة والموت من خلال الإبداع، كما في «ألف ليلة وليلة»، وتقارن بين السرد الحي والسرد الصامت في لوحة «العشاء الأخير» لدافنشي.

وفي «الفلاكة والطبقية الثقافية: من يصنع من؟» تطرح الكاتبة إشكالية العلاقة بين الفقر المادي والحرمان الثقافي: هل يُنتج الفقر تخلفًا ثقافيًا، أم أن غياب العدالة الثقافية هو الذي يرسّخ الفقر ويضاعفه؟ كما تتناول الشرائح الفقيرة والمهمشة ثقافيًا، وتناقش من يحدد الثقافة، ومن يُصنّف من يُقرأ أو يُكتب عنه.

كما يضم الكتاب نماذج من أدب السيرة الذاتية؛ إذ تقدم الكاتبة من خلال هذا النوع من المقالات ملخصات إرشادية ومفاتيح لقراءة شخصيات أدبية وفلسفية ذات أثر إنساني، مثل مقال «هل نذهب في أثر جاكوتيه»، و«المطوع وتحولاته السوسيولوجية بين التراث والحداثة»، وغير ذلك، مع استلهام الجوانب المضيئة للعبور إلى فائدة إنسانية واضحة المعالم والأثر.

ومن المقالات أيضًا إلماحات نقدية على تجارب شعرية متنوعة، على مستوى شعراء الإمارات والخليج، أو القطر العربي والمحيط الآسيوي، كما في «علي العندل: شعرية القاع وانكساراته»، و«نصوص ظبية خميس: حين يمتطي المبدع اغترابه».

ترى الكاتبة أنه من خلال نظرة ماسحة لواقع الثقافة في عالمنا العربي، يظهر القارئ غير معني بتراثه الأدبي، وأن أي دعوة للتقريب بين الجيل وعيون الأدب تبدو كطلاسم سحرية غير مفهومة، وقد تؤتي عكس ما يُرتجى. فثمّة شباب غارقون في آداب الأمم الأخرى، يقرؤونها بلغاتها الأم أو بترجماتها العربية، وربما اشتغل بعضهم بالكتابة، لكنهم يترفعون عن مطالعة تلك المصادر الثرية.

وتستوي في ذلك أسباب الكِبر والجهل؛ ولا غرابة، فالفكرة مبنية على تغليب الظن بضعف الفائدة، عوض يقين التجربة، وازدراء الثقافة الأم إثر الانبهار بثقافة الآخر، وهو أمر مبرر أيضًا؛ إذ أينما كانت القوة المادية، اصطفت معها القوى الناعمة، على حساب الآخر الأضعف بالضرورة.

يُعدّ هذا الكتاب بمثابة «محطات معرفية» تجمع بين المعالجة الجادة وتسليط الضوء على الحياة الشخصية، والتفسير الفني، والرؤية الثقافية. كما يتسم أسلوب المؤلفة بالعمق الفكري واللمسة الأدبية، إذ تدمج بين التحليل والاستبطان والبحث في النصوص، في صياغة متماسكة تكشف عن وعي نقدي ونَفَس تأملي واضح.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع