كريم عبد السلام: “بالادات”  كلمتى فى مواجهة الشر المطلق وطمس الهويات وسرقة الذاكرة الجمعية

kareem abd alsalam

حاوره: سيد شحتة

“أيها العالم

أيها العالم المختلُّ، لن تستطيعَ قَهْرنا

بعد أن وصلنا للينابيع..

أيها النشازُ فى دوائر لا تنتهى،

لقد سرقنا النغمة الأولى

ألا ترانا نتدفأ حولها” 

عندما تدخل عالم الشاعر كريم عبد السلام، لا تستطيع الخروج سالماً محتفظاً بمفاهيمك الجمالية عن قصيدة النثر المصرية المعاصرة، و لا يمكن إلا أن تتقاطع معه، إما باعتباره كشفاً شعرياً بالنسبة لك، أو تهديداً لكل ما تعرفه عن القصيدة، وفى جميع الأحوال لن تنجو من تأثيره حتى لو قررت التوقف عن قراءة قصائده

عالم الشاعر كريم عبد السلام الممتد عبر أكثر من ثلاثين عاما وعشرين ديوانا شعريا، غنى وشاسع ومتعدد مثل جدارية أثرية من الموزاييك، ويكفى أن نذكر عناوين الدواوين وما تحيل إليه من مناخات تتماس مع حروب المصريين اليومية لصناعة حياتهم وبناء أساطيرهم الصغيرة وأمجادهم التى يتغنون بها، فيضفون على أيامهم معنى يتصل مباشرة بكونهم أمة قديمة متحضرة..

من يستطيع أن ينسى” خماسية الأب” فى أول دواوينه ” الأب وقصائد المطر 1993، أو أن يتجاوز بسهولة الروح المصرية فى قصائد “الموت – الفرح – ملوك الليل – صياد الكلاب الضالة ” فى ديوان “باتجاه ليلنا الأصلى ” الصادر عام 1997

ومن يستطيع نسيان الصراع الأسطورى الفريد بين الأحياء والأموات فى الديوان العلامة  “فتاة وصبىٌّ فى المدافن” وأقول بحق أن هذا الديوان سيظل أيقونة جيل التسعينيات كله؟

ومن يستطيع أن ينسى تلك القصائد الملحمية المغرقة فى الشجن فى “كتاب الخبز” أو ديوان “أنا جائع يارب”، والذى سيحتل المونولوج الطويل فيه مكانة راسخة عند التأريخ لقصيدة النثر المصرية

ومن يستطيع أن يغفل الحدس الرؤيوى لدى الشاعر الراصد لتحولات المجتمع نحو حياة بلاستيكية زائفة فى ديوان ” نائمٌ فى الجوراسيك بارك” بنصوصه الثلاثة ( ليل – نهار – أنا نائم) والصادر عام 2004

لا تسعنى هذه المقدمة للحوار مع الشاعر الكبير أن أعدد محطات إبداعه الشعرى وأنا بصدد الاشتباك معه، لكنى لا يمكن إلا أن أشير إلى محطات مهمة للغاية فى تجربته مثل ديوان “قصائد حب إلى ذئبة ” الملهم لشعراء كثيرين، وديوان “محاولة لإنقاذ جيفارا ” بكائية النضال والثورة، والديوان الفريد “مراثى الملاكة من حلب” وأعمال أخرى شاهقة مثل “الوفاة السابعة لصانع الأحلام”، “شاى مع الموت”، “أكتب فلسطين متجاهلا ما بعد الحداثة”، ووصولا إلى التجربة المثيرة للإعجاب والدهشة، تجربة “بالادات” بأجزائها..

–       من أين نبدأ؟ لتكن البالادات بدايتنا.. كيف تذهب إلى الأسطورة والتراث وأنت من الأساسيين الذين دعوا إلى قصيدة الذات والتفاصيل الصغيرة؟

–       حتى لا يتحول الحوار إلى مشاجرة، أنا لا أمثل إلا نفسى وتصوراتى الفنية والجمالية لا تنسحب على غيرى، ولا أعتمد أى تصورات جمعية حول القصيدة، الشعر كالموت والحب شأن فردى لا يمكن مشاركته مع أحد، وأحد الأسباب الرئيسية فى شيوع التشابه والنمطية، طريقة التفكير فى الشعر والشعراء باعتبارهم موجات أو أجيال، لا الشعراء الحقيقيون أفراد لا يمكن أن يتشابه شاعران كبيران

أما بالنسبة لـ بالادات، فهى مغامرة شعرية، حلم أريد تحقيقه، هاجس جمالى سيطرعلى خيالى سنوات طويلة، وكلمتى فى مواجهة الشرالمطلق والمسوخ وطمس الهويات وسرقة الذاكرة الجمعية، تسربت ملامح منها فى قصائد ودواوين سابقة، وعند لحظة معينة اكتشفتها فى نفسى واختبرتها لتكتمل قبل الكتابة وعندما اكتملت فى خيالى، أقدمت علي كتابتها، وأقول لك سراً لأول مرة، لقد انتهيت من بالادات كلها منذ العام 2025، لكنها كانت ضخمة للغاية ولم يكن ممكنا طباعتها بالشكل الذى خرجت عليه، وفى النهاية قسمتها إلى ثلاثة دواوين صدر منها إثنان ” أيها القارئ السعيد.. ماذا فعلت الحملان بالذئاب؟” / و ” الوحوش دخلتْ البيت” والثالث قيد الصدور

–       ماذا تعنى أن “بالادات ” كلمتك فى مواجهة الشر المطلق وطمس الهويات وسرقة الذاكرة الجمعية؟

–       منذ عقود ونحن فى حالة استهلاك كامل للسلع والقيم الواردة من الغرب، يراد لنا أن نكون فى هذه الحالة، دون أية مراجعة أو نقد أو اعتراض لما يقصفون به عقولنا، حتى أصبحنا فى مراحل أكثر تدهورا بكثير مما وصفنا به فرانز فانون فى كتابه “معذبو الأرض”، ومن الصواريخ التى قصفوا بها عقولنا ووجداننا أن البنية حلت محل الذات الفردية وأن مفهوم الذات الإنسانية بما تعنية من إرادة ووعى وشعور، لم يعد قائما، ومن هذه الصواريخ المدمرة، تصدير ثقافة مركزية للعالم تلغى التنوع والتعدد والخصوصية للحضارات والأمم، وأنك إذا لم تتواءم مع هذه الثقافة ومفرداتها تصبح متخلفا، أشكال سائدة من الطعام والشراب وكذا العلاقات الإنسانية وتخريب مفهوم الأسرة وفرض الحقوق لما يسمى بالعاملات بالجنس وغيرها مما هو ضد الفطرة الإنسانية، يفرضونها فرضا قسريا كما رأينا فى مؤتمرات الأمم المتحدة للسكان والتنمية، وصولا إلى طمس الذاكرة الجمعية للشعوب والأمم القديمة وتوحيد الأديان قسرا تحت لافتات بناء علاقات السلام، والحق أن قضية جزيرة أبستين كشفت وجود أيديولوجيات شيطانية مركزية تسعى لإعادة تشكيل العالم.. يريدون لنا ألا نعرف الخير من الشر ولا الجمال من القبح وأن نحيا كالبهائم مقطوعين من حضارتنا

–       نحن خرجنا من مناخ البالادات إلى مناقشة القضايا الكبرى.. أليست قصيدة النثر مع العادى واليومى والتفاصيل الصغيرة؟

–       من قال إن التفاصيل الصغيرة موجودة فى فراغ؟ ومن يزعم أن التفاصيل اليومية مجرد تعبيرات سطحية لا تعنى إلا ظاهرها متخففة من بناء عالم يخصها؟ ومن قال إن التفاصيل الصغيرة غير وثيقة الصلة بالقضايا الكبرى ولا تنفصم عنها؟ القصيدة الجيدة أيا كان الشكل الذى تعتمده، هى القصيدة التى تمتلك عمقا وجوديا يمكنها من الحياة والصمود فى وجه الزمن، وهذه القصيدة لابد وأن تتماس مع القضايا الأساسية التى تخص الإنسان فى لحظته الراهنة

–       يقال إنك تخالف قيم ومرتكزات ما بعد الحداثة إذن وتتشبث بدور للشاعر فى مجتمعه؟

–       كما قلت لك، إننا نتيجة القصف المستمر لعقود على عقولنا، أصبحنا نخشى المراجعة ونقد ما يروج حولنا، لتذهب ما بعد الحداثة وقيمها ومرتكزاتها إلى جهنم، أنا حر تماما فى انحيازى إلى الإنسان وأحلامه، أنا صاحب إرادة ترفض كل الفلسفات الخاصة بما يسمى ” ما بعد الإنسانية”، وما يدور فى فلكها من كتابات صحفية وطرطشات على السوشيال ميديا، أنا أحتقر هذا السعار المجنون والمروج له وراء فقاعة الذكاء الاصطناعى وعالم ما بعد البشر والكتابة الآلية والذات الروبوتية، وكل ما يعتبره الأغبياء والأدعياء موضة جديدة فى التفكير والكتابة والإبداع

–         قلت لى إن من أسباب توجهك إلى شكل البالاد هى الحرب المسعورة على الذات الإنسانية.. كيف؟

–       نعم الحرب المسعورة على الذات الإنسانية وثالوث الإرادة والوعى والشعور لن تتوقف، ومن يتابع فلسفات ما بعد الإنسانية والبحوث حول توسيع نطاق الروبوتوتات المعززة بناقلات عصبية، يكتشف مقدار الشطط الذى وصلت إليه الحضارة الغربية الآفلة، نحن بصدد ميزانيات فلكية لدعم سيطرة الذكاء الاصطناعى بهدف التقبل التدريجى لفكرة فناء البشر، بدءا بطمس الذاكرات النوعية وتنشئة أجيال كونية موحدة الثقافة وذوات تابعة بالكامل لنموذج فكرى وثقافى كونى، ثم إحلال أجيال الروبوتات محل الأجيال البشرية المخصية

المقاومة تقتضى إعادة الانتصار للذات الإنسانية الطبيعية والتوجه إلى الفلسفات المشرقية والحضارات العريقة وفى مقدمتها الأمة المصرية التى ستبقى فيما تزول الكيانات المصنوعة حتما

–    وأنت تدافع عن الذات الإنسانية..ماذا عن القصيدة الذاتية التى ينطلق منها شاعر قصيدة النثر إلى العالم؟

اتفق معك أن القصيدة لابد أن تكون ذاتية وأن ينطلق الشاعر بالضرورة من ذاته إلى رؤية العالم، لكن خلافى مع بعضهم، ممن يسعون إلى تسطيح واختزال الذات الإنسانية فى طريقة نظر بعينها ومجموعة محددة من الأفعال وأسلوب شائع لإنتاج القصيدة، أنا مثلا أعتمد الذات الإنسانية بحسب يونج، والتى تتضمن الأنا واللاوعي الشخصي واللاوعي الجمعي، حيث تمثل “الأنا” العقل الواعي ويشتمل اللاوعي الشخصي على ذكريات مرغوبة وحاضرة وأخرى مقموعة ومكبوتة وغير ظاهرة، أما اللاوعى الجمعى فهو الميراث النفسى الذى نتوارثه من آبائنا الأوائل ويشتمل على كل مراحل الصراع والتطور من الإنسان البدائى حتى إنسان المدن والمجتمعات حاليا، دون إغفال وجود نماذج بدائية قديمة تؤثر فى الذات الإنسانية وتكون ذاكرتها المؤثرة فى أفعال الحاضر

باختصار، أقول لك فى بالادات وفى عموم عملى الشعرى إن الذات الإنسانية هى تلخيص الكون والتاريخ والزمان، الذات الواحدة تضم جينوم البشرية وأحلامها وصراعاتها ومسار تطورها وانهياراتها ولحظات انتصارها وتحققها، ومن ثم فإن الذات الإنسانية هى الكون، وهى الوعى الكلى بالزمن بعيدا عن الاعتبارات النسبية من ماض وحاضر ومستقبل 

–       قبل الحوار أحد الشعراء طلب منى أن أسألك سؤالا محددا.. لماذا تضيق بالاختلاف؟

–       (يضحك) ولماذا لم يسألنى بنفسه؟ وعن أى اختلاف يتحدث؟ وعموما وبأمانة تامة أنا لا أضيق بالاختلاف ولا النقد الموضوعى، أنا أكره كيد النسوان عندما يتوارى خلف عبارات ظاهرها النقد وباطنها الكراهية

–       هل ترى أن البالادات المعنية بالحكاية والملحمة وصناعة أسطورة معاصرة يمكن أن تضيف إلى قصيدة النثر الراهنة؟

أظن أن “بالادات” واحدة من المحاولات القليلة عربياً لإضافة أرض جديدة إلى قصيدة النثر وفتح آفاق بديلة من الخيال والنظر والوعى الجمالى للقصيدة التى أصيبت بالشيخوخة والنمطية رغم حداثتها، وهذا لم يكن ليحدث إلا نتيجة المناخ المستسلم للكليشيه المشاع عن القصيدة وتصورات كتابتها، وقد انتقدت هذا المناخ مرار، مطالبا الشعراء أن يحرروا أنفسهم من قيود مصطنعة يكبلون بها خيالهم

 البالادات انحياز واضح لشكل الحكاية الشعرية أو الملحمة القصيرة، بما يمثله ذلك من تحدٍ جمالىّ، و سنجد أنفسنا تلقائياً أمام السؤال: ما مدى رحابة الأرض التى يمكن أن تصل إليها القصيدة دون أن تفقد ماهيتها أوتندغم فى فنون إبداعية أخرى؟ ومن ناحية أخرى أنا أبحث عن المعنى فى مواجهة كل أشكال التغييب والمسخ وإخصاء الذات، وأبحث أيضا عن مفهوم أرحب لفكرة الإيقاع الشعرى، يتضمن الإيقاع الخليلى وإيقاع السينما وإيقاع الصورة الكلية وإيقاع التوازن التشكيلى وإيقال الموسيقى البوليفونية وصولا إلى إيقاع النشاز نفسه كما يتجلى فى المرور عبر زحام الأصوات والحركات والانفعالات

من ناحية أخرى، فتحت “البالادات” الباب للنقاش حول حدود قصيدة النثر بين الخيال الشعرى الخالص والسرد النثرى، وما إذا كانت هذا الحدود موجودة وقائمة أصلاً، أو مرهونة بخيال كل شاعر فرد وقدرته على المضى وراء تصوراته للنوع الشعرى؟ وفى الوقت نفسه اقتراح قيم جمالية مغايرة، يمكن أن تثرى قصيدة النثر الراهنة، التى نشأت بحثاً عن الحرية الكاملة وشعارها: “لتصنع كل قصيدة جمالياتها الخاصة

–       رغم الإصدارات الشعرية العديدة خلال العامين الماضيين، وفى مقدمتها البالادات..  يتحدث عن أزمة الشعر فى مصر

–       الشعر فى مصر كثير ومتعدد ومن يقول بتراجعه مفلس أو مأزوم، يطرح أزمته الشخصية على الواقع دون أن يقرأ أو يتابع، وعلينا التوقف عن إطلاق الأحكام أو التعميم.. أنا مثلا ألاحظ بفرح ظهور عدد من شاعرات قصيدة النثر يمتلكن نفسا مختلفا وينشرن على السوشيال ميديا، فضلا عن إصدارات زملائى من الشعراء الموهوبين

–       هل يمكن أن نقول إن البالادات تنفى فكرة القطيعة مع التراث التى كنتم تروجونها فى الكتابات حول قصيدة النثر الحديثة؟

–       عفوا، ولكن من يردد مثل هذا الكلام يحتاج أن يعود ليتعلم من جديد، كيف يمكن أن أتحدث عن قطيعة مع التراث وأنا أستخدم اللغة نفسها لغة التراث! أليست اللغة العربية حاملة فى ذاتها للتراث؟ أليست اللغة بحسب الفلاسفة هى كل الوعى؟ أليست اللغة هى ما تقدم لنا تصورا عن العالم؟ استنادا إلى عدم وجود ما يسمى بالعالم فى الحقيقة، إن هى إلا تصورات عن هذا الاصطلاح يصوغها كل منا فى لحظته ومكانه.

كل شاعر يعمل على نفسه كثيرا حتى يضبط علاقته بالتراث، وأنا شخصيا أعتقد أن كل ما هو ماض يصلح أن يكون خطا أو لونا أو نغمة أو كلمة فى قصيدتى، والعلاقة بالتراث لا تعنى أن تذوب فى أسلوب شاعر قديم أو تحاول إحياء فورمات وأشكال كانت تخص عصورا سابقة، ولكن الأمر كما يقول يونج اشبه بمقطع رأسى فى الزمن واللغة، يمتد إلى العصور السحيقة عندما كنا نعبر بالصراخ والهمهمات، ضبط العلاقة مع التراث يعنى أن تدير الزمن إنطلاقا من لحظتك الراهنة وأحلامك والطريق الذى عبدته بأظفارك، ولا بأس أن تصنع عالما مليئا بالإحالات التراثية والسينما والأغانى والتعبيرات العربية وغير العربية دون تنافر، بل إنك تستمتع بالسياق الجمالى الذى يوجده الشاعر، والأهم أننا نجد أزمنة سحيقة مجرورة من شعرها وهى تضحك ساخرة من نفسها داخل البالادات.

 

اقرأ أيضاً

“بالادات”: الوحوشُ دخلتْ البيتَ

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع