عبد السلام فاروق
سؤال يعلو كصدى جرس ثقيل في أعماق النفس؛ كيف يمكن لإنسان أن يقرأ أرق ما خطته البشرية عن الرحمة والجمال والحب، ثم ينهض من مكتبه ليأمر بإبادة مدينة بأكملها؟ كيف يتسع قلب واحد لخفقان عشق “رباعية الإسكندرية” للورانس داريل، وفي اللحظة ذاتها يطلق العنان لطائرات “بي 52” لترمي الموت على رؤوس أطفال فيتنام؟
هذا التناقض المريع ليس مجرد حكاية تتناقلها الصالونات الأدبية، هو جرح مفتوح في جسد الحضارة. إنه سؤال يتهم الثقافة ذاتها: أأنتِ عاجزة حقًا عن ترويض الوحش، أم أنكِ تواطأتِ معه؟
يحكي إدوارد سعيد في كتابه “العالم والناقد والنص” حكاية بليغة كان له صديق أكاديمي يعمل في وزارة الدفاع الأمريكية زمن حرب فيتنام. في تلك الأيام الدامية، حيث كانت القنابل تنهمر على القرى الآسيوية باسم الحرية والمصلحة الأمريكية، دخل هذا الأكاديمي إلى مكتب أحد الوزراء. فوجد على المكتب، وسط خرائط العمليات وأجهزة الاتصال المشفرة، رواية “رباعية الإسكندرية” للورانس داريل.
تخيل رجلًا يأمر يوميًا بقصف بلاد لا يعرفها، ثم يعود مساء فيغوص في أعماق الحب الإسكندري، ويتأمل لوحات فنية شهيرة، ويتحدث عن الأدب الكلاسيكي برقة مثقف أصيل. فلما أبدى سعيد دهشته، دافع الأكاديمي الأمريكي عن الوزير قائلًا: “يا صاحبي، هو كائن بشري عديد المكونات، لا تختزله في صورة السفاح المتوحش”. فوقف سعيد حائرًا يتأمل هذا المخلوق الغريب: إنسان يقرأ داريل ويأمر بالقنابل معًا!
العلاقة المريضة بين الطاغية والثقافة
الحقيقة التي لا يحب الأدباء سماعها ليست علاقة الطاغية بالثقافة علاقة حب، هي استعراض واستغلال. فهو لا يقرأ ليتعلم التواضع والحكمة، إنما ليتزين بها كما تتزين المرأة بالجواهر. الرفوف الممتلئة في مكتبه ليست خزائن معرفة، بل مرايا لمرض ضخم يريد أن يرى نفسه جميلًا. واللوحات الفنية على جدران قصره ليست نوافذ على الجمال، بل شهادات مزورة بأن هذا الرجل لا يمكن أن يكون شريرًا، لأنه يقدر شكسبير، ويحفظ المتنبي، ويعشق موتسارت!
اكتشف الطغاة عبر التاريخ سرًا خطيرًا صورة المثقف المستنير هي أقنع درع يمكنهم ارتداؤه. فالناس تثق بالمثقف، وتحترم القارئ، وتخشى أن تنتقد من يقرأ دوستويفسكي. وهكذا يتحول الأدب من رسالة إنسانية إلى غطاء دبلوماسي للوحشية.
لماذا لا يهذب الأدب أخلاق الديكتاتوريين؟ هنا السؤال المحوري الذي كشف عورة الإمبراطور: لماذا لا يغير الأدب فيهم شيئًا؟
لأنهم لا يقرؤون الأدب كما نتصور. إنهم لا يجلسون باكين أمام “البؤساء” لفيكتور هوغو، ولا ترتجف قلوبهم وهم يتتبعون معاناة جان فالجان. لا، هم يقرؤونه كما يقرأ الجراح كتاب التشريح: ببرود، وبمسافة، باحثين عن أدوات لا عن عواطف.
فالأديب حين يقرأ رواية مؤثرة يخرج منها وقد تغير شيء في أعماقه: يصبح أكثر قدرة على البكاء، وأكثر استعدادًا للمسامحة، وأميل إلى الرحمة. أما الطاغية فيقرأ الرواية نفسها فيخرج منها وقد تعلم كيف تصاغ التراجيديا الإنسانية بأسلوب جميل، وكيف يمكن أن يكون القتل نظيفًا، وكيف يباع الظلم باسم “المصلحة العليا”. قال إدوارد سعيد كلمة حق: “الكتاب الإنسانيون والمفكرون يقبلون فكرة أن بمقدورك أن تقرأ أحسن القصص وأن تقتل وتشوه البشر في آن واحد”. نحن نقبل هذا التناقض بل ونبرره، ونتحدث عن الفصل بين البيروقراطي الرفيع وقارئ الروايات، وكأن الإنسان قطعان منفصلة لا تتصل!
صورة مثالية
لماذا يحرص الديكتاتوريون على إظهار أنفسهم بجانب الكتب واللوحات؟ لأنهم يريدون شراء البراءة، وشراء تزكية ثقافية، ليقول العالم: “انظروا، هذا ليس طاغية عاديًا، بل رجل مثقف حساس. كيف يكون شريرًا وهو يقرأ تشيخوف؟
إنها خدعة قديمة متجددة: نيرون يعزف على القيثارة بينما روما تحترق، وهتلر يرسم لوحات مائية جميلة، وصدام حسين يكتب روايات حزينة. كلهم يريدون أن يقولوا: “أنا لست الوحش الذي تتخيلون، أنا فنان، أنا إنسان”. والعالم، للأسف، يشتري هذه الخدعة في كل مرة، ناسيًا أن الفرق بين الفنان والإنسان أن الأول قد يرسم لوحة عن الألم دون أن يشعر به، بينما الثاني يشعر بالألم ولو لم يرسمه.
التعمية الثقافية
أطلق عليها سعيد تعبيرًا دقيقًا: “باب العالم الثقافي مفتوح على مصراعيه أمام ذلك النوع الخاص من التعمية”. تعمية ليست سهوًا، بل متعمدة. نحن نعمي أعيننا عمدًا عن التناقض لأن مواجهته مؤلمة. لو اعترفنا أن القراءة وحدها لا تصنع إنسانًا صالحًا، فماذا يبقى لنا نحن القراء؟ ولو اكتشفنا أن اقتناء الكتب لا يعني امتلاك الحكمة، فأي مبرر لمكتباتنا الضخمة؟ ولو تأكدنا أن اللوحات الفنية لا تلين قلوب أصحابها، فلماذا نعلقها على جدراننا؟
إن فضيحة الطاغية المستنير ليست فضيحته وحده، هي فضيحتنا نحن أيضًا. نحن الذين صنعنا من الثقافة صنمًا نقدسه ونظنه كفيلًا بإنقاذ البشرية، وفصلنا بين الجمال والأخلاق، والقراءة والسلوك، والمتاحف والضمائر.
الفصل المستحب
وصل سعيد إلى نتيجة حاسمة: “الشيء الذي ينجلي من تلك النادرة هو الفصل المستحب بين البيروقراطي الرفيع المقام وبين قارئ الروايات”. تأمل كلمة “المستحب”! إنها ليست مقبولًا فقط، بل مستحبًا! نحن نحب هذا الفصل لأنه يريحنا، ويسمح لنا بأن نعجب بوزير يقرأ داريل دون أن نتذكر أنه يحرق القرى، وأن نصف ديكتاتورًا بالمثقف دون أن نخجل من أنفسنا. هذا الفصل هو العجز الفكري بعينه: اعتراف بأن الثقافة عاجزة، وأن الأدب لا قيمة له في تشكيل الإنسان، وأننا نقرأ للمتعة لا للتغيير. إنه الذي يجعل الأكاديميين يدافعون عن وزيرهم القاتل بحجة أنه كائن بشري عديد المكونات.
الحقيقة مرة
لنواجه الحقيقة ليس كل من يقرأ الأدب يصير ملاكًا، ولا كل من يحفظ الشعر يصير نبيلًا، ولا كل من يقتني اللوحات يصير رحيمًا. القراءة وحدها لا تخلص أحدًا، والمعرفة وحدها لا تهذب أحدًا.
الفرق بين القارئ العادي والقارئ الطاغية، أن الأول يقرأ حتي يتعلم كيف يحب، والثاني يقرأ ليتعلم كيف يبرر كراهيته. الأول يقرأ ليبكي، والثاني ليبرر عدم بكائه. الأول يقرأ ليتسع صدره للآخرين، والثاني ليتأكد من تفوقه عليهم.
هذا هو السر الذي لا يريد أحد البوح به، أن الأدب أداة وليس غاية. يستخدم للشفاء أو للتخدير، لإيقاظ الضمير أو لإغراقه في بحور الجمال الكاذب.
وأخيرًا: هل يمكن أن يكون الطاغية مستنيرًا؟
الإجابة المختصرة لا.
والمطولة لا، إلا إذا أعطينا لكلمة مستنير معنى جديدًا. فإن كان المستنير هو من يقرأ الكتب ويعرف أسماء الأدباء ويحفظ القصائد ويقتني اللوحات، فنعم، كثير من الطغاة مستنيرون بل ومثقفون جدًا. لكن إن كان المستنير هو من يرى نور الحقيقة فيتعلم التواضع، ويقرأ آلام الآخرين فيتألم، ويفهم الجمال فيصبح جميلًا، فألف لا.
الطاغية لا يقرأ ليتعلم، بل ليؤكد ما يعرفه بالفعل: أنه فوق الجميع. يستخدم الكتب مرآة تعكس صورته لا شباكًا يطل على العالم، ويستخدم الثقافة درعًا لا سيفًا، والجمال قناعًا لا وجهًا حقيقيًا. المستنير الحقيقي هو من يضع الكتاب جانبًا لينقذ طفلًا، لا من يضع القنبلة جانبًا ليقرأ كتابًا. هو من يبكي مع البؤساء، لا من يقرأ عن بؤسهم في سبات بارد.
دعوة للتفكير
لنعد إلى حكاية إدوارد سعيد، إلى ذلك الوزير الذي كان على مكتبه “رباعية الإسكندرية”، وإلى ذلك الأكاديمي الذي دافع عنه، وإلى تلك القنابل التي كانت تسقط يوميًا. ونطرح على أنفسنا سؤالًا صادقًا: كم مرة قرأنا رواية مؤثرة ثم خرجنا لنظلم إنسانًا؟ كم مرة حفظنا قصيدة جميلة ثم تجاهلنا فقيرًا؟ كم مرة تحدثنا عن الجمال والفن بينما كان من حولنا يموتون جوعًا؟
ليس الطاغية وحده من يفصل بين الثقافة والأخلاق، فنحن جميعًا نفعل ذلك بدرجات. الطاغية مجرد نموذج مكثف، كاريكاتير بشع لتناقض يعيش في كل منا. الفرق أنه يملك القنابل ونحن لا نملكها. لكن المرض واحد: أن نقرأ ولا نتغير، وأن نتعلم ولا نتواضع، وأن نعرف الحق ونظل على باطلنا.
وهذا، يا سادة، هو الدرس الأعمق من حكاية إدوارد سعيد، ليست ثقافة بلا أخلاق، ولا أدب بلا ضمير، ولا تنوير بلا مسئولية. والطاغية، مهما قرأ، يبقى طاغية. والمستنير الحقيقي هو من يجعل من ثقافته جسرًا إلى الآخرين، لا سورًا حول نفسه.











