محمد فيض خالد
ثقوب في ذاكرة صغيرة
امتلا الدرب بأصوات الزغاريد، وطفرت من الوجوه السعادة، وجرى الصغار في نشوة وتلهف يتقافزون من وراء حبات الحلوى، يرددون في نفس واحد: لقد تعافت سنية، ها هي تتنقل منتصبة من جدار لجدار، بعدما ذاقت أمها الأمرين يائسة كل اليأس من شفائها، احترقت مهدتها أعواما، يشتد نشيجها، تغيم عيناها بالحزن كلما رأتها كسيحة، تفترش الأرض في رثاثة، تتابع أندادها من أبناء الجيران في لوعة ،مسكينة ظلت لستة أعوام في علتها، ولدت هكذا ملتصقة بالتراب، ما إن تهم، حتى تتهاوى في تضاؤل ساقطة في صراخ وألم، يتوجع لمرآها المارة تأخذهم رجفة عارمة، لكنها ومع تقادم الأيام أصبحت علتها معتادة، فأهملت مع ما يهمل في البيت والدرب، تخرج زاحفة مع انبلاج ضوء الصبح الفاتر، تنبش التراب أسفل الجدران كالدواجن، فإذا باغتها النعاس، استقلت له مستسلمة كأنها خرقة بالية، أوجثة ضئيلة، تعافها كلاب الطريق، حتى جاء اليوم الموعود، الذي حملته فيه أمها للست خديجة،استجابت لنصيحة الشيخ جمعة فراش المسجد الذي دأب على ترغيبها في الزيارة حتى قبلت، تكررت زياراتها أصابة الصغيرة هزة روحية شديدة، وفي كل مرة تتحسن فيها أحوالها،حتى كان صباحا اشتدت فيه برودته، اطلقت جارتها اعتدال زغرودة زاعقة، امتلأ على إثرها الدرب بالخلائق،قد تورد وجهها من فرط السرور،عقدت الدهشة ألسنة الجميع وهم يشهدون بأم أعينهم سنية تتحرر من كساحها، تتنقل ببطء، وأظافرها ناشبة في طلاسة الجدار، عاودت المرأة زياراتها أكثر من مرة يتفجر البشر من ملامحها،يرتج قلبها ارتجاجا عنيفا، وهي تدس قروشها الخمسة في طاقة صغيرة منزوية بجسد الضريح وسط بقايا الشمع المنصهر، تتمتم راضية بكلام غير مفهوم.
تروي امرأة عجوز من سكان الزقاق، أن الست خديجة صاحبة كرامة لا تخيب،وكيف يخيب الله ظن من قصدها وهي من بيت النبوة الطاهر، وجدها حضرة المصطفى عليه الصلاة و السلام، تدارك عطوة المسحراتي الموقف كعادته ؛ فلكزها في جنبها بعصاة السنط الثقيلة، قائلا وقد عقد ما بين جنبيه في جدية: ستنا خديجة زوجة نبينا الاكرم نفسه وليست حفيدته، بطلوا جهل بقا، كبرت سنية وخرطها خراط البنات، وتزوجت من تاجر غرابيل من قرية بعيدة، لم يعد لحكايتها أثر، تماما كما ابتلع الغياب صاحبتها، لكن أمها لم تنقطع عن نذرها، فقروشها الخمسة لا تزيد ولا تنقص، تدس كأول مرة في طاقة المقام، تخرج في مطلع كل أسبوع ترافق نور الفجر، تقسم بتربة أبيها أنها تذهب هناك على لحم بطنها، لا يجرح صومها غير نفس للخان، تزور وتعود في عز القيلولة، تتنقل في ضعف تحت ظلال النخيل هربا من تراب الجسر المنصهر، راضية، داعية الله أن يقويها، ولا ينقطع روحتها
ظلت المرأة على عهدها حتى شاخت وتقوس ظهرها،اقعدها العجز بعدما تفككت مفاصلها وضعف بصرها،لكن قروشها الخمسة تنوب عنها في الطاقة إياها،ثام محفوظ ابن جارتها ط زبيدة بالمهمة نيابة عنها، في طريق عودته من المدرسة ينحرف ناحية المقام يؤدي ما علها،وفي كل مرة تأكل صدرها الأحزان، تطلب من الفتى أن يحكي لها ما شاهد،يتململ في وقفته، لكنه ينخرط في حكيه، يتهلل وجهها ويرتفع صوتها بالدعاء، تعاود تلك الصور القديمة خيالها الممزق، تنهمر دموعها في نشيخ منتظم، لعل هذا ما يخشاه الفتى، غنه يمل من تكرار مشهد البكاء، من بعدها تغلق عليها بابها ولا تفتحه إلا ثاني يوم، في صبيحة يوم حار، افترش نساء الدرب تحت جدار قديم، اتسعت عينا روحية في ألم مخيف، تشتكي ملتاعة معانة جاموستها، شدت أنفاسها وقد وضعت على وجهها قناع الحزن، قائلة: منذ ثلاثة أيام وهي مهتاجة، ترفض ابنها، تهرك الجدار برأسها في ثورة، نصحها عطوة ا أن تأخذ رسنها وتذهب في زيارة للمقام وعلى الله التساهيل، تأزم الجو بعد أيام مشتعلا بالحر والزهق، هرب الجيران بيوتهم، فافترشوا امامها، يظلوا في غطيطهم حتى يتنفس الفجر، جثثا انهزمت منها الحياة، ففي مثل هذه الأيام من كل صيف يطن البعوض،وتكثر البراغيث، وتنفث زرائب المواشي عفنها، وتنز الحيطان برطوبة كريهة،هيأت لنفسي مكانا، تعهدته نهارا بالنظافة، انضحه بالماء، وفي إحدى الأماسي شعرت بتوهج في عيني، انتفضت قائما في صراخ اجتمع له أهل الدرب، انتفخت عيني بعد دقائق مثل رغيف،كاد الوجع أن يفقدني صوابي،وفي الصباح اخذت الوالدة بمشورة الجيران، تناوب النسوة النظر لعيني من أسفل عصابة رقيقة، اشتعل رأسي بالخوف لوصفاتهن: لابد وأن يقطر له من حليب امرأة مرضع، لكن هانم كان لها رأيها، اقبلت تتحسس الجدار، عقدت المفاجأة الألسن وهي تصرخ: مفيش غير الست خديجة، إلحقي ابنك قبل فوات الأوان، بعد قليل كنا فوق الجسر، امسكت الوالدة بيدي تجرني من خلفها، وهي تسبح في بحر من الرجاء،على باب الضريح، يتزاحم الناس، يتعالى بكاء الصغار، شقت الوالدة لنا طريقا بين الأجساد الملتصقة بالجدار، امسكت بطرف قماش القبر الأخضر، مررته من فوق عيني في سكون، وهي تتضرع في خشوع، فضت عقدة منديلها الكبير بأسنانها، أخرجت عشرة قروش فردتها قبل أن تغيبها في بطن الصندوق، تنظر متوسلة ناحيتي، يتوزع بصرها بيني وبين القبر في لهاث مكتوم، بعد يومين برأت عيني وزال الوجع، يومها سرت الوالدة، زارتنا هانم عند الأصيل، يتقافز صوتها بنشوة عارمة، تمددت ليلتها فوق حصيري المندى، لأشعر بعد دقائق بسرب من النمل يتحرك فوق قدمي، قادتني الصدفة لجحر مهول يسيل منه جيش جرار، على ما يبدو أن واحدة منه تسللت خلسة ونهشت عيني.
ظللت معلق بالمقام إلى أن كبرت، قادني القدر إليه فتا يافعا، أمر عليه في طريقي للمدرسة الإعدادية،ألقي السلام في تأدب مبالغ،تغيظني حالة العبث، لا مبالاة الجيران، تعاملهم الجاف من الضريح وكأنه كومة من التراب، إنهم جفاة غلاظ، لا يستحقون مجاورة ستنا خديجة، تمنيت مرارا في حرقة، إن لو سعفت الأقدار، فانتقل المقام لقريتنا، فنجن أولى بحبها ورعاية قبرها من أولئك العاقين، في كل صباح استقبل هواء الصبح باردا، يحمل بين طياته انفاس الليل الثقيل،أسير وقلبي يمزقه الخوف والرهبة، اقتلع قدمي من الأرض بصعوبة، إنه يومي الأول في امتحان نصف العام، على غير عادتهم يسبقني أبناء القرية مسلمين ومسيحيين وقد انتظموا في صف واحد، ووجوههم ملتصقة بالجدار يقرؤون الفاتحة، منذ أسبوع بالتمام، وفي إجازتي السنوية ذهبت لزيارة صديق قديم، طلبت منه زيارة الضريح، وما إن رأيته حتى تقلص وجهي في ذهول، اغرق الإهمال المكان، توحشت البيوت، دبت الرطوبة في الجدران فتركتها لينة هزيلة، ارتفعت الأرض من أمامه حتى دفنت مدخله في اختناق، تراكمت الاوساخ، فاحت الأرجاء برائحة لا تطاق، نظرت في فضل لداخل الضريح، بدى في اعتلال مخيف، اهترئ الغطاء الأخضر وتمزق،غمرت المياه الجوفية أرضه، تملكني الأسف، تزاحمت مخيلتي بصنوف الصور، اقتحمني صوت خادمة المقام في تضاؤل،بكاء الصغار، ضجيج النساء المختلط، الشمع المنصهر في زواياه، اعشاش اليمام صوتها وهي تزوم في نغم عذب، رائحة المسك الثقيلة، يد أمي تجرني من خلفها تدفعني للداخل، رددت على الفور ودون قصد: سبحانه الضار النافع.
***
وكانت دُنيا
خَارج البيت، وتحت ضوء سماء الخَريف الفاَترة، وحدها تتلقى ونس الصباح بنفس رضية، وصدر منشرح،في شرخ الصباح تعودت تسبق طيور السماء في بكورها، ينَفتحُ باب دَارها في مَوعدِ لا تُخِطئه، تمَرّر يدها فوقَ عيَنيها الدَّامعةُ تتَحاشى خُيوط الشَّمس البُرتقالية، ترن بصوتٍ خافت مُتخاذل: يلا صباح جديد، ربنا يحعله خير على الخلايق، دنيا نعرفها جميعا بهذا الاسم، امرأة في نهايةِ العَقدِ السادس من عُمرها، رَبعة الجِسم، مدكوكة القوام، ذاتَ وَجٍه نُحاسي باستدارة مُحببَّة، رُكبت فيه عينين سوداوين في اتساعٍ مُلفت جذاب، وأنف مدبب رفيع، وفم منمنم مطبق دائما في تشهي، لم يطرق خاطري كغيري من أندادي، أن نَسأل عن أهلها، عشيرتها، لا نعرف غير ديانتها، فذهابها إلى الكنيسة بانتظامٍ في أيامِ الآحاد أمرٌ معلوم، ذلك الصَّليب الذي يُزين رسغها في اخضرارٍ ظاهر، أيمانها المُغلَّظة وهي تكشفه حَال احتدام الجدال، تفترش الأرض أمام عتبتها تحتضن عينيها المارة في تَحببٍ، تحييهم في استبشارٍ، تعبر بنغمٍ هادئ رَزين أغنية حَزينة، تتمنّى كلماتها المؤثرة أن يعود الغائب، أن يرجع الفرح للدار، من بعدها تبدو مُرهقة، تمرر يدها فوق وجهها المعرق، تتابع أفراخ العصافير المفترشة العش في بطن الجدار، سريعا تنشط من فورها ؛ تساوي الأرض بعرجونِ بَلحٍ يابس، ثم تسكنها بالماء، ومن بعدها تبتلعها الدار، تُغلق الباب، تظلَّ على حالها حتى يفيض الشارع بشمسِ الضُّحى المُلتهبة، قبل ذهابي للمدرسة تَوطَّدت بيننا الصِّلة، اشعر معها بونسٍ، اطمئن لتلك النظرات، ابتسامتها اللينة،اذكر تلك المرة اليتيمة التي سألت عنها الوالدة، قالت في سُهوٍم، والكلمات تَتكسّرُ بين شفتيها: لقد وعيت فوجدتها، كانت شابة حلوة، تَغمرُ الدنيا بمحبتها، هي ابنة للجميع، بعد أسبوعٍ تَتزيّن القرية بأضواء الليلة الكبيرة، ها قد توافد الغَجرُ كعادتهم في كلِّ عام، نصبوا خيامهم، شدَّوا الخيش، نبحت كلابهم، وتوزَّع أبنائهم في بُؤسٍ على دور القرية ؛ يستجدون أهلها في إلحافٍ ؛ طمعا فيما تجود به الأيدي، أما فتياتهم، فقد عادت عيونهم تبرق مجددا بالغواية، تتعالى ضحكاتهم في تَغنجٍ، وسط هالات المرح على وقع الزَّمرِ والطَّبلِ الذي لا ينقطع، في هاته الأثناء، ينشط فتيان القرية في جَمعِ قروش من كُلّ بيتٍ، لزوم الاحتفال،أجرة المُنشد وبطانته والفرقة،عشاء مشايخ الطريق،تجديد أقمشة البيارق، شَدَّ جلود الطبول، عِلب الحلوى التي تُوزّع ترضية للصغار، وتنثر فوق الرؤوس، تنتظر دنيا هذه الأيام بفارغِ الصبر، وكأنَّها تعد العدة في ابتهاجٍ كبير، تشتري ثوبا جديدا، تطبخ فتُكثر المَرق، تجود على صغار الغَجر بأطباقها الشَّهية، تَدّخر قروشا في كيسها الأحمر، تُفرغه في حِجرها، تتراقص لحظتها ابتسامة صبيانية بريئة على شفتيها،قسمٌ يذهب لتجهيزات الليلة، وقسمٌ تشتري منه الحلوى والفاكهة لتوزيعها على الجيران، والباقي تنفحُ به اليتامى وما أكثرهم، وفي الليلة الموعودة ترتدي ثيابها كفتاةٍ لاهية، تدع متهللة أن يوسع الله على من تَسبَّبَ في الفَرحة، تمر بين الحشود مُستأنسة، تقف أمام البائعين لا تضع لعبثها حد،تمتد بين عينيها خيوط الأمل ؛ حين مشاهدة الصغار في ألعابهم، تظل هكذا حتى مَطلع الفجر، بعدها تخلع عنها ثوبها الجديد ؛ لتَتمدَّد فوق فراشها راضية،وفي الصباح تنبعث في قلبها قوة من يقين، قوة تدفعها لأن تستقبل يوما جديدا، يتلألأ صوتها بشدوٍ جميل، تَعودُ ثانيةً لأغنيتها القديمة، تُعيدها في حَماسٍ صادق، تهبط وتنزل السلم، ترعى دجاجاتها، يصهلل صوتها،هكذا سحابة نهارها، جاء الأحد فتهيَّأت له مبكرا، ارتدت ثوبها الأسود ابتسمت وكأنَّّها تطمئن من حولها، تقض في صلواتها قسما من نهارها،وقبيل الظهيرة تعود وشفتاها تختلجان بالدعاء، أمام دكان صبيح، يستقبلها الشيخ عبداللطيف في عينين مبتسمتين، تنحرف ناحية الطريق، تدخل يدها في صدرها تخرج كيسها الأحمر، تشرع في عَدِّ قروش تَرن في كفهِ، تكسو وجهها سحابة من ثقة، تقول مبتهجة: هذا نصيبي لشراء حصر المصلية، ينشب القوم عيونهم فيها، وحالة من الرضا تكسوها، تكمل سيرها في انشراحٍ يَقطر من قسماتها،ذات أصيلٍ صادفتها تجلس مع الوالدة فوق المصطبة، حاولت الاحتفاظ بقوتي، غلبتني الدهشة، جاهدت على أن أبدو في مظهرٍ يليقُ برجلٍ رشيد يبتعد عن حظائر النساء، قلت بصوت يفيض حياءً: مساء الخير، وقبل أن اتجاوزهما استوقفتني ضاحكة: مفيش إزيك، والله وكبرنا وبقينا رجالة!،زممت شفتيَّ في مقاومٍة بائسة، تكاد تنفلت مني فرحة، رددت وأنا اشهق محاولا هضم كلامها: إن شاء الله تكوني بخير يا خالتي، أومأت الوالدة برأسها فاقتربت، أشارت لي فجلست، شعرت بحباتِ العرق تنسابُ في ظهري كثعابينٍ بغيضة،ارتجَّ لساني محاولا في استماتةٍ استعيد شجاعتي، ألقيتُ نفسي في تلك الحيرة راضيا،رغم الضيق،قليلا،نبت الاطمئنان بصدري، لقد تربينا في حِجر تلك المرأة، بعد قليل هدأ اضطرابي، شعرت براحةٍ تتَمشَّى في أعصابي، ارتعشت عيناي أمام عيناها خَجلٍا، سهمت هي قليلا قبل أن تنطق في حُنو: لا زلت أذكرك رضيعا، قطعة من اللحم، وضعتك أمك بين يدي، تغط في نومك، ها هو العصفور وقد كبر، ليصبح في هَيئةِ الرجال،أرخيت عينيَّ، لا تزال ابتسامة خجلة معلقة بين شفتيَّ، لأجيب على استحياءٍ: أنت الخير والبركة، ومن بعدها اتصلت أسبابي بأسبابها، على فتراتٍ أمر عليها للسّلام، ظلت ابتسامتها الهزيلة، دعوات مُلحة تحميني، تطرق أبواب الأمس، تماما كيديّ صغير، تهمس فوق ألواح بابها مع كل صباح.
***
زاهية لعبة الحب القاتلة
منذ عرف طريقه للحقول هجاما وابن ليل، وهو يحلم بالبيت والأسرة والاستقرار، ذلك الحضن الدافئ، المشبع بالونس، تقدمت به السن، وتلك الأماني لا تفارقه، أحب سطوحي زاهية ولم يبح بما في صدره، أحب شقاوتها،ميوعتها، أنوثتها المتفجرة الملتهب كنيران الفرن،العيون العسلية، الضفائر الذهبية المرسلة في فوضى، الجسد اللدن المشاغب في عنفوان، بريقها الذي يتبعها أينما ذهبت، ضحكاتها، هي مثله ابنة الفقر، لكن عيبها الوحيد أنها متمردة، لا تقنع بحياة، اسلمت عقلها مبكرا لخيال طامح، أحلام قديمة لا تتوقف عن المشاكسة، انجرفت ورائها في ابتهاج واستسلام شهي، بدا الأمر بمرور الأيام مسليا، ثم تحولت الأمنية لأمل خطف فؤادها، لا يتركها في نوم أو يقظة، حامد ابن شيخ البلد ذلك الشاب المتعلم، أعجبها ثرائه الفاحش، تعلقت بتودده إليها دون البقية، عامل الفتى زاهية بلطف زائد، يلمع وجهها بنظرة شيطانية تشتعل على إثرها جوانحها لحظة حديثهما، يكاد الحب يمزق صدرها، يتردد صوتها صدى هزيلا، ظنت الفتاة أن عطفه عليها حب وهيام، وأن نظرات الشفقة عشق وعزام، سيعلنه عما قريب أمام العالمين، مسكينة فقد غاب عنها الكثير عن طباع أبناء الذوات، في البداية لم تكن الرابطة قد ارتقت لأطماعها، فهي في نظره فقيرة من جملة الفقراء، ومعدمة ليس أكثر، شده قليلا البريق المتدفق من عينيها، ما جعلها مختلفة عن أترابها من بنات القرية، كان الفتى نبيلا،أثرت فيه حياة المدينة، فلم يقامر بتلك العاطفة الجياشة لفتاته، حاول في أكثر من مناسبة أن يضع حدا فاصلا بينهما، أن يجد وسيلة لقمع اندفاعها المنفلت،لكنه كان يتراجع في كل مرة، هداه تفكيره أمام جرأتها في حل وحيد، أن يبتعد عنها، ينسحب من ذلك الوسط، غرق في هموم دراسته، فلم يعد يرى في القرية إلا نادرا، ما إن يرجع من سفره حتى يعود ثانية إليه،أما هي فلم تجد من مبرر لفعلته، أخذت تذرع القرية بحثا عنه، لكن بلا جدوى،يزداد وجهها امتقاعا كلما رأته، تقابله بعينين مغرورقتين بطبقة من الدمع، تسلم عليه، تمد يدها في عجز وتهالك، والتأثر باد عليها، بدت وكأنها تهوى أن تعيش في تلك العذابات،أما سطوحي فهو يجاهد، لم ييأس في سبيل التقرب إليها، بذل ما في سعته كي يضع لعبثها حد، أن ينتزعها بقوة، فلم يجد إلا أن يفاتح أمها في أمر زواجهما،هما فقيران، والفقير يحن لفقير يشبهه، لم تقطع والدتها معه بوعد، لكنها تركت الأمر معلقا لتدبير الأيام، بذل صاحبنا طاقته ليصبح جديرا بزاهية امتدت يده تقطف من خيرات الحقول ليل نهار، اندفع في عماية يخطو نحو الموت غير عابئ بشيء، جمع قروشه وابتنى بيتا صغيرا، لم يكن ليملأ عينها، ولا يشبع خيالها الجامح، هي تعرف أن الفقر نقمة، إذا جمع بين فقيرين، فلن يجنيا من ورائه سوى البؤس والشقاء، ماذا يصنع بالفقراء إلا الجوع والنكد والحرمان، أما صاحبها فالمستقبل له، فإذا كان حامد من أصحاب الأطيان والجاه، فهي لا ينقصها شيء، فجمالها خير شفيع، فتنة يتحاكى بها أبناء الزمام، وحسنها على موائد الأعيان، هي أرجح عقلا وأوفر ذكاء من بنات القرية، ومع الأيام ينبعث في قلبها قوة من يقين، قوة يضعف دونها رجال كثيرون من الأفندية والملاك، لم تفقد الأمل أن يأت حبيبها على حصانه كما يحدث في كل أساطير العشاق ؛ وينتشها من الحضيض،انتظرت وانتظرت لكنه لم يأت، نقلت إليها حسنة صديقتها المقربة ذات ظهيرة، لقد تزوج حامد من ابنة مأمور المركز، فتاة متعلمة، تشبهه في كل شيء، ما أتعس الفقيرات حين يسرحن خلف خيال مريض، ما اضيق عقولهن عندما تتعلق آمالهن بالسراب الكاذب، لم يأت حامد إليها، لم يطرق عقله يوما أن تصبح زاهية زوجته،ولم يكن اهتمامه بها إلا شفقة يهبها رحماء القلوب ؛ جبرا لخاطر المنكوبين أمثالها من تعساء الطين.
حاولت الاحتفاظ بعقلها من التلف، قاومت طويلا لوثة محققة، كل يوم تفور نيران الحزن، تشب في صدرها ألف مرة، لازمت الصمت في مسكنة، وسكين من الألم يمزقها، وجد سطوحي الفرصة مواتية، حوم من حول الطير الجريح، يتردد عليهم بكثرة،يحمل في يده من الطيبات، يفرش وعوده الخلابة أمام أمها التي رقت لحاله،لم تجد المرأة من بد غير الوقوف في صفه، جعلت تغوي ابنتها في كل ساعة، ترغب في الخاطب الطامح، لم تجد من بد إلا أن توافق، مر الوقت كئيبا عليها، يقف خيال سطوحي في حلقها كلما رأته، يكاد يخنقها، يقضي عليها، قبيل الزفاف بساعات راودها شيطانها أن تفر، تهرب، لكنها سالت نفسها في آخر لحظة: على أين تذهب ؟، وقد انقطعت حبال النجاة، زفت أخيرا لصاحب النصيب، لم يصدق سطوحي أنه فارز بزاهية فراشة القرية وجنيتها، ومعبودة الحسن فيها، يسعر كلما اقترب منها وكأن قلبه يسقط في قدميه، أما هي فقد شعرت وكأن دموعها التي تجمدت في عينيها، طوال تلك المدة تذوب فجأة، ارتمت مسلوبة الإرادة بين ذراعيه، وهي تشهق في نحيب موصول، يمتد أمامها الفراغ الموحش المستقبل المظلم، نال منها ما ينال الرجل من زوجته وهذا يكفيه، هذا ما استطاعته، لم تكن في وعيها حين أخذ ما أخذ، شردت بعقلها، انتقلت هناك حيث يوجد الحبيب، حتى وإن تظاهرت بالرضا والقناعة، تبتسم له وكأنها تطمئنه، والألم ينضح من عينيها، كانت الغيرة تعصف برأسها، فالقة كبدها، نفض سطوحي عن رأسه تلك الوساوس التي تلح عليه، وماذا يضره طالما أصبحت فتاته بين ذراعيه، يضمهما جدران، يغلق عليها باب، يجمعهما فراش واحد يشمها،يتلذذ بها وقتما أراد،اقنع نفسه أنها لن تخرج عن طوعه شبرا، إنه الحب الذي يعمي ويصم صاحبه، حوله لنصف ميت، كان عليه أن يبدأ حياة نظيفة، حياة تليق بزاهية ابتعد عن الحرام، شرع في مزاولة أمور التجارة، خصص حجرة في بيته، جلب صنوفا من البضائع، البقالة، برميل الجاز، وقدرة الفول، شاركته بأريحية هذا الرزق،سر بهذا كمسكن لآلامها، بقي شيئا واحدا ينغص عليه حياته، تعلق خاطره بالذرية، ان ينجب منها، أن يربطهما رابط العائلة الصغيرة الذي حلم به، طافت بها أمها على عيادات الأطباء، زارت المشايخ والعرافين، فاضت مدامعها فوق اعتاب الأولياء والصالحين، جربت كل وصفات العطارين وتجاربهم، لكن كل هذا لم يجد نفعا، يسكب في كل يوم حسراته، وهو يطالع زاهية ذلك الجسد الممشوق، المهر العفي، الغصن المورق ن ترجع نظراته ألما، فهي أرض بور لا تنبت، وشجرة عاقر لا تثمرن حاول بكل طاقته هضم تلك الأوجاع، لازم الصمت، احتفظ مظهر رجل متعال، يدخل اللقمة في فمها في حنان أبوي، يسيل الحب من عينيه وهو يردد: الحمد لله، إللي يجيبه ربنا كويس، انت يا زاهية نعمة وفضل، النصيب لسا مجاش، لكن صوته النابض بالصبر يخونه في مرات فتدمع عيناه خلسة، تزحف بداخله مشاعر القهر، في الأخير سلم أمره لله، رضي من الحياة بقسمتها، ملأت زاهية عليه فراغه الموحش، لا يتركها لحظة، تصحبه في مشاويره للبندر، طرد أماني الخلفة من عقله،كما هجر من قبل عالم اللصوص وأبناء المنصر،كانت الأيام به رحيمة، أرسلت إليه من يجد في قربه العوض، تزوج سليم شقيق زاهية ورزق ب حامد و سكينة، امتلأ البيت بضجيجهما الصاخب، تحركت على إثره مشاعر حلوة انجذب فؤاده نحوها، شب الصغيران بين حيطان الدار، يرعاهما كأب حاني، وجد السلوة في قربهما، ووجد أبواهما النجدة والمعونة، فكفايتهما مؤونة الحياة رزق واسع، ورغم ذلك اشفقت زاهية عليه، تتبعه بعينين قلقتين وهو يحتضنهما في ابوة غامرة، مرن الرجل نفسه على تلك الطباع فأجادها، يمرض لمرضهما، لا يضع لقمة في فمه قبل أن يشاركاه، يطارد المرأة كابوس مخيف،أن تؤول ثروته وشقاء الزمن لأبناء أخيه حكيم، خاصة بعدما كشفوا عن نواياهم، تكره تلك اللحظات الممزقة بالألم والخوف، أصبح كل أمل يتحرك في صدرها أمل كاذب، لا يتعدى باب الدار، غدا يموت سطوحي ويحضر الورثة، يطردونها، يأخذوا كل شيء بلا رحمة، أحست وكأن النار تشتعل في رأسها، ماذا تفعل وقد عجزت عن أن تمنحه الوريث الذي يحمل اسمه، الذي يجنبها مصيرها المحتوم،ماذا يصنع أبناء شقيقها، إنهم أغراب، ليسوا من صلبه، حتى وإن استسلم لأحلامه المزعومة، حتى وإن تظاهر بأنهم أبنائه الذين تربوا في حجره، لم تسكن عنها الأسئلة، داخلتها كآبة محيرة، تزاحمت مخيلتها بالصور، مشاعر مخيفة تحولت لكوابيس مفزعة، مرت الأيام على مثل هذه الحالة من الهم ن كبر حامد واشتد عوده، بلغ مبلغ الشباب، وكبرت معه اطماعه في الرجل الذي أحسن إليه،أصبح همه الشاغل أن يغترف قدر طاقته من ماله المكنوز، أن يقتطع لنفسه ف جشع ما يؤمن به حياته، إذا جد في الأمر جديد، استغل طيبة مربيه، خلا به وملأ رأسه بمشاريعه الطموحة، مضمونة المكسب، إن ما يحتاجه فقط رأس المال، تردد سطوحي قليلا لكن عاطفته غلبت عقله،وضع في يد الشاب ثروته،تعب السنين، لم يصدق حامد نفسه، سال لعابه وهو يقبض المال، بعد أسبوع تبخر من القرية، اختفى في مكان مجهول، فشلت جميع محاولات صاحبه في الوصول إليه، بعد أشهر عاد حامد لكنه في هذه المرة في هيئة غير الهيئة، وحالة غير الحالة، يطالع الناس من داخل سيارته الفارهة في كبرياء مزعوم، لم يصدق سطوحي الخبر، اندفع كالمجنون، وهو قابض على ذقنه في ذهول،ذهب إليه يطالبه بالمال، تساءل الفتى في تغابي، قائلا في ازدراء: ماذا تريد يا حاج، أي مال تقصد ؟!، رد عليه بصوت هادر: مالي الذي سرقته يا لص، ابتسم وهو يواري غيظه، ليجيب: أي مال هداك الله لقد تاجرنا وخسرنا كل مليم، هنالك أيقن الرجل أنه اسقط في يد وغد لئيم، لم يرع للمعروف حقا، مرت الأيام بلا طائل، في تلك الأثناء عقد ط سطوحي عومه، بعدما نبتت في رأسه أفكاره الشيطانية، ها هي تعود من جديد، ذكرى الأمس التي حاول تناسيها، اللص ميت القلب والضمير، مقتحم الحقول، وناقب البيوت، كانت طلائع الليل تزحف محتدة، عندما قرر بعين دامعة أن ينتصف لكرامته، جرى بصره دون إرادة ناحية الجدار القديم، ومن فتحة فيه اخرج بندقيته القديمة، هزها في يده بقوة بعدما لهث فكره في إجهاد، مرر يده فوق الماسورة، تأكد من حشوها، وفي غبش المساء، رباط قريبا من حقل ذرة قريبة،ومع هدأت الليل انفلتت رصاصة تلو الأخرى، تشق سكون الظلام، توهجت في جسد حامد الذي اغرق في دمه، بعد مدة هرع الأهالي للمكان، ليجدوه قد فارق الحياة،لم يعثروا على القاتل، ولم تصل الظنون إلى سطوحي، الذي اغلق على نفسه، غارق في كآبته لا يصرفه عنها صارف،لا يفعل شيئا غير الاستغفار، يحرك رأسه وهو يضرب كفا بكف في ذهول.










