د. وليد الخشاب
صدرت مؤخراً رواية أحمد غريب “صباح الخير يا أفندم” عن دار بيت الحكمة بالقاهرة. تتبع الرواية شخصية مثقف عربي، ولعله كاتب أو صحفي أقرب إلى نموذج اللابطل أو البطل الضد. يسافر ذلك المثقف إلى الخليج للمرة الثالثة في حياته العملية، بعد فترة قضاها في الغرب، ليتسلم عملاً في مجال تغذية الذكاء الاصطناعي بمواد لغوية عربية. ويستعرض الراوي شخصيات مصرية وخليجية تعمل أو تعيش بالبلد الذي يستقبله، ليكشف بعض الجوانب غير المألوفة في الخطابات اليومية المتداولة عن المنطقة.
يروي الراوي حكاية بعض الصراعات على العمل بين المغتربين، وبعض المبالغة في الحماس الصادر عن المتصارعين، إلى حد توفير فرص التعرف بالنساء لرئيس العمل. كما يرى القارئ حالة سيدة مهمشة يصعب على العقل تصورها خارج المدن المصرية، تتعرض لقسوة الزوج والمؤسسات، مثلها مثل أهل الهامش الحضري الذين تعج بهم مدن المشرق والمغرب. لكن تظل تلك اللمحات السردية إطاراً لتأملات يشير إليها النص ولا يتفاصح أو يتعالم بها، تحث القارئ على مصاحبة الشخصية المحورية في تدبرها لمعاني الغربة والترحال والحياة والموت وعبودية الإنسان للغة والآلة. فيتضح في محصلة القراءة أن آلة اليوم التقنية هي لغة سيطرة، وأن مفردات الحياة تصير رويداً رويداً تروساً في آلة تحكم كونية، يخضع لها الحجر والبشر.
الذات وصورتها
تبدأ أحداث رواية أحمد غريب بالبطل الضد الذي يقدمه الراوي. ينظر البطل لنفسه في المرآة ويخاطب نفسه. لكن الصوت السارد طيلة الرواية هو صوت عليم يصف دخيلة ذات بطله الضد، ولا نقرأ أو نسمع صوت البطل نفسه مباشرة. وسوف تنتهي الرواية بالراوي نفسه يحكي أن البطل ذاته ينظر لنفسه في مرآة حمام آخر. موقف البداية وموقف النهاية يبدوان وكأن أحدهما مرآة للآخر حرفياً، فهو موقف التأمل في الذات وفي المرآة، أو استبطان الذات أمام مرآة، الذي هو وقوف الإنسان أمام العالم، أو أمام الموت (أو مقلوبه، الحياة) كما تدلنا دائماً الأساطير الكبرى عن المرايا. تروي الباحثة دلال جويد في أكثر من مقال عن القزويني أنه أورد حكاية عن أهل بابل ينظرون إلى مرآة كبرى فيرون فيها من سافر وغاب في سفره. والغرب مفتون بقصة الشاب نرجس إذ يستغرقه النظر إلى صورته على صفحة الماء، فينتهي به الأمر غريقاً في قاع البحيرة. في القصتين القديمتين، تفتح المرآة وعي الإنسان على ذاته وأعماقها، وعلى العالم باتساعه.
وتبدو رواية أحمد غريب “صباح الخير يا أفندم” كلها تراوحاً سردياً وتأملياً بين جسم وصورته، أو ذات وقرينها. هي رواية المزدوجات المتلازمات مثلما تلازم الصورة أصلاً أو مقلوباً لها. منذ الفقرات الأولى في الرواية، يطرح الراوي أن: “الترحال غير الغربة”. لكن الرواية تقدم مزدوجة الترحال والغربة مصحوبة بتعريف غريب. قد يتبادر للذهن أن الغربة هي انقطاع أحبال الود أو المدد العاطفي مع أصل ما أو وطن بعينه. فإذا بالراوي يُعَرِف الغربة بأنها “إحساس ثقيل بعدم القدرة على فك روابط ثقيلة”. بينما الترحال فك روابط. في الرواية، الترحال تحرر، والغربة هي استقرار في الاغتراب. ربما كان الراوي يستخدم مفردة “الغربة” لكنه يعني في الحقيقة مفهوم “الاغتراب”.
مشهد الوقوف أمام المرآة، وموقف المتأمل إذ يستقبل قبلة أو هيكلاً هو الموقف الذي يفتتح به أحمد غريب روايته الأخيرة وبه يختتم الرواية. وقد أطلق على الرواية اسم “صباح الخير يا أفندم”، التي هي أيضاً عبارة يفتتح بها المرء تفاعله مع الآخرين، حين يلتقيهم صباحاً. أي أن الرواية عن البدايات، بدايات تفاعل الإنسان مع العالم ومع الأسئلة الكبرى عن الحياة والموت، ثم عن الترحال والغربة اللصيقين بنشاط الإنسان المعاصر في عالم الرأسمالية المتأخرة. أول ما يتبادر للذهن حيال حضور المرايا وتأمل الذات لنفسها عبر وساطة المرآة هو أن رواية غريب السابقة كانت بعنوان “كسور المرايا”. إن كانت رواية “كسور المرايا” عن تشظي صورة ذات في المهجر، بين كسرات مختلفة وصور منثورة متناثرة مبعثرة، متعددة، “فصباح الخير يا أفندم” -رواية غريب الصادرة مؤخراً- هي سرد لقصص عن ذات واحدة، تلملم كسورها ونثارها في تجليات عديدة لصورتها المرآوية. في رواية الغريب الأخيرة، لا تتشظى الذات، وإن كانت حكاياتها شذرات من سيرة أنا تتأمل ذاتها في مرآة النفس والعالم.
تبدو الذات المتأملة في المرآة متصالحة مع فكرة الاغتراب بوصفه قدراً شخصياً لها، وقدراً للإنسان المعاصر عموماً. وتبدو مشغولة بقدر أكبر بما تسميه -أو ما يسميه الراوي- “الانفصال”. في “صباح الخير يا أفندم” الانفصال يعني الترحال لا الغربة. وهو ما يليق بشخصية تقلبت بين أكثر من مدينة بين مصر والخليج والغرب، وعاشت وعملت في مهجرها الخليجي مرتين، وها هي تبدأ محطتها الثالثة في ترحالها عبر العالم عموماً وعبر الخليج العربي خصوصاً. وكأن الذات تستشعر ثراءً دلالياً وعاطفياً في الترحال، الذي هو “قبول بالطواف الدائم وتقويته بالمعاني”. وكأن الترحال ليس حيرة، بل ذخيرة وثروة تزدادان على مستوى المعنى والراحة النفسية.
لامكان الحياة ومكان الموت
في مفتتح الرواية، يكاد الراوي يختتم المشهد برصد طبيعة نظر البطل الضد في المرآة، ولا يكتفي بوصف أغوار نفسه التي يراها. ينظر البطل إلى المرآة بتردد، ويوضح الراوي أنه يخاف النظر إلى العمق، وكأن النظرة تأبي إلا أن تتشبث بالأسطح: سطح المرآة، سطح الحياة، سطح التأملات. ولا يتعمق الراوي تلك المفارقة بين خوف البطل من العمق وبين عمق أفكاره الشاردة. ولعله يركن إلى أن تأملات البطل والراوي معاً لا تستقر على تسمية للقضايا التي تبحر بينها، وإنما تومئ وتشير، لا تُنَظِر وترسخ أحكاماً. وتَظهرُ لازمةٌ منهجية وأسلوبية وفكرية في تلك اللحظة من الحكي، وهي غياب اليقين. أزعم أن الراوي يظهر وكأنه يوحي بأن تردد البطل في النظر وتجنبه التعمق فيه، يرجع إلى أن الشخصية المحورية “ربما” لا يجب أن ترى النهايات.
الكاتب الضد أو البطل الضد يبدو لوهلة وكأنه يتأمل الموت أو يغويه أو يستسلم لغوايته. والوقوف أمام المرآة، كما أسلفت، هو -بمعنى ما- وقوف أمام مقلوب الحياة، كما أن صورة المرآة مقلوب صورة الجسد الناظر إليها. أي أن الوقوف أمام المرآة وقوف أمام الموت. وفي هذا السياق تستدعي ذاكرة البطل ذكرى صديقة له متصوفة، وكأن اسمها يستدعي ذكر الموت. لكن الراوي يوجز اللحظة إيجازاً، والبطل يتجنب الإطالة في الموقف، كي يتبعد عن حضور أكثر ثقلاً للموت. هكذا يبدو للقارئ أن الاستعداد للموت في ذلك المشهد فكرة مضللة. هكذا الغربة والموت في تلك الرواية: صنوان تتوسطهما المرآة.
ربما كانت إحدى ملامح حضور الموت في الرواية أن الراوي لا يورد اسم الكاتب البطل الضد. إذ يتابعه القارئ من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، دون أن يأتي ذكر اسمه مرة واحدة في الحكي أو في الحوار. كأن الكاتب البطل جسد بلا روح، بلا اسم. وتزداد تلك الفكرة وضوحاً بعد موقف الشخصية المحورية أمام المرآة وتأملها الموت في لمحة، إذ يذكر الراوي ساعتها بوضوح أن الشخصية المحورية قد انتقلت لتوها إلى ثالث مدينة خليجية تسكنها. هكذا يتلازم في النص حضور المرآة والموت والخليج، لا بمعنى اقتران الخليج بالموت، بل لأن الموت مكان اللامكان. فهو نظرياً مساحة معينة، لكن تعيين تلك المساحة ملتبس نوعاً. في الواقع، نتصور الموت وهو يحتل مساحة ممتدة بين فضائين: بين العالم المادي حيث يقع الموت، وبين الما وراء حيث يستقر الميت. فالموت هو مكان ولامكان في آن.
وربما كانت “لامكانية” المرآة كذلك مقابلاً للامكانية مدن الخليج. يصنف الفيلسوفُ الأشهر فوكو المرآةَ ضمن ما يسميه اللامكان (Heterotopia)، لأنها مكان مادي في العالم، لكنها أيضاً مساحة مفتوحة على العالم الآخر، عالم الموت والخيال والافتراض. كذلك تبدو مدن الخليج في رواية “صباح الخير يا أفندم”. هي مكان معين ذو ملامح مميزة وخواص ثقافية راسخة، لكنها أيضاً مكان افتراضي يتطور فيه الذكاء الاصطناعي، الذي هو قمة جبل العوالم الافتراضية الإلكترونية. وهو مكان ينشط فيه رأس المال الذي يمثل روحاً تدب في العالم ولا تتلمسها الأذهان ولا الأعين، إلا من خلال مقار الشركات ومباني البنوك.
لا تقتصر الرواية على انفتاح مساحات العوالم بين مكان ولامكان، بين عالم ومرآة بها ما وراء العالم. بل هي أيضاً بناء محكم ومحكوم بين قوسين. إذ تبدأ الرواية وتنتهي بتأمل البطل الكاتب صورته أمام مرآة. في البداية، هو في حمامه يستعد للنزول إلى العمل. وفي النهاية، هو في حمام العمل يهندم نفسه قبل أن يلتقي مديره.
من صنع الله إلى غريب
من أعذب ما في الرواية وأغرب ما فيها هو المشهد الأخير. بعد أن يتأمل البطل الضد هندامه في المرآة، استعداداً لاجتماع مع رؤسائه الجدد في العمل، “ينتصب” رباط عنقه وتفشل كل محاولاته في إعادة الكرافات إلى مكانها الطبيعي. تبدو تلك اللحظة الغرائبية الفانتازية دخيلة على شكل السرد وأسلوب الحكي في الرواية كلها. وقد يستغلق على القارئ تفسيرها، خاصة وأن الراوي يرصد تلك اللحظة دون شرح ولو بالإيماء. تبدو تلك النهاية تحية للروائي الفذ صنع الله إبراهيم وتناصاً مع روايته الفارقة “اللجنة”. تنتهي كلا من “صباح الخير يا أفندم” و”اللجنة” فجأة بلحظة فانتازية مفاجئة، وفي كلا الحالين تتغير جسدية الشخصية الرئيسية، وهي بطل ضد، لا اسم له، في كلٍ من الروايتين. وفي الحالين، للتغير البدني علاقة بالذراع الحقيقية أو المجازية، بشكل أو بآخر.
عند صنع الله إبراهيم، يجد البطل المهزوم نفسه محاطاً بذلك التعقب العبثي لشخصه، متهماً بجريمة لا يعرفها، فيشرع في أكل ذراعه وكأنه يجسد التعبير العامي “كُلْ بعضك” والذي يعني “مِتْ بغيظك”. وعند أحمد غريب، يجد البطل الضد نفسه، وهو المتصالح مع وطأة التنازلات، غير قادر على التحكم في رباط عنقه الذي يبدو وكأنه ذراع ثالثة معلقة في عنقه. ويبدو بالتالي وكأنه مهرج. وربما يشير النص إلى المشهد الكوميدي الشهير في فيلم ستانلي كوبريك “دكتور سترينج لاف” حيث يلعب الممثل الكوميدي الشهير بيتر سيلرز دور جنرال أمريكي فاشي، تخونه يده وترتفع بالتحية النازية رغما عنه، كاشفة عن دخيلته. وكأن الكاتب البطل الضد يستشرف مستقبلاً مظلماً محتملاً لدوره المساهم في اللعب مع الآلة ومع الذكاء الاصطناعي، الذي قد يفضي إلى رخاء العالم، أو إلى دمار محيق به.
اللغة البطلة
عنوان الفصل الثالث في الرواية هو “الذكاء الاصطناعي”، لأن بطل الرواية عضو في فريق عمل يغذي الآلة أو السوفت وير بالمعاني والاستخدامات اللغوية العربية. والمدير الإقليمي لهذا المشروع الذي ينضم إليه البطل هو أمريكي، بينما الرئيس المحلي للفريق مواطن من البلد الخليجي المعني، وأعضاء الفريق عرب من كل أنحاء المنطقة. سياق العمل الذي ينخرط فيه البطل هذه المرة سياق عالمي، وليس خليجيا فقط، كما كان الحال في عمليه السابقين بالخليج. كذلك فريق العمل في مشروع الذكاء الاصطناعي، يضم أمريكيين وخليجيين ومصريين. والعمل يرتبط باللغة والكلمات، مما يمنح فكرة اللغة بمعناها العام -فيما يتجاوز هويتها العربية- مساحة رمزية كبرى كنسق إشارات وتواصلات توزع معاني وعلاقات قوة.
فالحقيقة أن إحدى بطلات رواية أحمد غريب “صباح الخير يا أفندم”، هي اللغة نفسها، واللغة العربية تحديداً، لأن بطل الرواية واحد من صنايعية اللغة. شغلته اللغة وتفكيكها وتحليلها وإعادة تشفيرها، بهدف تغذية وتحسين وتحديث الذكاء الاصطناعي. فإذا بالعنوان نفسه يحمل شرخاً في جدار اللغة التاريخي. العربية هي البطلة في الرواية، وتفعيل بطولتها من حيث تحويلها إلى سلعة وملمح من ملامح ربحية الفضاء الافتراضي واستثمار الذكاء الرقمي فيه، يعتمد على عروبة العربية. لكن القارئ يرتبك إن لاحظ أن العنوان الذي يحمل عبارة من أكثر عبارات العربية تداولاً في المشرق العربي، وفي مصر تحديداً، أي “صباح الخير”، إنما يحمل أثر تفاعل العربية مع الفارسية. ف”صباح الخير” ليست فقط ترجمة حرفية للتحية الفرنسية “بونجور”، بل هي أيضا مقابل عربي للتحية العلمانية في الفارسية الحديثة قبل انتصار الثورة الإسلامية والتي تُنْطق أيضا “صباح الخير” أو “صباه خير”. ثم إن صيغة الاحترام “يا أفندم” من أوضح الاقتراضات عن اللغة التركية التي ما زالت حية في المحكية المصرية.
في رواية أحمد غريب، حتى اللغة مغتربة.









