سمر مرسي
عندما تشتعل السماء بلهيب الصراعات، وتصبح شاشات التلفاز أسيرة للأخبار العاجلة والخرائط العسكرية، يتبادر إلى الذهن سؤال ملح: ما فائدة «الكلمة» أمام زحف الحديد والنار؟ وهل يملك الأديب ترف الكتابة بينما ينهار العالم من حوله؟
الحقيقة هي أن الحرب قد تنجح في تدمير المدن، لكنها تفشل في إسكات الرواية. فالأدب ليس انسحابًا من الواقع، بل هو الغوص في أعماقه، حيث لا تصل عدسات الكاميرا ولا بيانات المتحدثين الرسميين.
فمن بعض القصص التي لا يرويها التاريخ الرسمي هي أن الحرب في عُرف السياسة ما هي إلا أرقام، مساحات، وتوازنات قوى. أما في عُرف الأدب، فهي تلك الأم التي تخفض صوتها لتهزم دوي الانفجار بأغنية لطفلها، وهي قلق الأب الذي يرى أحلام أسرته تتطاير مع شظايا القصف.
أما عن الأدب كمرآة للروح..
فبينما تنشغل الأخبار بعدد الضحايا، ينشغل الأدباء بحكاية كل ضحية؛ بأحلامهم المؤجلة، وبخوفهم الإنساني المشروع. الأديب هنا هو «المؤرخ الحقيقي» للمشاعر، يكتب تاريخ القلوب لا تاريخ المنتصرين.
والسؤال الأخلاقي هنا عندما يطرح الأدب الأسئلة التي يهرب منها الجميع: كيف نبقى «بشرًا» وسط كل هذا الخراب؟ ومن الذي منح الصغار تذكرة لمشاهدة الجحيم؟ إن الكلمة في زمن الحرب تعمل كـ «بوصلة» تمنع الضمير البشري من التيه في غابة العنف.
فالأدب بدوره يجسد الأمل كفعل مقاومة فلا يكتفي برصد الألم، بل يزرع بذور الغد. هو يتخيل السلام حين يستحيل الواقع، ويبني جسور الحوار حين تُهدم الجسور الحقيقية. إنه يمنحنا أوكسجينًا معنويًا لنتنفس وسط غازات الدخان الخانقة.
* أنت والكلمة.. ضد العدم:
عزيزي القارئ، وأنت تتابع بأسى ما يحلّ بالعالم خلف شاشتك، تذكر أنك لست مجرد مشاهد. إن لجوءك للأدب هو بحث عن انتمائك لعائلة إنسانية واحدة تتألم وتحلم معًا.
الأدباء لا يملكون صواريخ، لكنهم يملكون ما هو أبقى؛ يملكون القدرة على الحفاظ على «الإنسان» حيًا بداخلنا. سيبقى الأدب دائمًا هو تلك البذرة العنيدة التي تنمو تحت الأنقاض، لتخبر العالم في النهاية: أن الموت عابر، وأن الكلمة هي الخلود.











