مصطفى سعد
مرحبا.. أنا سما.
عمري أربع أعوام فهذه الصورة العفوية واللطيفة للغاية هي صورتي
إذا دققتم النظر، سترون هذا الأرنب ذو الأذنين الطويلتين على بلوزتي الوردية الفاتحة هذا الأرنب كان يوما صديقي.
يمكنكم أيضا رؤية شعري غير المرتب؛ لم أبذل جهدا كبيرا في الاهتمام به، لكنني كنت سعيدة سعيدة جدا.
كان هذا اليوم ساحرا كان هناك الكثير من الأطفال، من كل مكان، يركضون ويضحكون، أصواتنا تتردد في الفضاء كأصوات عصافير.
ركضت معهم ركضت،وأنا أضحك ضحكتي الطفولية حتى شعرت وكأن الأرض نفسها تركض معي.
وصلنا إلى سباق كبير كنت أتنفس بسرعة، وقلبي يخفق بشدة، لكنني أضحك.
جاء طفل وتنافست معه.
كان قويا سريعا واثقا من نفسه
لكنني أعرف كيف أفوز عليه بخبرتي كان طفلا بدينا، فالشحم يمنحه اندفعا وحشيا وجامحا لكنني استطعت الفوز عليه برشاقتي بعد أن فزت وقفت أراقبه من بعيد وأنا أضحك بينما يلهث.
للحظة شعرت وكأن قلبي سيتوقف من فرط سعادتي ومن كثرة الضحك !
في المرة الثانية، ذهبنا إلى مكان واسع للغاية حديقة خضراء تبدو بلا نهاية، تتخللها الأزهار.
رفرفت الفراشات ببطء حولنا، ولعبنا معها. حاولت لمس واحدة، لكنها طارت بعيدا، فضحكت.
لعبنا أنا وأصدقائي.
لعبنا الكرة فريق من الفتيات والأولاد، وكان الأولاد أقوى منا، لكن فريقي تمكن من هزيمتهم مرة أخرى.
الآن فقط يخفق قلبي وتوقفت عن الضحك لأنني سأعود إلى بيتي
بيتي يضم ثلاثة أشخاص أبي جدي وجدتي عندما يحين وقت الطعام يلتهمون هم الطعام الشهي بينما أٌصبح أنا مُكبة علي ما يعافونه، يأكلون هم الوجبات الفاخرة اللذيذة، ويُترك لي أسوأ وأرخص طعام يُمكن لطفلة أن تأكله
خلال النهار، يضربونني ويعاقبونني على أتفه الأسباب، لكنهم في الليل يكونون ألطف قليلا معي، وخاصة أبي وجدي. يزداد هدوؤهم. عندما يتسللون إلى غرفتي واحدا تلو واحد
يخرجون ذلك الشيء القبيح ويطعنونني به لا أفهم لماذا يفعلون هذا بي، ولماذا يتسللون إلي سرا ويكممون فمي لكبح أصوات تأوهاتي المعذبة في أحد المرات كدت أختنق وكنت عاجزة حتى عن البواح بذلك فأنا أجبر نفسي على السكون لأنهم يعاقبونني عندما أصرخ، لا أفهم ما يفعلونه بي أو لماذا يفعلونه ورغم أنني لا أزال في الرابعة، إلا أنني أحمل في داخلي روحا تسمو فوق الشر الذي يمكنهم أن يلحقوه بي وأحمل أيضا في داخلي وعيا بالله. كل ما أعرفه هو أنني أنتظرهم ليرحلوا وأكون وحيدة لكي أبكي.. عندما أكون وحدي أشعر بالاطمئنان
في أحد المرات أخبرت الملعونة جدتي. بما يفعلونه بي. في البداية اتهمتني بالكذب، وعندما أصررت، أخذتني إلى الحمام وسكبت الماء المغلي فوق طفولتي الصغيرة. تلوّيت من الألم كسمكة وقعت في الأسر كان الألم أقوي من قدرتي على الاحتمال فصرخت، وعقابا لي على صراخي، ضربتني. لم أفعل شيئا خاطئا؛ كان الألم لا يطاق، ولهذا صرخت. لا أعتقد أن طفلا يصرخ بسبب الماء المغلي يجب أن يعاقب. لا أتذكر كل شيء
لكنني أتذكر الحرارة حرارة لا تطاق، كأن نارا سقطت على طفولتي الجميلة الآن لم تعد جميلة كما كانت.
جاء جدي بوجه عابس وبنظرة كلب مهاجم. وكعقاب لي على إخباري زوجته، لكمني في وجهي عدة مرات بغضب حيواني عارم وكأني لست طفلة.
جدي أرجوك جدي
ثم حدث شيء غريب. فقدت وعيي تمام سكتت صرخاتي المعذبة وسكتت الصرخات التي يصرخونها في وجهي.
وساد الصمت. شعرت بالألم يتلاشى ولاحظت اختفاء جدي وجدتي، نظرت إلى نفسي وإلى المكان الذي أنا فيه لتوي كان أشبه بحديقة مترامية الظلال أتذكر أنني شعرت بفرح طفولي عارم وشعرت بالسلام . لم أعد مشوهة بل استعدت حالتي الأصلية..
جاء ملاكان من بعيد
لم أستطع رؤيتهما بوضوح لكنني شعرت أنهما طيبان.
اقترب مني أحدهما..
كان وجهه جميلا وهادئا.
قال لي بهدوء:
– هل أنتِ غاضبة مني؟
ابتسمت له.
ولماذا أغضب منك. يا ملاكي؟ إذا كنت تعتقد ذلك فأنت مخطأ
قال :
– أنتِ الآن في عالمك الآخر مكان جميل مليء بالأطفال والألعاب
سألته إن كان جداي وأبي هناك.
– قال: لا لن يكونوا هناك، ولن يعاقبوك مجددا، لكننا نحن من سيعاقبهم بما صنعوه بكي.
أسعدني هذا قليلا.. كنت أرغب في أن أسأله لماذا صنعوا هذا بي.. لم أصنع بهم أي شئ لكن كان من المحرج قليلا السؤال عن الامر
سألني مرة أخرة
– هل تودي مشاهدة ماذا سنصنع بهم.. ربما هذا سيدخل السرور إلى قلبك
أتذكر أنني شعرت بالرعب مجددا:
لا.. أيها الملاك أرجوك.. لا أريد أن أراهم مجددا.. لا أريد
نظرت حولي. بعد أن استعدت هدوئي..
– هل يمكنني العودة إلى رفاقي ؟ ستقام مسابقة كبيرة وأريد الفوز بها
هز رأسه برفق:
لا ربما لن يمكنكِ العودة مجددا هذا المكان أفضل لك.
سألته:
هل أنا ميتة؟
ابتسم وقال:
لا أنتِ لستي ميتة، بل هم من ماتوا.. البشرية جميعها ماتت من أكبرهم إلى أصغرهم
قال قولته ثم اختفى. وتركني في الحديقة… واسعة..مليئة بالأطفال والزهور
نظرت إلى نفسي ملابسي كانت مختلفة كانت أجمل لم يعد أرنبي معي.
بحثت عنه على ملابسي
لم أجده.
تذكرت بلوزتي الوردية
كانت ملطخة بالدماء أعتقد. أنها دمائي.
بدأت اللعب مع الأطفال
علمتهم كيف يركضون كيف يلعبون الكرة كيف يفوزون علي.
لكن هؤلاء الاغبياء كانوا أبطأ و أضعف مني وأيضا أقل خبرة.
فزت بسهولة.
جلست هناك لبعض الوقت أراقبهم يضحكون، وضحكت معهم بسذاجة.
سأنتظر عندما يعود ملاكي.. سأطلب منه أن يحضر لي أطفالا آخرين ذوي خبرة يستطيعون مجاراتي ومواكبتي لأشعر بالفخر بنفسي عندما أفوز عليهم








