المخلّص والمسخ: حكاية انشطار الذات في عكس اتجاه الصخب

donkol

عمرو السيد

لا يدخلنا عمرو دنقل في روايته “عكس اتجاه الصخب” إلى عالمٍ مألوف، بل يُلقى بنا مباشرة في فضاءٍ مضطرب، تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والذاكرة بالاختلاق، والإنسان بذاته الممزقة.

منذ الجملة الأولى، يعلن البطل اعترافه بقتل “البدينة”، فندرك أن الرواية اختارت أن تحرق البدايات التقليدية، وأن تبدأ من الذروة لا من التمهيد. ثم بعد أقل من عشر صفحات يكتشف القارئ أنه لا يمكنه الوثوق بشكل مطلق في الرواي ولا في إدراكه، بل ربما ييأس في منتصف الحكاية من إمكانية الوصول إلى الحقيقة. ومن خلال غياب الثقة بين القارئ والراوي، تقدم الرواية شكلا سرديا ذكيا وحكاية ممتعة عالية الرمزية في آن واحد.

بناء سردي ذكي ومخادع

من حيث البناء، يمكن تقسيم “عكس اتجاه الصخب” إلى ثلاثة أقسام. يروي لنا القسم الأول بطل الرواية، محمد طاهر علوي، وهو شخص مضطرب فاقد الذاكرة، لذلك فنحن لا نثق بشكل كامل فيما يقوله.

أما القسم الثاني فيرويه محاميه، وهو ما يعطي القارئ وهما بعقلانية الراوي ليكتشف بعد هذا أن المحامي وأخت طاهر وكل ما قالاه ليس حقيقيا، فتنهار الثقة في الراوي مرة أخرى، ولكن هذه المرة بشكل أعمق.

قد يشعر القارئ بعد هذين القسمين بشيء من الإنهاك أو الحيرة، لكن هذا أمر مقصود وهو جزء من التجربة. فالنص يريد للقارئ أن يتعثر، وأن يفقد يقينه، وأن يبحث عن أرض صلبة فلا يجدها. هذا ما يجعل الشكل السردي للرواية أكثر من مجرد وعاء، بل يصبح سمة ورسالة يشير إليها بطل الرواية حين يقول:

“إن كل ما يحدث أو نتوهم حدوثه مهدد دائما بفرضية عدم الوجود. تخيلوا مثلا أن كل ما سمعتموه مني لا أصل له إلا في خيالاتكم.”

و

“أنا لا أثق في الإدراك، بل إنني أكاد أشك في وجودكم، غير أنني سأتعامل مع ظني بأنكم واقع ملموس، فإن كنت موجودا بالنسبة إليكم فهذه أفكاري وهذا ما حدث، وإن كنتم موجودين فستستمعون.”

حين يأتي القسم الثالث على لسان زوج أخت محمد طاهر تنكشف حقيقة الأمور ويعاد ترتيب الأحداث. لكن القارئ وبعد الخداع الذي مارسته الرواية قد يشك في طرح زوج الأخت، أو ربما يتمنى مثلي لو تركنا الكاتب في التيه فيبني كل منا تفسيرا للأحداث، وقراءته الخاصة لها.

المخلص والمسخ

في الرواية، تبدو شخصية طاهر شديدة التركيب، فهو شخص مضطرب لكنه مثالي يرى نفسه صاحب رسالة، وهو مواطن جرحه التاريخ العام حتى تشوه إدراكه وفقد صوابه. من ثم فخلال الأحداث نجده يمر بثورة يناير، ويعيد إنتاج مشاهد من حرب العراق، ويعود إلى زمن عبد الناصر والنكسة، لا لأن الرواية تريد أن تستعرض التاريخ، بل لأن عقله نفسه صار مثقلا بهمنا الجماعي، وماضينا العربي الذي يعج بالهزائم والقمع والأحلام الضائعة.

 طاهر هو “المخلص” الذي لا يريد سفك الدماء، ويريد للعالم العدل والحرية ولو بالإكراه. لكنه مخلص تتضخم في داخله الرغبة في إصلاح العالم بشكل يعري عجزه عن فعل ذلك. ومن هذه الهوة يتولد جنونه، وتتشظى شخصيته، فتظهر لنا شخصية المسخ وهو كائن غرائبي يجاور طاهر داخل سجنه المتخيل، فيبدو كأنه الظل الذي انفصل عن صاحبه، أو النسخة المشوهة من الذات التي لم تعد قادرة على التوحد.

لذلك فإذا كان طاهر يمثل نزوعا إلى العدل والخلاص، فإن المسخ يمكن أن يقرأ باعتباره ذلك الجانب المعتم المتواطئ مع الخوف، أو الجانب الذي يعرف أن العالم لا ينصلح بهذه المثالية. ومن ثم يمكننا القول إن المسخ قد لا يمثل شرا خالصا انفصل عن طاهر، بل هو تجسيد انشطار الإنسان بين صورته التي يحب أن يراها عن نفسه، وبين الصورة التي تنتجها الصدمة والخيبة والرغبات المعطوبة. ولعل هذا هو أحد جوانب قوة هذه الرواية، فهي وإن ارتكنت إلى مفاهيم التراث الديني في صياغة شخصيتي المخلص والمسخ إلا أنها أعادت طرح هذا الثنائي باعتباره كيانان يتصارعان داخل النفس البشرية إلى الحد الذي يجعلهما شخصين منفصلين.

عكس اتجاه الصخب إذا ليست فقط حكاية غامضة ومثيرة ومسلية عن رجل فقد عقله وارتكب جريمة قتل، بل هي رواية عن الوعي حين ينكسر تحت وطأة التاريخ، وعن التاريخ حين يتحول من سردية عامة إلى جرح شخصي وعن الإنسان حين يكون إنسانا جدا بالشكل الذي يفقد معه نفسه ويصبح سجينًا لعقله ولأفكاره المثالية.

لذلك كله فإن طاهر لا يبدو في نهاية الرواية مجرد مريض، بل صورة مكسورة لإنسان عربي حمل أكثر مما يحتمل ثم وجد نفسه في النهاية وحيدا، يحدق في وطن لم يعد يعرف هل يريد خلاصه أم يريد الهرب منه.

عمرو السيد

2 مقال
صدر له: ـ أجفف السحاب من أثر المطر ـ مجموعة قصصية ـ 2012 ـ كوابيس الفتى الطائر ـ بالمشاركة مع…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع