تعليمات كي لا تكون محطة

ahmed alashry

أحمد العشري

أحببتُ الموسيقيين الجوالين

لأنهم يشبهونني:

يعزفون كي لا يموتوا،

ويمشون لأن الوقوف خيانة

أنا ابن قطارٍ لا يتوقف،

كل صفيرٍ فيه دعوةٌ جديدة

لأترك ما أحب.

بيوتي تُبنى

لكي تُهدم،

وكل قرية ولدت فيها

تسألني :

من أين تأتي الحياة؟

ولا أحد يجيبنا..

إلا الفيضان.

حملت ثوب الزفاف

من يدٍ إلى يد

من حلمٍ إلى خراب،

حتى صار قماشةً معلّقة

على بيتٍ بلا سقف

ينتظر قذيفةً أخرى

ليصدق بأن في داخلي امرأة

تولد يتيمة،

تهرب،

تحب،

تُسجَن،

تُفقد أبناءها واحدًا واحدًا

صوتها يطاردني ؛

“لا تخف

 التاريخ يحتاج دائمًا

إلى قلبٍ أنثوي

ليتمرّن على القسوة”

صوتها لا يكف عن الرنين

أرى أمي التي تنتظر على سياجٍ خشبي

رجلًا لن يعود،

وأبي الذي اعتذر بالخصوبة

لأنه غاب.

أحببت الكاميرا

فكل ما وراء العدسة

يذكرني؛

بطفولتي التي لا تكفّ عن الاحتراق،

ذاكرتي المتشظية،

فربما أحببت الكاميرا

لأنها لا ترمش

أو لأن لقطتها أطول مما تحتمل

الذاكرة.

الصورة تفعل ما تشاء

وكل محاولة للفهم

إهانة للحلم.

تركت الكاميرا تدور وتدور 

رأيت بعدها

أنني أحببتُ امرأة

بلون أزرق،

شعرها أحمر،

طعهما البراءة،

ومنذ ذلك الحين

وأنا أشيخ داخل نوبات هلعها.

في كل عناق

يدي تتردّد قبل أن تعود إليّ

يدي تتذكّر أنها كانت أداة

ومع كل قبلة منها

أهزم الموت

حتى صار دينًا

لا يمكن سداده

حبيبتي ذات الشعر الأحمر تركتني

أكلت ضوء الكاميرا وقالت؛

“كي لا تصيرَ محطّة

لا تشرحْ نفسك حتى تنكشف

الشرحُ الزائد

يجرّد المعنى من سلاحه

اتركْ فيك

جزءًا لا يُترجم

جزءًا

يقاومُ القياس

وإذا أحبّت فتاة شعرها أحمر

لمعانك

ونفرت من الامتلاء

فهي تختار الحافة لا البيت

والحافةُ

مكانٌ جميل

للسقوط.

أنت ابن قطار لا يتوقف

فلا تكن رصيفًا مهذّبًا

الأرصفةُ تحفظُ الأثر

ولا تحفظُ أحدًا

لا تكن أول مقعد في القطار

ثم أولَ غبار بعده

لا تكنْ

اليدَ التي تُدفئ

ثم تُنسى لأنها كانت سهلة

لا تكن محطةً مهذبة

تصفّق للمغادرين

وتبقى واقفة

كأنك خُلقت

لتؤدي واجب الوداع

وتذكر؛

أنت رجلٌ لم يتعلّم الحب “

يبدو وجهي يابسًا

ولم أعد أحب الكاميرا

ضاع ضوءها الأحمر

كصوت المرأة داخلي

وأكملت المشي باحثاً عن منبع النهر

لا لأنني أجهل الطريق

فالأرض تحتي تتدرّب على الحزن

خطواتي تنبش آثارا مكتوب عليها

-كلُّ ما في البدء، يبدو صالحًا للنجاة-

أكملت تاركًا خلفي

امرأة بلونٍ أزرق،

شعرها احمر،

ورجلاً صار محطةً

في حياة فتاة

 اعترفت له اولاً بالحب

وصوت أنثوي حكيم

مات لحظةَ أغلقتُ كاميرتي

حتى بلغتُ منبع النهر،

وأنا متيقّنٌ أنني ما زلتُ

أحبّ الموسيقيين الجوّالين،

لأنهم يشبهونني—

ووجدتهم هناك

يغنّون معي:

“الماء لا يكشف سرّه

إلا لمن يتوه،

وكل حبٍّ لم يمرّ من النار

 

شاعر وسينمائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع