دُنى غالي
يبدأ من العِرْق ويده بمجرد انطلاقها لن تتوقف. خيوط شجرة العشق تتدلى والقطف ممنوع، الحرير يرمق الصوف بتعالٍ، ويلتفّ أخيرا برضوخ. كلاهما نسّاج ولكن هي مَن ترسم النقشة، وهي من تختار ألوانها. تَخْتُها يقتربُ من تختِهِ في غفلةٍ من شمس النهار، تحتكُّ اليدُ باليد بِسَحبِ الخيط، والفخذ بالفخذ في كل عُقدة. عينُها على يده التي تستلّ الفاتح من الألوان توشكُ أن تسهو لِذِكْرِ أفعالِه.
يرتفع بخار المشمش من الحوض إلى فوق ويعلَقُ بالغصون. تفغم رائحةُ العَرَق البيت، تصعد رائحة احتكاك شحوم الخيوط والأنفاس المرتدّة من شقّ ثوبها الفضفاض. تتلألأ النهايات في الأعلى، وتتورم ضبّات الصوف مثل غيوم صغيرة حُبلى سابحة. يلتقيان في الربع الأول من السطر، تظهر نصف تفاحة، بتلات وردة، تُبْتِرُ الشفرةُ الحادّة الخيطَ بعد الخيط، الأصابع بخبرة عازفَين ماهرَيْن على الوتر، تدور سريعا وتعبر فيظهر رأس القلب الذي نَقشَتْه له مع ظلّه. في حين تسقط قطرةٍ دافئةٍ من السقف على أرنبة أنفها.
يرمقان برمشةٍ نهاية السطر، روحان حرّتان متناغمتان يمرحان في المكان وقد خلا لطربيهما. الإيقاع واحد حين يرتفع الرأسان حيث الرسمة وينزلان.
في داخل رأسيهما طرقٌ ملتويةٌ متعرجة ولكنها تفضي إلى قبوٍ قديم بارد رطب ينتهي بعين مياه عذبة.
تُبقي الرأس بزاويته كي لا تسقط القطرة، بينما تُخفِض النظر ليتابع يديها. يلحف نهداها المتململان يدفعان بظهرها ليعتدلَ أكثر من مرة، وبالمرة يرتفعُ الصدر أعلى قليلا كي تشاغله.
لا تحيدُ العين عن الخيط، تشنّف الآذان للصمت الخدِر المسموع. أنفه يكاد يصفّر لدُواره وهو يلمح القطرة الراقصة على أنفها. الرغبة جامحة للنفاذ من شقّ الثوب. يتشاغل بالعدّ والخيوط كثيرة، وكثيرة هي الأشياء الشديدة الخضرة كأيدي هذا البيت المتعفّف. الطير الأخضر في القفص، وشتلات الكزبرة في الظلّ.
تنقذف السنّارة من يدها على الأرض وترنّ ساخنةً لأخذ استراحة. لها عَقفةُ أذينات الدالية المطلّة بفضولٍ من النافذة. تُفسِحُ له المجال ليضرب العقدة تلو العقدة في الصف المنتهي. تتوالى الضربات النافذة الصبر لشدّة شهوته، وهي تتبعه بعينِ مُراقِبةٍ ولهةٍ ضاحكة. يقطعُ الثلاثة أمتار ضوئية من اللهفة ليستدير نحوها ويأخذ وجهها بين يديه. يأكلها تفاحة طازجة. الصبر احتراف، وتجزئة الوقت من خفايا المهنة التي احترفتها وهي صبية بثديين كانا بعيدين عن النول كثيرا. تشبّ على طرفَيْ قدميها كما يومَ شبّت على يديه وتعلّمت منه الفنون. الهمس مبحوح من التعب، متبادلٌ في الآذان (أنت الزينة والخزينة)، يتلامسان يتمسّحان يتطابقان. تفْلِتُ بجسدها لتُشعِلَ الحطبَ تحت حوض الألوان الكبير. لون الخدين من لون الصوف المتشرّب بلون قشور الرمّان وحبّات التوت الأسود الطويلة. الوقت بعدد الغرزات وهي تجمع يديه المتيبستين بين يديها، تفركهما، تطقطق عظامها المتيبسة، تلثم الندوب. تلتفّ ذراعه لتحضنها، يمسِّج ظهرها المتشنج، يضغط فقراتها واحدة واحدة، يُرخي العصّابة ويضعها في جيبه، يفلّ شعرها الفاحم بسواده ويرفعها إلى حيث الحصيرة في الركن البعيد من الغرفة عالية السقف. الأرضية رطبة صلبة، غير مستوية، النوافذ مفتوحة، والقمر في عزّ الظهر، لايراه سواها!
الحديقة طينية تحوّط البيت الذي لم يكمل بناؤه، تأوي فراشات ويعاسيب. سياج البيت الخشبي مهلهل ودود، والباب ضحوك مثل فم الولد التي يترك أسنانه اللبنية للريح. ولكنهما زرعا الدرب إلى النَوْل بالأجراس للتنبيه.
قد علا من النسيج على النَوْل ما شكّل ستارا فاصلا لغرفة نومهما. يلعب الهواء بأوراق العنب ويبرقش الظل على الأرضية. وبمهارة يدٍ تبريزية، تمدّ الخيوط، الحرير والصوف والمخلوط والقطني، تلك الخيوط الناعمة الصغيرة، كما في جدْلِها صبغها، توصيلها من الحافة إلى الحافة، كما في عقدها، قصّها، رصّها، هصرها، استنشاقها، تطقطق العظام قبل أن يرتخي الجسدان. يكون في العادة عراكا هادئا مع الوقت المسروق الذي يفرضه الكمال.
يقيمان صلاتهما في مكانيهما على الحصير، تسرع لتضع الصحنين، يلحسه لضراوة الجوع لحسا، وتنتشي الروح وتحلّق قبل مجيء الرابع.
يعودان وقد تهرّأت عجيزتاهما، وبمثل فرادة المنسوج أمامهما، الذي لم تعد تراه العين بيُسرٍ يُفرِدان خِصَلا (من شَعره وشَعرها) فضيةً، يجدلانها بخيوط رفيعة من الذهب كإمضاء. وتشرع بالبكاء عند الوداع، طقسُ مباركةٍ للأيدي، كلُّ طفلٍ ثمرة سجّادة تغادر، يقبّل جبينها، كل سجّادة ثمرة عشق، يرفع يدها المتشققة إلى خدّه، كل مطارحة كاللسعة مارقة للحبّ على المنسوج، وكل وداعٍ للمنسوج يحمل رسالته مبللة باللذة والكدّ. تمسّد شعره، كل عقدةٍ فألُ خير، لها ألفاظها في الحبّ. هو سماء وهي نَقّاشته. بانصرافٍ عُمري وفيٍّ منقطع، ترسم له الطريق، منها كلّ ما على الأرض من يُمْنٍ، الفاكهة، أغصانها، الخضار والحِملان.














