د. رضا عبد الرحيم
يقول الأزهرى في”تهذيب اللغة”: العصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم، على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين.وعرفها ابن خلدون بأنها: النُعرة على ذوى القربى، وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم، أو تصيبهم هلكة..ومن هذا الباب الولاء والحِلف، إذ نُعرة كل أحد على أهل ولائه وحِلفه.وهناك من الباحثين من فسرها بأنها”رابطة الدم” أو “تكاتف اجتماعى” أو” تضامن قبلى”، إلى غير ذلك من تعريفات وتفسيرات للعصبية، تدور في مجملها حول معنيين رئيسين:” الاجتماع”، و”النُصرة” فهما يمثلان صُلب العصبية، ومع أن العلماء والكتاب قد ذكروا للعصبية تعريفات متنوعة، إلا أنها لا تخرج في مجملها عن هذين المعنيين؛ سواء كان ذلك الاجتماع حقا أم لا.
أما القبلِية وهى نسبة إلى القبيلة، ويُنسب إليها أيضا فيقال: قبيلية، والقبيلة من الناس: بنو أب واحد. ومعنى القبيلة من ولد إسماعيل: معنى الجماعة؛ يقال لكل جماعة من أب واحد: قبيلة.هذا هو المعنى العام للقبيلة ، في القديم والحديث.
وإن الناظر في النظام الاجتماعى عند العرب، يدرك أن هذا المفهوم كان واسعا في الجاهلية، ثم هذبه الإسلام، فأقر بعضه، ونهى عن بعض، وتتمثل سعة النظام الاجتماعى في العهد الجاهلى، في قبوله انضمام أفراد للقبيلة لا ينتمون إلى أبيهم مثل( المُستعرِبون-الحلفاء من داخل جزيرة العرب- الموالى- التًبنى)، ومن خلال هذا العرض يتضح أن النظام الاجتماعى في الجاهلية كان أكثر مرونة مما هو عليه الآن!
فإذا كانت هذه العصبية قد دفعت العربى إلى الثأر ، والماء، والاعتداد بالقوة ، والرغبة في البطش والعدوان، فقد دفعته في الجانب الآخر إلى ضروب من الشجاعة ، والاستبسال، والحفاظ على الكرامة، والاعتزاز بالشرف.
استخدم المؤلف محمد أمين عبد الصمد في مسرحية كُليب تكنيك الراوى واسع المعرفة ، واختار شخصية رئيسة ومتورطة في الأحداث، وهى شخصية الحارث بن عباد( سيد سادات بنى بكر)، ربما لإضفاء مزيد من المصداقية للعمل. ولم يلجأ لأساليب فنية أخرى مثل: المونولوج الداخلى ، أو الفلاش باك، أو غيرهما .. ويؤخذ عليه عدم الاهتمام بالتصوير الداخلى للشخصيات، والتركيز على هدف واحد فقط ؛ وهو الزود عن موقف وسياسات كُليب (وائل بن ربيعة التغلبى)، واختار من الأحداث ما يوصله لهذا الهدف كما سنرى .
فالحارث بن عباد الشاهد على الأحداث ، والذى فقد ابنه في محاولته رأب الصدع بين القبلتين المتحاربتين (بنى بكر وبنى تغلب) ؛ مما دفعه هو شخصيا إلى آتون الحرب . يرفض أن ينعت كُليب بالطاغية، مع أن تصرفات الأخير تؤكد على تأصل هذه الصفة المذمومة فيه قبل أن يصيرملكا على العرب،- بل يعده كاتب المقال النموذج الأمثل لوصف كلمة طاغية عبر العصور اللاحقة – والتي كانت سببا لحرب دامت عشر سنوات بين العرب(حرب الباسوس) ، هلك فيها أعمار رجال القبيلتين.
بل جعل المؤلف الراوى العليم ، والشاهد الحكيم يصف كُليب بصفات شديدة المبالغة – تصل إلى حد التناقض أحيانا- وهذه المبالغة تتفق مع طبيعة وفصاحة وشاعرية العرب، كذا جعله يشهد على صحة موقف كُليب في أكثر من مرة داخل متن العمل نذكر هنا منها:
كُليب كان صاحب همة..مُدركا لقيمة النعمة.. تعامل مع عصره بما يسبق عصره(ص8) . كان فارسا نبيلا..يفكر كثيرا ..لا يفارق وعيه عقله..لم يسكر مطلقا. لم يدخل بيت غانية أو يجلبهن عنده، وكان سيفه لا يفارق خصره(ص11). كان كُليب هو الإجابة عن السؤال..وتطبيب الحال..والإجابة كُليب..ابن البادية. نظار الآتى.. المتسربل بالحيات(ص 16). ما هم كُليب بعدو إلا ونال منه.. وما اطلق سهما على هدف وحاد عنه..همته تتعب حصانه.. وسيفه يسبق لسانه..يتحدى الصقر بحدة نظره..وسهامه أسرع من بصره .. مئة رجل في جسد رجل..رجل يملك في رأسه مئة عقل(ص20).كُليب ملك العرب.. العرب كما يريدهم هو..وكأنه إله سيخلق قبائلنا من جديد.. هذا يحدث.. وهذا لا.. هذا يُستبعد .. هذا يُقرب.. هذا كذا وهذا كذا
(ص 24). كُليب ياله من رجل! نحن من واد.. وهو من واد آخر . نحن أبناء اليوم..وهو ابن الغد.. نحن أبناء مضاربنا.. وهو ابن كل موطىء قدم هطت قدمه عليه(ص 29).
من مظاهر العصبية القبلية لكُليب قبل أن يصير ملكا :
– محاولته تغيير طبيعة العمل داخل القبيلة قسريا ، فهم أهل صيد وقنص وغزو وليس مزارعون كما أراد لهم كُليب . والصيد المقيد( كان كُليب يخرج للصيد في موعد محدد من العام، وباقى العام يحرم على نفسه الصيد، ودعاهم مرارا ليقتدوا به) لا يتوافق مع طبيعتهم وحياتهم ..فالصيد كما وصفه الحارث: متعة للفارس.. وستر للبيوت وحارس. وتعرف رفاق..ورياضة في الخلاء.
يقول الحارث عن عمل كُليب الجديد والذى أراده للقبيلتين: كان يخرج للمضارب.. يقيس الأرض ويحدد المسافات بين اليانبيع والآبار، كان يذهب إلى الشام مصطحبا بعض التراب في كيس.. وعندما يعود كان البِشر يكسو وجهه. شاب: لماذا؟ الحارث: بذات الكيس .. بذور غريبة زيجمع عُماله وعبيده ويقطع مساحات يزرعها بالبذور ويواليها .. ونحن نضحك في سريرتنا.. ونأنف مما يفعله..أنحن مزارعون؟! لا..قلنا فلتزرع وحدك يا وائل .. لك حصادك ..أما نحن فأهل قطعان وسيف.. وغزو واختبار فرسان.
– أما الحدث الرئيس الأول في العمل ، والذى وحد القبيلتين: زيارة رسول ملك التبع حسان اليمنى يطلب بلا حياء أو تقدير تجهيز “الجليلة” (بنت مرة سيد بنى بكر، وخطيبة كُليب وبنت عمه) ؛ لأن التبع طلبها عروس لنفسه ، ورغم أن من طلبها ملك، إلا أن العصبية القبلية في الماضى والحاضر وربما في المستقبل ، تقر أن ابن العم لا يسبقه أحد ولا يساويه أحد في طلب الزواج من القبيلة .
واتفقت قبيلة بكر وأبناء عمومتهم بنى تغلب على التآزر في مواجهة إهانة ملك التبع وقتله ؛ لأن هذا الطلب يشعرهم بأنهم انتقلوا من خانة الأحرار إلى خانة العبيد.. وبحيلة من تدبير كُليب وبمشاركة أبناء مرة يتم قتل التبع ملك اليمن.. يقول كُليب: التبع طريدتى.. وسأصطاده ؛ ليكون عبرة لمن بعده سياتى.وقتل التبع بسيف كُليب – من يقتل يملك العرش- في مبارزة فرسان..وفقد مرة أحد أبنائه.. وكان دم التبع وابن مرة البكرى تدشين لملك كُليب.
من مظاهر العصبية القبلية لكُليب بعد أن صار ملكا:
– إذا كان كُليب قد حاول قبل أن يتولى ملك العرب أن يغير من طبيعة عمل أبناء القبيلتين بمحاولات إقناعهم بالاقتداء به وتحويلهم من مجتمع رعوى إلى مجتمع زراعى ، فبعد أن صار ملكا عليهم ، فكر في تغيير نظامهم الاجتماعى( عاداتهم وتقاليدهم) أيضا نقرأ:
مرة: أقسم يا ابن أخى إن ما تنتهجه يرضينا ونبتغيه.. لكن منه ما لا نفهمه.وما يصطدم بقرون من عاداتنا ومعتقداتنا وتجاربنا.
جساس بن مرة: كما أننى أميل لما استقر من حياتنا ومعه تعايشنا.
كُليب: يجب توحيد فرساننا في جيش واحد..بإمرة واحدة.
جساس: ماذا؟ جيش واحد؟! بإمرة واحدة؟! لم نتعود هذا.. فلكل قبيلة فرسانها ومقاتلوها ، ونساند بعضنا البعض كقبائل عند الضرورة استجابة لروابط الأخوة والعمومة وروابط الدم ..أو المعاهدة.
كُليب: إن كان الأمر لىً.. فلا مناقشة ولا مداولة . – مرة: لك هذا يا كُليب.
– استئثاره بحيازة الحِمى وفى التاريخ العربى القديم والمعاصر كانت الحيازة للحِمى تعنى أن يضع السيد أو الحاكم يده على مرعى خصيب ويمنع الناس منه.. ووصل به الأمر حد أن يدخل في حماه السحب والمطر! وحمى كليب هي صورة من صور الاستبداد المطلق ، نقرأ هذا الحوار بين الحارث بن عباد(الراوى) وكُليب: الحارث: ياكُليب عليك بتطبيق هذا على نفسك ومن معك..ومن هم مثلى يحتاجون زقتا للتكيف مع هذا..فأعطنا بعض الوقت.- كُليب : (بتحد) إذنيا ابن عباد لا يدخل أحد حماى أو أراضى أو بساتينى من لم يوافق على كل ما أقول.- ابن عباد: (بتحد مقابل) لك هذا.. من حقك يا كُليب.- كليب: وأيضا ما يدخل في حماى من السحاب ومطره. – ابن عباد: حتى هذا؟!
– استئثاره كملك بحق الضيافة ، فلا يستضيف بكرى او تغلبى أحدا.. وعلى الكل أن يأخذ طعامه من مطابخ قصره ويقرى( يكرم) ضيفه من عنده . نقرأ ابن عباد: كان هذا امره.. تأخذ ضيفك لمضيفة كُليب ، وتستضيفكما معا.. والطعام يقدم في توقيتات محددة..إفطار- غداء – عشاء ولا سهر.
– منع حق الجوار(فلا ضيافة ولا جوار إلا لكُليب نائبا عن العرب ) وكان الجوار من أقدس العهود عند العرب قديما ، ويشمل كف الأذى ، وبذل المعروف ، والإحسان للجار..ورغما عن ذلك وافق على استضافة حساس بن مرة لخالته الباسوس(بواسطة من همام والزير سالم) شريطة ان لا تخرج الباسوس من حيهم، أو تغادر مضاربهم ولا تجوس في المضارب والمراعى .
– تغيير قواعد الزواج المتعارف عليها ، والذى كان متمسكا بها قبل توليه المُلك، حيث رفض زواج ابنا عمه مرة بأخته فاطمة ، وأخته الزهراء .. نقرأ هذا الحوار الكاشف:
جساس: حياتنا .. وما اعتدنا عليه !- كُليب: ما اعتدتم عليه؟ ألم أقل لكم مرارا إن ما اعتدتم عليه قد ولى زمانه.. نحن نبنى الآن والغد دون أحمال الأمس. – مرة: وهل في الزواج الأمس واليوم ياكُليب؟
– كُليب: بالطبع يامرة.. حتى الزواج فيه اليوم والأمس .
– مرة: بالأمس زوجتك ابنتى الجليلة.. وزوجنا اختك ضباع لهمام ابنى! فهو لوكان اليوم سيختلف الأمر؟! – كُليب: نعم.. نعم ياعماه . .. زواجى من الجليلة بالأمس هو زواج وائل بن ربيعة من الجليلةابنة عمه اما اليوم فهو زواج الملك كُليب من الجليلة ابنة مرة..كذلك زواج همام من ضباع بالأمس زواج من ابنة عمه أما اليوم فهو زواج من أخت الملك.
ومما سبق يتضح لنا أبرز سمات الطغاة متمثلة في كُليب، وأولها التكبر والتفرد بالرأى وأنه يرى نفسه فوق المساءلة.. وكما يشترك جميع الطغاة في الصفات الشخصية يشتركون أيضا فى النهايات .
يذكر د. خالد بن عبدالرحمن الجريسى في كتابه العصبية القبلية من المنظور الإسلامي أن من يتأمل الوضع الراهن للمجتمع اليمنى بشكل عام؛ يدرك أنه في الواقع قد ورث أنماطا اجتماعية من الحضارات اليمنية القديمة، ويجد أن السمات التي تُحدد بموجبها المراتب الاجتماعية في المجتمع القبلى اليمنى على وجه الخصوص والتمايز بين كل مرتبة(طبقة) اجتماعية وأخرى تعتمد على علاقات النسب والوراثة(المُنحدر الأصلى)، ولهذا النظام القبلى سمات وخصائص تميز بها ، ومن أهمها: النزعة نحو الاستقلال: ميل القبائل لمقاومة أي حكم مركزى، ورفضهم الخضوع له؛ وطنيا كان أم أجنبيا. الولاء المطلق للقبيلة وشيخها.الاحتكام للأعراف القبلية. ضرورة وجود شيخ”رئيس” للقبيلة.
وحسب الأعراف والعادات القبلية؛ فإن لمجتمع في قلب الجزيرة العربية” منطقة نجد” ينقسم إلى ثلاث فئات رئيسة وهى:القبيليون، الخضيريون، الموالى.
ويمكن القول: إن المسألة الأكثر ثباتا بين الفئات الاجتماعية ، المكونة للنظام الاجتماعى القبلى، والتي تُعد العقبة الكؤود في سبيل الانفتاح الاجتماعى ، والتلاقح الطبقى، هي: “مسألة الزواج” ؛ حيث إن الزواج بين المراتب المختلفة ما زال – حتى بين صفوف المتعلمين- ظاهرة قليلة الحدوث؛ لذلك فإن العلاقات الزوجية كما كانت في السابق محكومة بقواعد الزواج داخل المرتبة الواحدة .













