فصل من رواية “ربما إله.. ربما صعلوك”

ahmed selme

أحمد سِلمي

كانوا يطلقون عليها المدينة، كأن لا مدينة إلا هي، مثل عروس في قرية، يكفي أن تشير بالصفة دون الاسم، كي يعرف الجميع مقصدك. هكذا كانت دمياط الجديدة وما زالت، وفي صيف عام ٢٠٠٨ ميلاديا، انتقل صالح خطاب من قريته البسيطة للعيش فيها، رفقة أسرته الصغيرة، التي تضم إلى جانبه أباه وزوجة والده السيدة هالة.

حينها كان يجمع بين السذاجتين، سذاجة الطفولة، وسذاجة الريف، ولذا اعتقد أن أحشاء المدينة تشبه ظاهرها النظيف المبهر المريح الخلاب. فهنا، لا بد أن الناس، كل الناس لا يفوتون فرضا في المسجد، ولا يكذبون أو يسرقون أو يسبون أو ينافقون. وفي المدارس، بالتأكيد لا يحتاج التلاميذ لعصا، كي يلتزموا الأدب.. هنا البشر كاملون ومثاليون كمدينتهم!

في قريته تلك، كان صالح نموذجا للطفل الذي يفتخر به أبواه، مهذب للغاية، لا ينبس بلفظ تشوبه شبهة عيب، متفوق دراسيا، مهندم في لباسه وأديمه، وإجتماعي، يحبه الجميع ويحترمونه سواء الكبار أو الصغار، عُرف بخفة الظل، وسرعة البديهة، وعشق كرة القدم، فيوميا كان يقضي ساعات يلعبها في أجران البلدة، وقد كون فريقه الخاص من أصدقاء دفعته.

ذات صباح حار من صباحات شهر سبتمبر لسنة ٢٠٠٨ ميلاديا، بينما مدرسة مبارك السبعين، تستقبل العام الدراسي الجديد، بطابور مكتظ بالطلاب الناعسين الممتعضين، دخل صالح من البوابة المعدنية السوداء، يبحث عن موضع صفه، الصف الثاني الإعدادي، ولأنه أصبح رجلا رفض أن يصحبه والده. أرشده مدرس ما لمكان صفه، فمشى نحوه بثقته المألوفة، ولكن، ما أن اقترب، حتى تقلقل، وارتعشت خطاه، فأترابه، زملاؤه الجدد، التفتوا يتفرسون فيه.

أعينهم تشع استهانة وسخرية من القادم الكاريكاتيري، ربما كان صالح الملتزم الوحيد بالزي المدرسي الرسمي، البنطال القماش الكحلي، والقميص اللبني. إلا أنه بدلا من حقيبة الظهر التقليدية، حمل كيسا بلاستيكيا أزرق، حوى كتبه وكشاكيله وأقلامه، ذلك الكيس في قريته دليل على الكبارة، فعندما ينهون الإبتدائية، يستعيضون به عن حقائب الظهر في المراحل الدراسية التالية، ويبدو أن تلك الصيحة لم تصل المدينة بعد، ولن.

عقب الطابور، خوتل أن التلاميذ يصعدون الأدراج إلى فصولهم بهرج ومرج، وليس مثل مدرسته القروية، حيث يسيرون في صفوف تبان من تنظيمها كأنها عسكرية، فيما العصي تتدلى من قبضات المدرسين.

وحين دلف إلى الفصل، وجد زملاؤه وقد قعدوا كل اثنين في تخت، وارتفعت أصوات الأحاديث الجانبية تتخللها ضحكات أو مسبات بين الفين والفين. ثم، رأى تختا في منتصف صف الأولاد به طالب واحد، وموضع فارغ، توجه صوبه، فصده الجالس بفظاظة “محجوز”.

ولم يعد من مقعد خاو، غير ذلك الموجود في التخت الواقع نهاية الصف، جلس صالح إلى جوار صبي بدين نسبيا، رخو، وفي وجهه جزع مجهول الباعث، وهذا كان حازم المغازي، الذي استبشر بقعود الطالب الجديد جانبه، فلعله يحظى أخيرا بخليل.

استمات حازم في إغراء صالح بصداقته، يشركه في طعامه، ولا يشتري شيئا كحلوى أو عصير إلا ويأتي له بمثله، ويسر له ببلاهات يدعوها أسراره الشخصية الخاصة، مثل أنه يحب تلك الزميلة المليحة ذات العوينات السميكة، ويتمنى أن يتزوجها يوما ما، لكن، المشكلة أنها تلوح معجبة بشامل عصام، نظراتها المختلسة أوحت له بذلك، وحذره من شامل عصام، لا بد ألا تحتك به، إنه خطير، يماشي البلطجية والصيع، وكم أذى أناسا، أنت حديث العهد هنا، وآخر ما تريده هو أن تجعل شامل عصام خصمك!

ولم يستغرق الأمر طويلا، حتى أدرك صالح أنه وحازم لن يمسيا صاحبين أبدا، فالمغازي ما زالت اهتماماته تتمحور حول أسخف أفلام الكارتون، ويتعامل بإذعان ونعومة طفل في الصف الثاني الإبتدائي، ولا يلعب أو يتفرج على كرة القدم، والأهم، يبان أنه محل إزدراء وتجاهل الطلاب الآخرين، لا يرغب أن يقترن اسمه باسم حازم الرعديد المهتز، هو قوي ويشتهي أصدقاء أقوياء لهم مكانة، كالمكانة التي تمتع بها في قريته.

قضى صالح أسبوعه الأول صامتا، ساكنا، يستكشف محيطه الجديد، والأخرون كانوا يستكشفونه أيضا، باغته إنفلات الطلبة وجرأتهم، يتبجحون في المدرسين، ويفتعلون الصخب باستمرار، ولا يهابون أحدا حتى المدير، عكس ما عايشه في القرية من توقير المعلم وخشية غضبته، بإختصار، هنا، لا يوجد كبير!

ثم، أدرك أن أشباهه هم أولئك، الذين يتحلقون حول محمد خليفة، مرحون، شغوفون مثله بكرة القدم سواء ممارسة أو مشاهدة، وقليلو البذاءات إذا ما قورنوا بثلة شامل عصام التلفانة، التي تفوق بذاءتها وشغبها ما قد يستطيع تحمله، أما المتفوقون الغير مشغولين بشيء سوى الدراسة، فرآهم مملين لزجين لحد نفره منهم.

وعلى حين غرة، التفت له شامل عصام، بدأ يضايقه بتعليقات سمجة عن لهجته القروية، وأسلوب لباسه المبالغ في رسميته وانضباطه، وأخلاقه المفرطة في المثالية، ورغم نصائح حازم المغازي، لم يجبن صالح أو يداهن، بل لبث يرد الكلمة بكلمة، بيد أن كلماته كانت تثير قهقهات شامل ورفاقه، وتجعلهم يتمادون أزيد في الاستهزاء به، لأن ردود فعله تأتي بألفاظ مهذبة جدا، وإن تجلت فيها الندية. حينها، كان لسانه كما قلبه، أعذر!

وانفعالاته تلك، لسبب ما، استفزت شامل وعصبته أكثر، ربما لأنهم أحسوا أن فيها فوقية أخلاقية يتكلفها، فتفاقمت مضايقاتهم له، ليغدو فريسة لهوهم. وذات مرة، وهم يخرجون من المدرسة، عقب إنتهاء اليوم المدرسي، تكالبوا عليه، يصيحون فيما يقلدون لهجته الريفية بهزل، يشتمونه، ويقهقهون لأن عفة لسانه تمنعه عن رد الصاع، يهددونه، يتوعدونه، يدعسون كرامته، فعزت عليه نفسه، وغدرت به مآقيه، التي ترقرقت بالدموع، عندها، تدخل الأستاذ سيد المغازي، معلم الصيانة، ينهرهم، ويردعهم عنه، وقد أشفق على الولد، وهناك، في البعيد، كان حازم يتابع ما يجري، وهو يصرخ في باطنه “لا يا أبي، أرجوك لا تفعل” ولكن، والده فعل، وحدث أخشى ما يخشاه. تحولت دفة حفلة التنمر والسفالة نحو الأستاذ سيد المغازي، راح شامل وثلته، يقذفون عليه كل ما تلتقفه أيديهم من قمامة الأرض، أثناء ما يهتفون به “سيد شطافة، بلبله أصغر من عقب سيجارة..”

فوضع حازم سبابتيه في أذنيه، وركض بلا وجهة، فيما الدمع الحار ينهمر من عينيه. “سيد شطافة.. لماذا؟!” لطالما تساءل، ألأنه مدرس صيانة، أم بسبب أن قامته النحيلة المحنية تشبه الشطافة؟ كم يفتقد تلك الأيام التي سعد بها في وهم أن والده أقوى رجل في الكون، الأيام التي لم تدم طويلا.

في صغره، وكما أي طفل، كان يرى أباه، أكمل إنسان على وجه البسيطة، يعرف كل شيء، ولديه جواب على أيه علامة استفهام، ومن طلته كان يستمد الطمأنينة والأمان، وأشد ما تمناه أن يشاهده في الفصل، بين التلاميذ، كيف يشرح، كم يهابه الأولاد، وعديدا ما طلب منه أن يصطحبه معه إلى المدرسة، بيد أن الأستاذ سيد المغازي لطالما أبى ذلك، فالعمل عمل، ولن يستطيع التفرغ له، وربما يشتته، فيعيقه عن تأدية مهامه. فاعتبر حازم هذا نوعا من الجدية والصرامة والتفاني، وتزايد فضوله. ثم، في يوم ما، وهو يقترب من اتمام الست أعوام، استجد مشوار ضروري لأمه، ولظرف ما لن تقدر أن تاخذه رفقتها، فذهبت به إلى المدرسة، وتركته في حوزة زوجها، يتذكر ارتباك والده، وكيف أنه أجلسه في غرفة المدرسين، وقد حذره ألا يخرج منها تحت أي ذريعة، حتى ينهي حصته تلك. ولكن، فضول الطفل تغلب عليه، فانسل من الحجرة، ومضى يبحث بين الفصول عنه، بعد عشر دقائق وجده، كان يكتب شيئا على السبورة، فيما تنهال عليه من الخلف الصواريخ الورقية، ويصدو في أروقة الفصل بين الفين والآخر صوت مضخم لأحد الأولاد وهو يصيح “شطافة” فتتبعه ضحكات ملعلعة. منذ تلك اللحظة، شعر حازم أنه يسير في الدنيا عاري وواهن ومفضوح.

عمد صالح إلى والده، ترجاه أن يتركوا المدينة، ويقفلوا إلى قريتهم، لا يستطيع التأقلم هنا، الناس لا يشبهونه، ولا يشبههم، وحقا حاول أبوه أن يقف على حقيقة الموقف، ولكنه، لم يقدر على البوح، ماذا يقول، أيقول أنه مسخرة الأولاد في المدرسة ومزحتهم، وأن كل الأخلاقيات التي ربيتني عليها يا أبي، تجعلني أبدو كالمهرج المدعي! في الختام وعده والده أنه سينظر في الأمر بجدية عقب نهاية العام الدراسي، لا سيما وأن المشكلة مشكلة تأقلم فقط، لعل ذلك الوقت يكون كافيا لتتاقلم يا بني. ولم يكن صالح بقادر أن يتحمل المزيد، قرر أن يدع أخلاقه جانبا إلى حين، وليرد الصاع بمثله. وتلك المرة، بعد اليوم الدراسي، وبمجرد أن دنا منه شامل عصام، انفجر فيه، شخر، وصاح:

_ أحا.. ابتعد عني يا ابن القحبة.

ما أعده كان الشخرة تتبعها أحا، أما “ابتعد عني يا ابن القحبة” لا يدري كيف خرجت منه، إنه بركان الغضب المكتوم، وقد انفجر. لحظتها، تصور أن شامل الذي أهان أمه علانية، ورفاقه، سينقضون عليه، ويضربونه ضربا مبرحا، بيد أن شامل فاجأ الجميع عندما ربت على كتفه بتقدير وهو يقول:

_ رجل يا صالح.

في تلك الساعة، تلمظ صالح لذة لم يجربها من قبل، لذة شيطانية سيقضي أعوامه القادمة يعدو خلف سرابها. في تلك الساعة، مات القروي الساذج، ومن رماده نهض فتى الليل والشارع.

……………..

* صدرت الرواية عن دار روافد، عام ٢٠٢٦

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع