البهاء حسين
ستعطيك السماءُ ما تحلمُ به
حين تقف فى الجانب الآخر من الحزن
حين تفهمُ الحبّ فى شيخوخته
العلاقةَ بين حبيبينِ سابقين يلتقيان من جديد
الشعرةَ الفاصلة بين القدر والاختيار
حين تفهم الماضى
المحاكمَ والأرصفة التى كنتَ تنتظر عليها، فى الصباح الباكر
موعدَ بدء الجلسات
حين تفهم قاعةَ المحكمة
ساحةَ الحرب
حين تساومك زوجتك أمام القاضى على حبك لها
على ضناك
حين تفهم ماذا يعنى الرجوعُ إلى زوجةٍ خلعتْك من قبل
حين تفهمُ المدن
الحافلات وقضبانَ القطار
لا بأس
ليست هناك قضبانٌ تسيرُ عليها القطاراتُ لمرةٍ واحدة
فى العمر
لن تضيق بنا النوافذُ، إن نظرنا منها مرتين
:
العيش هنا
فى القاهرة
أشبه بحربٍ حقيقية، كتلك التى نراها على الشاشة
ليس من السهل أن ترى الأطفال قتلى
شظايا
بالونةً فرقعتْ للتوّ، ولا تكفّ بقاياها، رغم ذلك، عن الطيران
الطفل يفهم قلبه أكثر منا
شيخوخة المدن مشكلة عويصة
كالوحدة
ليس من السهل أن نفهم الوحدة
لكتها تجعلك تتقبّل الخسارة
على كل الجبهات
ليس من السهل أن تُخيّر الطفل بين أمه وأبيه
كيف يضحك الطفلُ بنصف فم ؟
،،
السماءُ، لكى تفهمها، لا بدّ أن تنظر إليها
كل يومٍ
لا بدّ أن تفهم الحربَ التى تدور رحاها فى قلبك
ليس من السهل أن تثق بسحابةٍ ثقتَك بما فى يدك
نحتاج إلى قلبٍ كبيرٍ، لنفعل ذلك
قلبِ طفلٍ يثق فى أمه
،،
فتش عن القلب
ابحث فيه عن أمك
ماذا لو خيّروك بين موتك وموتها
ابحث عن قلب الطير
القلب عشّ
والنيّةُ هى الشجرة
:
خمسة وعشرون عاماً
وأنا هنا
أصحو ، كل يوم، على أمل أن أجد مقعداً شاغراً فى الأتوبيس
أو مساحةً أقف فيها
الآن، وأنا مقبلٌ على الستين بوضوح
صارت كل أحلامى أن أصل إلى بيتى
ألا يغيّر الأتوبيسُ خطّ سيره
عوادمُ السياراتِ تملأ الشوارع
عوادم الناس تملأ قلبى
هنا فى المدينة العجوز يصحو معك كلّ شىء
الكبارى والشهوات
يستبدلُ الكمسارى اليافطة المعدنية، بجملةٍ فى ورقة
خلف الزجاج
تجعلك تنتظر كل يوم أربع ساعاتٍ كاملة
تضيع أيامك هنا فى الانتظار
وسط العوادم
يخصمُ الكمسارى ثلث حياتك بجرّة قلم
الناس هنا أشبهُ بالمطبات
لكن لا بأس
تَعرفُ المدنَ من مركباتها
من الركاب المحتقنين فى كل نَفَس
تعرف معدن المرأة من أرادفها
الشيخوخة ليست إجابةً عن شىء
الحبّ هو الإجابة
من السهل أن تحرك ساقيك فى الماء، وأنت قاعدٌ على الشاطىء
لكن لن تفهم النهر
الطريق إلى السماء كان لا بد أن يمرّ
من القاهرة
لكن ليس من الضرورىّ أبداً أن يموت الأطفالُ هكذا
بقنبلةٍ عنقودية، أو صاروخ ” توماهوك “
العالم يحتضرُ الأن، لأنه تخلى عن قلبه
مات العالم، أمس ، لم ينعه أحدٌ فى صفحة الوفيات
لا أحد يغطى جثته، أو يدفنه
لن تعرف، حين تبلغ الشيخوخة
إن كان من سوء الحظ أم لا، أنك جئتَ إلى هذا العالم
لكن من حسن حظى أننى عشتُ هنا
رأيتُ طرقاً كثيرة للموت
للعيش
للمصادفات التى تغير حياتك فى لحظة
ما الحياة
ما الموت
ما القاهرة
الطريق بين البيت والقبر قصيرٌ
إن لم تحسن الظنّ بالسماء
من يعلّمك المشىَ
أليست النجمةُ أمك
،،
العشبٌ أصيلٌ بطبعه
التراب
حتى الأسفلت
كل خطوةٍ تقطعها إلى قلبك تجعل السماءَ فى متناول اليد
نفهم المطرَ أثناء نزوله
جرّب أن تمد كفيك من الشرفة أو النافذة
وتغسل وجهك بالمطر
نفهم التراب حين يثور
وحين يهبط
الحرب قاسية، لا تسمعُ الآلام، ولا تُعيد الجنود أحياءً إلى أحضان أمهاتهم
لدى أقدامى ما ترويه عن الحرب
أفهم الموت، بطريقةٍ أو بأخرى
وأحياناً أعذره، كجندىّ يؤدى واجبه
لكنّ المأساة فى موت الأمهات
أنه يقطع الحبل السرىّ الذى يربط السماء
بالأرض
تسقط الارضُ من حالقٍ
تظلم، كلما انطفأت أمٌ
،،
القاهرة مدينة موقوتة
كزوجةٍ حمقاءَ تنقضُ غزلها آخر اليوم
تبت يداها
تباً للشاشة، للوحدة
لساحة الحرب التى نخوضها فى صمت
:
كيف لى أن أموتَ لو خُيّرتُ
وحدى على سريرى
هنا
أم شظايا على الشاشة
أموت ُكرجلٍ يجلسُ وسط أبنائه
وحين ينتهى من كلماته الأخيرة يلفظ الروحَ بسلامٍ
أو أنفجر مثل بالونة
ما الموت الذى أفضله
ما الشىء الذى تركتُ أمى ورائى
وجئتُ إلى هنا
من أجله
كانت القاهرة سمائى
روحى، لكنّ الطريقَ تعرجتْ فجأة تحت أقدامى
لم أصبح ما تمنيتُ، لكنى لستُ ساخطاً على الطريق
بالعكس
أنا سعيدّ، لأننى مشيتُ فى طرقٍ كثيرة هنا،
لأجسّ مستقبلى الذى أصبح الآن خلفى، مثل أمى
سعيد، لأننى ما زلت قادراً على المشى
هنا
وهنا أنظر للسماء
أعرف كل يوم طريقة جديدة للنجاة من الحياة
مرحباً يا قلبى
تحيةً من رجلٍ منكوبٍ، لكنه لم يفقد ماء وجهه
لم يفقد الأمل
مرحباً يا قلبى
أنا أعرفك، أسمعُ صوتك
أفهمك، يا عشّىَ الصغير، أفهم البراعم حين تشرع فى البكاء
المشكلة، أنك لا تعرفنى
القاهرةُ لا تعرف معزتها عندى، حبنا من طرفٍ واحد
لكنّ السّحابةَ تبادلنى الحب
:
وسط هذا الليل
مَن يفهمنى، إن صرختُ سوى النجوم
مَن يغطى قبرى، حين أموتُ
سوى سحابةٍ
من ينفجر باكياً فوقه
ويذرف الدموع.













