محمد سالم عبادة
استضاف قصر الفنون –داخل حرم المركز الثقافي القومي (دار الأوپرا المصرية)- الملتقى العاشر للخطّ العربيّ في الفترة من 18 إلى 28 ديسمبر 2025. والواقع أنّ الملتقى يمثِّل فرصةً للتأمُّل الجَماليّ لفنّ الحضارة العربية الإسلامية المقدَّس كما يصفه الفيلسوف الإيرانيُّ الأمريكيُّ سيّد حسين نصر (1933-)، ذلك الفنّ الذي اضطلع بدَور الجسر بين الوحي الإلهيّ ممثَّلًا في القرآن وعيون المؤمنين به، واقترن تطوُّره بالرغبة في أن يتجلَّى كلام الله لكلّ عينٍ في أبهى شكلٍ يستطيع إخراجَه جِماعُ الفكر والرُّوح واليد والعينين.
* الحاجّ سيّد عبد القادر (1921-2001) صاحبُ الدورة:
باسم هذا الفنّان العظيم الراحل سُمِّيَت هذه الدورة من الملتقى. والحقُّ أنّ لوحاته الإعجازيّة أبلغ من أن يُتحدَّث عنها. وحسبُنا أن نقف دقائق أمام لوحات المصحف الثماني التي أبدعها لندرك معاني الدأَب والصبر والإخلاص للمشروع، فضلًا عن حقيقة التراسُل بين الرُّوح واليد في إبداع الخطّاط العربيّ المسلم.
ففي هذه اللوحة التي نقش فيها من أوّل الآية الثامنة والأربعين من سورة آلِ عِمران “ويعلِّمُه الكتابَ والحِكمةَ والتَّوراةَ والإنجِيلَ” إلى نهاية سورة النساء، نراه قد شكَّل الكعبة بكتابة الآيات، وقريبًا من الكعبة شكَّل سورًا وبوّاباتٍ وعمود إنارةٍ، وحولها جميعًا شكَّل إطارًا دائريًّا تَخرج منه أشعّة ضوءٍ، فكأنّ الكعبة في قلب الشمس، ثمّ أحاط المنظر كلَّه بإطارٍ مستطيلٍ من الكتابة القرآنيّة هو الآخَر. هذا فضلًا عن تشكيلِه توقيعَه باسم شُهرته (زايد)، في الركن السفليّ الأيسر من اللوحة. وهو في ذلك معتمِدٌ على خطّ النسخ وحدَه؛ متحكِّمًا في تقارُب المسافات بين الحروف والكلمات وتباعُدها، العنصر المحوريّ في تشكيل ما تضمُّه اللوحة من أشكال. ولم يستعن بشيءٍ من خارج فنّ الخطّ الصافي إلّا تلوين أشرطة الكعبة وبعض أجزائها وقلوب أشعّة الشمس باللون الأصفر البرتقاليّ.
والناظر إلى اللوحة لا يسَعُه إلّا أن يُدرك أنّ الناظر في كتاب الله يرى من خلال كلماته الكعبة، فهو وإن لم يتحرَّ استقبالها أثناء القراءة متوجِّهٌ إليها بقلبه. أو لعلَّ القرآن كعبةٌ مقروءةٌ مكتوبةٌ يحملها المسلمون في صدورهم قبل أن يحملوها بين طيّات ملابسهم، فما إن يبتدؤوا في قراءة القرآن من المصاحف أو عن ظهر قلبٍ حتى تُنشَر الكعبة في وجوههم وصدورهم. وأمّا تشكيل الشمس فلا يخفى على أحَدٍ معناه المرتبط بإشعاع القرآن ونور التعلُّق بالكعبة. ولا يفوتنا أنّ تشكيل توقيع الخطّاط بكلمات القرآن يحمل معنَيَين جليلَين؛ فهو أوّلًا اعتزازٌ بهُويّته، فكأنّ كيانه كلَّه قائمٌ على القرآن مشكَّلٌ منه، ولولا القرآنُ ما كان؛ وهو ثانيًا إيماءٌ إلى التوسُّل بمحبَّة القرآن، فلسان حاله يقول: “ها أنا ذا قد أوقفتُ ما تستطيعه يداي وبصري وبصيرتي على خدمة كتابك يا ربّ، فانظر إليَّ نظرَ رحمة.”

* نماذج من الجَمال التقليديّ:
في هذه اللوحة البسيطة المبنيّة على خطّ الثلُث أساسًا، وظَّف الفنّان المصريّ محمد خضير الألِفات واللامات –عدا لام كلمة “جَمال”- أعمدةً يرتكز عليها تاجُ الوقار الذي شكَّله بالزخارف النباتيّة الملوَّنة بالأحمر والأخضر على خلفيّتين متداخلتين من الأصفر والأزرق. ومؤدَّى هذا التوظيف أن يُلقي في رُوع المتأمِّل أنّ استقامة الألِفات الثلاث واللام تعبيرٌ عن الاستقامة التي هي لُبُّ الوقار، وأنّها هي التي تجعل المرء جديرًا بتاج الوقار.

أمّا لوحة “يا رسول الله يا غايتي يا أمني يا نذيري يا بشيري يا نوري يا مددي يا إمامي يا قدوتي يا شفيعي يا محمَّد” للفنّان صلاح عبد الخالق، فهي منفَّذةٌ بالخطّ الكوفيّ. ولعلَّ أبرز ملامحه حِدَّة زوايا حروفه (كما نراها في الياء من ياءات النِّداء هنا، وفي الدّالات والذّالات) وصرامته الهندسيّة. وهو خطٌّ عربيٌّ قديمٌ، يُقال إنّه قد تطوَّر عن الكتابة النبَطيّة القديمة، ولذا يَسهل أن نتصوَّره من دون النقط، إذ هو سابقٌ على إضافة النقط إلى الكتابة العربية.

وقد تجاوب الفنّانُ وهذه الرُّوحَ الصارمة في الخطّ، فأكّدها واستغلَّها، جاعلًا ياءات النسَب المعقوفة أو المعقوصة أشبه بخطٍّ يفصل بين كلّ زوجَين من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلَّم. هكذا يدعونا من خلال هذه الياءات/ الخطوط الفاصلة إلى تأمُّل كلّ صفةٍ على حدةٍ والتوقُّف أمامها قليلًا قبل الانتقال إلى تاليتها، فنجد أنفسنا نتأمّل معنى “يا غايتي” قبل أن نتركها إلى “يا أمني”، وهكذا. كما أخذ النُّقط التي تحلّي ياءات النداء وياءات النسَب، وصفَّ كلَّ زوجين منها فوق النهاية اليمنى لإحدى الياءات المعقوصة وتحتها بلونٍ طُوبيٍّ يخالف الأسوَد المهيمِن على الكتابة هنا، ويتّفق مع لون لفظ الجلالة فحَسب. ولعلّ هذا الاتّفاق اللونيَّ يلفتنا إلى أنّ كلَّ نداءٍ من هذه النداءات للنبيّ إنْ هو إلّا بأمر الله.

أمّا في هذه اللوحة التي أنجزها باسم علي ياسين بمدرسة خضير البورسعيدي ببيت السحيمي، فنجد الفنّان قد أطَّر لوحته من أسفل ومن الجانبين بعمودين مجدولين ينتهيان في الأعلى بعَقدٍ نصف دائريٍّ محلَّىً بزخارف نباتيّة. وقد اقتصد في تلوينه أيَّما اقتصادٍ، مُضفيًا عليه مظهر الجلال وسَمتَ المُرابَطة العسكريّة، ذلك السَّمت الذي لن نلبث أن نكتشف تجاوُبَه ومَتن اللوحة. فأمّا المتن فمكوَّنٌ من نصفين. النصف العلويّ دائرةٌ مشكَّلةٌ بالخطّ الديوانيّ من البسملة والآية الأولى من سورة الإسراء، وفي قلب الدائرة نهايةُ الآية المكوَّنة من اسمَين من أسماء الله الحسني “السَّميعُ البَصيرُ”. والنصف السفليُّ هو الحديث الشريف الذي رواه أبو أُمامة رضي الله عنه مرفوعًا، والذي نصُّه: “لا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتي على الحَقِّ ظاهِرِين..”، مكتوبًا بخطّ النَّسخ. وقد انتظمَ الحديث في مستطيلٍ محلَّىً في أضلاعه الأربعة بزخارف نباتيّةٍ خضراء، اقتصد فيها الفنّانُ هي الأخرى، لكنّه انتزع أركان المستطيل الأربعة فجعلها دوائر سوداء محلّاةً بزخارف نباتيّةٍ ذهبيّةٍ، وفي كلٍّ منها اسمٌ من أسماء القُدس الشَّريف التاريخيّة (يَبُوس – القدس – أورسالم – إيليّاء)، مكتوبًا بالخطّ الكوفيّ الجليل. والمحصِّلة أنّ لِلَّوحة ذلك المظهر الحربيَّ الرَّهيب، فاختيارُ الحديث يبشِّر المقاوَمة الفلسطينيّة بمبارَكة النبيّ صلوات الله وسلامه عليه، والأركان الأربعة كأنّها أركان القدس على الأرض وقد أعلنَت عروبتها بلا موارَبةٍ، والآيةُ المنقوشة بالديوانيّ ترفرف فوق المدينة كأنّها عينٌ من الله تحرسها وتؤكِّد تشريفها، وقلبُ الآية يعِد المُرابطِين بمعيّة الله المُطّلع على جهادهم (السميع البصير)، ويتوعّد الباغين كذلك.

أمّا في لوحة “واهجُرهُم هَجرًا جَميلًا” –النصف الثاني من الآية العاشرة من سورة المُزَّمِّل- للفنان خالد محمد عبد العليم، تلك المنفَّذة بخطّ الثُّلُث، فإنّ الفنّان يترك المعنى يراوغ النقش ويراودُه، فيَجعل هاء “واهجُر” هي نفسَها هاء ضمير الغائبين “هُم”، معتمدًا على إكراهٍ فَنِّيٍّ لمتلقّي اللوحة، يجعله يُعمل الضمَّة الموضوعة على الهاء في نُطقها الثاني “هُم” فحَسب. ثمّ إنّه يعود فيَجعل نقش الجذر اللغويّ المتّصل الحروف (هجر) يرتبطُ بالألِف ليكوِّن المفعول المُطلَق “هَجرًا”. وبعد أن يستنفد غرضه من فعل الأمر ومفعوله المُطلَق، ينتقل بنا إلى كلمة “جَميلًا”، صريحةً بريئةً من التشابُكات التي رأيناها في ما قبلها. وقد نرى أنّ هذه التشابُكات تُفيد معنىً بالِغ اللُّطف أراده القائلُ جلَّ وعلا، وفهمه الفنّانُ من وصف الهَجر هنا بالجَمال. وآيةُ ذلك أنّ الاقتصاد في نقش حُروف “واهجُرهُم هجرًا” يفيدُ –على نحوٍ ما- اقتصادًا في الهَجر، فهو هجرٌ وليس عَداءً، وهو هجرٌ مشروطٌ بإصرار المُعاندِين على قَول ما يقولون، وهو هجرٌ لا ينفي حُسن المعامَلة والجِوار وأداء حقّ ذوي القُربَى، ولذا علَّق الفنّانُ هذه الضمَّة لنُعمِلَها ونحن ننطق “هُم”، كأنّه يَلفتنا إلى أنّ حنان النبيّ وحرصه على هداية الناس يجعله يضمُّهم إليه بحُسن أقواله وأفعاله، حتى وهو في حال هَجرِهم! وما أحسَب أنّ معنى الجَمال قد يتحقّق في هَجرٍ ليست هذه شروطَه ومُلابساتِه، على نحوِ ما أومأ إليها تشكيلُ هذه اللوحة.
* بصائرُ غيرُ تقليديّة:

في هذه اللوحات الثلاث للفنانة البولندية إيزابيلّا أخمن Izabela Uchman يتعانق التصوير والخطّ العربيّ، فتقوم اللوحات على صورة شجرةٍ، يظهر النصف الأيمن من جذعها الرماديّ في اللوحتين الأولَيين، وعند التقائها بالأرض قد نُقشَت بالخطّ الكوفيّ كلمات (وئام – هيام – سلام) على الترتيب باللون الأسود. وقد جعلَت الفنّانة الألِف في الكلمتين الأولَيين ملتصقةً بجذع الشجرة كأنّها جزءٌ منها، حتى إذا وصلنا إلى (سلام) وجدنا اللام والألف قد حلّتا محلَّ الجذع تمامًا. كما رسمَت الفنّانة في اللوحات الثلاث رجُلًا وامرأةً، فالمرأة تلبس فستانًا لونُه من لون أغصان الشجرة وورقها، والرجُل يلبس إزارًا مصريًّا قديمًا أبيض، فيما جسده بأكمله ملوَّنٌ بالأسوَد، متماهٍ مع لون الكلمات الثلاث. وفي (وئام) يجلس الرجُل والمرأة على جانبَي الشجرة رافعَين أعيُنهما وأكفَّهما إلى السماء كأنّهما يبتهلان إلى الله، ثمّ ينظر كلٌّ منهما في عينَي الآخَر في (هيام)، ثمّ يقفان ويمدّان أيديهما لتتشابك أصابعهما مع الشجرة في (سلام).
وقد صُفَّت اللوحات الثلاث جنبًا إلى جنبٍ، بحيث تكوِّن معًا لوحةً ثلاثيّةً triptych. والواقع أنّ تجاوُب سَواد الرجُل مع سَواد الكلمات الثلاث، في مقابل تجاوُب ألوان فستان المرأة مع ألوان الشجرة، يوحي بأنّ المرأة قريبةٌ من الطبيعة والرجُل قريبٌ من الكتابة. ولعلَّ تدرُّج علاقة الكلمة بالشجرة -من حُلول ألِفٍ محلَّ نصف جذعها إلى حلول اللام والألف محلَّ الجذع تمامًا في (سلام)- قد يوحي بأنّ الغاية النهائيّة من الوجود البشريّ الذي بمقتضاه وُجِدَت الكتابةُ هي تحقيق سلامٍ كاملٍ بين الطبيعة والكتابة، أو بين حال الموجوداتِ كما فطرها الخالق وحال الإنسان صاحب الكتابة بصفته الموجود الأرقى والأعقل على الأرض. ويعضِّد هذا الإيحاءَ ما يصِل إليه الرجُل والمرأة في لوحة (سلام) من انخراطٍ في حياة الشجرة وتشابُكٍ حميمٍ معها.
وتأتي لوحةُ (طَس) للفنّانة الإيطاليّة أنتونِلّا ليوني Antonella Leoni بمثابة كشفٍ تشكيليٍّ قرآنيٍّ حقًّا، فعلى خلفيّةٍ من درجةٍ فاتحةٍ من البُنّيّ، مع بقعٍ لونيّةٍ ذهبيّةٍ وبُنّيّةٍ داكنةٍ، نُقشَت بالأبيَض بخطٍّ مبتكَرٍ الآيةُ الأولى من سورة النَّمل “طَس”، نصيبُ السورة من الحروف المقطَّعة، بحيث احتلَّت الطاء الرُّكن الأيمن السفليَّ، وتهادَت السِّين من الركن العلويِّ الأيمن إلى السفليِّ الأيسر على نحوٍ يتجاوبُ ومَدَّها اللازم الحَرفيَّ المخفَّف سِتَّ حركات! ثمّ أطّرَت الفنّانةُ الحَرفين بنُقَطٍ سوداء كأنّها سِربٌ من النمل. وعلى يَسار شَرطة السِّين الطويلة المتهادية كتبَت الآية الثامنة عشرة من سورة النَّمل “حتَّى إذا أتَوا على وادِ النَّملِ…”. وأخيرًا، انتثرَت في أرجاء اللوحة أزواجٌ متماثلةٌ متلاصقةٌ من (طَس)، مكتوبةٌ بتصرُّفٍ طفيفٍ في السِّين، بحيث يبدو كلُّ زوجٍ انعكاسًا لزَوجه، وبحيث تتعانق نهايتا السِّينَين، والمحصِّلة هي أنّ كلَّ زوجَين من (طَس) قد أكملا معًا شكلَ نملةٍ منقوشةٍ بلَونٍ بين النبيذيّ والطُّوبيّ! لقد اكتشفت الفنّانةُ هذا الإمكان في مُفتتح السورة، فأدركنا معها أنّ السورة الوحيدة التي ذُكِر فيها النمل في القرآن قد افتُتحَت بحرفين لهما هذه القدرة الفريدة على تشكيلٍ تجريديٍّ للنَّملة.

ولا تنتهي ممكناتُ الخطّ العربيّ، ولا سقفَ لفُتوحاتِه. وما زال هناك الكثير من الأبصار والبصائر القادرة على استجلاء مكنوناتِه واستكناه ذخائره.
















