سيرة النمش كما رواها وحيد الطويلة

وحيد الطويلة

السعيد عبد الغني

“ولم يعد أحد يأتي على سيرة النمش” النمش، تلك النقاط الصغيرة التي تُنثر على الجلود كرمل مُقنَّع؛ خريطة فريدة ترسمها الطبيعة على أجسادنا.

النمش هو لقاء الإنسان والطبيعة في مكان لا يُرى، بصمة الشمس على الجلد، وإشارة صامتة إلى اتصالنا بالأرض. إنها ليست مجرد بقع، بل اعتراف بهوية معقدة مليئة بالتناقضات. لكنها تمثل حبكة رواية “سنوات النمش”؛ حيث يحمل شاب نمشا يعد ذنبا في نظرة المجتمع لِأنوثته.

لا أريد كتابة مراجعة رسمية أحلل فيها القصة وغيرها؛ لأن اللغة في الرواية لها أهمية كبرى، ولا يمكن نقل جمالها بالحديث عنها، بل بقراءتها فقط. كما أن القصة يصعب نقلها في جمل بسيطة.

هناك أناس أرق من الحياة، كما قال نور الشريف. قابلت بعضهم في حياتي وخجلت تماماً في التعامل معهم على غير العادة، لكنني لم أقابل كاتباً ينتج عدداً لانهائياً من هذه الشخصيات – وهو واحد منهم – كوحيد الطويلة؛ مثل شخصية العمة.

لم أقابل كاتبا يصنع من النمش رواية، ويجعل الحبكة رقيقة أيضا. نمش على جسد تتفرع من نقاطه شخصيات وقرية كاملة؛ حبكة تُنسج من شيء صغير، تشبه الذرة الأولى التي انقسمت وانتشرت.

ورغم محاولات العقل لتفسير الأمر بأنه “أبو البنات”، كعادة تقليب الأفكار جميعها، إلا أنه شيء أعمق من الانحياز الداخلي؛ ليس لقضايا النساء فحسب، بل لجماليات النساء.

هناك إسقاط مباشر دائماً من العقل على الشخصية، يُعد من أساسيات بنائها ووجودها. حتى فكرة النمش جعلتني أستعيد لقاءاتي به للبحث في وجهه عن نمشٍ ما، لكني لم أجد.

وجغرافيا القرية، وصعوبة الوصول إليها في الشتاء، جعلني – في طريقي للبيت ورؤيتي لقرية غائرة لا تُبلَغ إلا عن طريق مشي طويل على سكة ترابية – أتخيل أنها هي.

لقد عبّر عن أشياء شديدة الخصوصية ألمسها في الواقع القروي، كما يتضح في عبارة: “يسيل لعابهم على البط والديوك الرومي والسمن البلدي..”. فهناك عائلة في كل قرية أعرفها، معروفة بحبها للحم بشكل متكرر، ويُضرب بها نفس المثل الشعبي: “ياكلوا اللحمة نيّة”.

الشخصيات موضوعة في وعاء حنون، ومليء بالقشطة والعسل والشطة والبدائية.

وكما أن لكل جريمة ذيلا يسقط من الحبكة، فالروايات كذلك. لكنها عوالم كاملة، مختلفة وغرائبية، تسير في مسار شخصي يخصه وحده. والأهم أن ذلك يتم بلغة ليست لأحد غيره، دون أن يتقاطع أي أسلوب معروف مع أسلوبه. الأمر يشبه الطبخ و”النَّفَس” فيه، لكنه يأتي بمواد جديدة دائما؛ فالسر يكمن في الخلطة والإضافات الصغيرة لحبة البركة والقرنفل والحب الساحر، وليس في أي مواد صناعية.

هذا يعيد لي الإيمان بأن الأماكن تحمل غرائبيتها وعجائبها دائما مهما كانت فقيرة، ولكن الأمر يحتاج إلى روائي غني.

أنتظر أن يحكي عن مدينة بهذه الطريقة العجائبية؛ لأنه دائما ما يحكي عن قرى، قرى خارج المكان وداخله.

شجعتني قراءته على كتابة قصص كثيرة عما أعرفه ورأيته في القرى الكثيرة من حولي وعوالمها.

يمكن تأويل الرواية على عدة مستويات:

الرجولة والأنوثة: وفكرة الوحدة في الإنسان كما يقول ابن عربي: “كنتُ بعلي وعرسي”. فكرة الـ “هو” التي يجب أن تخلو من أي محتويات للـ “هي”؛ محتويات الأنثى التي يُنظر إليها على أنها ضعف، أو في أجلّ صورها جمال يستحق التعاطف والحب، وليس صفة بشرية لها قوتها.

التعبير عن الأفكار: وهو ليس بالأفكار المباشرة، بل بحرفية لا تأتي بالتعلم التلقيني فقط، بل بأن تُفرز الحكاية بطبيعتها الصراعات الأساسية في كل مكان، مثل السلطة والجريمة وغيرها.

نشأة الأشياء: تعلُّم كيف تنشأ الأشياء الكبيرة من أشياء صغيرة جدا قد لا تُرى، وقد تنتهي بالشمس. حياتنا دائما بسيطة، تنشأ من ذرة أو عقدة لخيطين صغيرين.

العلاقة بالطبيعة: علاقة مباشرة مع العالم الكائن دائماً: الشمس والأرض والطين والمطر… إنها رواية بيئية، حيث “الأهم ألا يخرج في الشمس وإلا سيزداد النمش”. ليس لي علاقة مباشرة بالشمس بهذه الدرجة، لكن من حولي ليس لهم علاقة بالشمس على الإطلاق. ربما سأهتم – بسبب الرواية – بما هو طبيعي وحي وموجود دائما وأبدا. لا أعرف لماذا نلجأ إلى التجريد في النهاية للغرق في الطبيعة والبحث عنها!

الصوفية الجمالية: صوفية وحيد الطويلة ليست صوفية دينية، بل صوفية جمالية. الأمر مختلف في التعبير عما هو جمالي وليس بالضرورة ما هو ديني. وتلك الصوفية تنشأ من الحياة والحب، وليس من أي تعاليم.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع