في مئوية إنغبورغ باخمان.. أيام أصعب قادمة

إنغبورغ باخمان

بولص آدم

  من قصيدتها “الزمن المؤجَّل”:

“أيام أصعب قادمة. الزمن الذي أُرجئ

يبدو الآن على الأفق…”

  بهذا الاستهلال الذي يكاد يبدو نبوئيًا، تضع إنغبورغ باخمان الزمن في حالة توتر دائم، زمن مؤجل يتقدم نحونا ببطء مثقل، ويزرع في الوعي الإنساني شعورًا بالعجلة والرهبة معًا. هذا الإحساس العميق بالهشاشة والانتظار يشكّل أحد المفاتيح الأساسية لقراءة عالمها، حيث يتقاطع الشعر مع القلق الوجودي، وتتحول اللغة إلى مساحة بحث عن معنى قادر على الصمود.

يُشكّل عام 2026 محطة ثقافية استثنائية مع حلول مئوية ميلاد الشاعرة والكاتبة النمساوية إنغبورغ باخمان، المولودة في كلاغنفورت في 25 يونيو 1926، والمتوفاة في روما في 17 أكتوبر 1973. في هذه المناسبة، تعود باخمان بوصفها تجربة إنسانية وفكرية لا تزال حية، تتقاطع مع أسئلة الحاضر بحدة وعمق. وتحمل اسمها واحدة من أبرز الجوائز الأدبية في الفضاء الألماني، جائزة إنغبورغ باخمان، التي تُمنح للأصوات الجديدة وتُكرّس روح التجديد والجرأة في الكتابة.

نشأت في بيئة عائلية متواضعة، كبرى بين ثلاثة أطفال، وقضت جزءًا مهمًا من طفولتها في وادي غيل حيث عمل والدها مدرسًا. منذ وقت مبكر، تشكّل وعيها في ظل تناقضات أوروبا الخارجة من الحرب، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في نظرتها إلى التاريخ والعنف واللغة. درست الفلسفة والدراسات الألمانية في إنسبروك وغراتس وفيينا، ونالت درجة الدكتوراه، لتبدأ صياغة مشروع أدبي يقوم على مساءلة اللغة بوصفها أداة معرفة وأفقًا أخلاقيًا.

كتبت باخمان الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح الإذاعي، ونجحت في أن تخلق لغة خاصة، شفافة وقاسية في الوقت نفسه، تقترب من الشعر حتى في أكثر نصوصها السردية كثافة. من أعمالها التي شكّلت علامات فارقة: “مالينا”، “أوندينه ترحل”، “العام الثلاثون”، “الزمن المؤجَّل”، “الإله الطيب لمانهاتن”. في هذه النصوص، يتحول الحب إلى سؤال وجودي، وتصبح الهوية بناءً هشًا، ويغدو الواقع نفسه مادة للشك والتفكيك. “الحقيقة محتملة للبشرية.” تعبّر هذه العبارة عن وعي حاد بطبيعة الإنسان وحدود قدرته على مواجهة الواقع. “لو كانت لدينا الكلمة، لو كانت لدينا اللغة، لما احتجنا إلى الأسلحة.” تكشف هذه الجملة عن إيمان عميق بأن اللغة يمكن أن تكون أداة للفهم والتغيير، وأن الكلمة تمتلك قدرة أخلاقية على مواجهة العنف.

تنقّلت بين فيينا وميونيخ وبرلين ونابولي وزيورخ، قبل أن تستقر في روما. هذا الترحال منح كتابتها أفقًا واسعًا، وجعل من الإحساس بالغربة عنصرًا بنيويًا في نصوصها. “لو لم أغمر نفسي في الكتب… لكنت كيانًا معدومًا، مجموعة أحداث غير مفهومة.” تكشف هذه العبارة عن العلاقة العضوية بين الكتابة والوجود، حيث تصبح القراءة والكتابة وسيلة لبناء الذات في عالم متشظٍ.

حصلت على جوائز أدبية كبرى، منها جائزة جورج بوشنر، ورُشحت لجائزة نوبل، ما رسّخ حضورها في قلب المشهد الأدبي الأوروبي. في مدينتها كلاغنفورت، يتحول الاحتفاء بها في عامها المئوي إلى تظاهرة ثقافية واسعة، تشمل فتح منزلها أمام الجمهور وتنظيم فعاليات أدبية وفنية تستعيد أعمالها وتعيد قراءتها.

شبكة علاقاتها الفكرية والأدبية تكشف عن موقعها في قلب الحداثة الأوروبية. تأثرت بروبرت موزيل الذي رأى العالم كأزمة أخلاقية ولغوية، وهو أثر واضح في حساسيتها النقدية. علاقتها مع بول تسيلان حملت عمقًا شعريًا وإنسانيًا، حيث التقت تجربتان مثقلتان بذاكرة الحرب، وتحول التواصل بينهما إلى مساحة للتأمل في اللغة وإمكانية التعبير بعد الكارثة. علاقتها مع ماكس فريش مثّلت تجربة معقدة انعكست في نصوصها، حيث يظهر التوتر بين الحب والسلطة، وبين الذات ومحاولات تعريفها من الخارج، كما يتجلى في “مالينا”.

الاهتمام الإعلامي بحياتها الشخصية، وما أُثير حول علاقاتها، ساهم في تكوين صورة اختزالية ركزت على الجانب الدرامي من حياتها. قراءة أعمالها تكشف أفقًا أوسع بكثير، حيث تتبلور رؤية نقدية عميقة للعالم وللبنى الاجتماعية واللغوية التي تحكمه. “أنا أؤمن بشيء، وأسميه: سيأتي يوم.” يظهر في هذا القول شكل من الإيمان المرتبط بالكتابة نفسها، إيمان هش ومتوتر، يمنح نصوصها طاقتها الخاصة.

حين رحلت في روما إثر حريق، تحوّل المشهد الأخير إلى لحظة مشبعة بدلالات عميقة. يتقاطع الجسد مع الأسئلة التي ظلّت كتابتها تدور حولها، وتظهر الهوة بين اللغة والعالم بوضوح قاسٍ. ما يمنح هذه الحادثة قوتها الرمزية أنها تضعنا أمام التوتر ذاته الذي عاشت فيه باخمان: بين الكلمة والنار، بين الرغبة في أن تكون اللغة بديلًا عن العنف، وبين إدراك أن العالم قد يدفع دائمًا نحو الاحتراق. في هذا التوتر الحاد، تستمر كتابتها كأثر مفتوح، كسؤال مشتعلاً في ذاكرة الأدب والإنسان.

في عامها المئوي، تعود باخمان لتطرح سؤالها من جديد: “تحدث عبر الحدود، حتى لو كانت الحدود تمر داخل كل كلمة.” هذا النداء يمنح اللغة دورها كمساحة عبور وفهم، ويضع الأدب في قلب التجربة الإنسانية. في عالم تتزايد فيه الأزمات والتوترات، تبدو كتابتها دعوة إلى التفكير، وإلى إعادة اكتشاف قوة الكلمة، وإلى الإيمان بأن الأدب يمكن أن يفتح أفقًا لمعنى أكثر إنسانية.

بولص آدم

67 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع