محمد علي عبد الهادي
في كتابه الشهير “مورفولوجيا الحكاية” أشار فلاديمير بروب إلى أن “الحياة الحقيقية الواقعية تخلق كائنات جديدة متعددة الألوان، تحل محل الشخصيات المتخيلة” مقدِّمًا واحدة من أهم قضايا النظريات الأدبيّة المثيرة للجدل، وهي العلاقة بين الحياة والأدب، وبين الواقع والخيال، وهي في النهاية إشكالية تمثل إعادة تضفير بين مادتين للكشف عن الجوانب الخفية للأشياء..
على هذا النحو تسير شخصيات رواية “فوق رأسي سحابة” الصادرة عن دار العين للروائية دعاء إبراهيم، والتي خلطت بين ما هو مُعاش وما هو مُتخيل، لتقبض بإرادة حاسمة على التدرج المتعارف عليه للبواعث، التي تنقل المرء من حالٍ إلى حال، لتعطينا رحابة في التأويل، ومن ثم فما تم سرده كان يمثل المكنون الداخلي لتعقيدات النفس البشرية.
هذا هو الإطار الإجتماعي – الثقافي الذي تندرج فيه الرواية، والتي تقف بين أبرز روايات الكاتبة، وينجم عن تقاطعها وضوح بصيرة كبيرة، ففي هذا السياق، نجد فتاة ممزقة بين أم تبحث عن أنوثتها في عيون الرجال، وأب هاجر للبعيد، حيث بلاد الشمس المشرقة، تاركا طفلته فريسة للوحدة والخوف وتحرش الخال، تقول الساردة في لحظة وجع: ” في البحر هناك شيء يعجب الرجال، الماء الذي بللني وأنا ابنة الثانية عشرة، جعل خالي يلتصق بي .. الموج هو الذي دفعه نحوي، هو الذي ألصق جسدة بصدري، وحرك يديه نحو ثقب بين ساقي، يشد إليه أصابعه الغليظة الجائعة”.
الأب أيضا، يبرز عبر غيابه في المراحل الأولى، ثم يكتمل مفهوم الغياب بعد ذلك بحضور بائس، مهد لوصول الساردة إلى أقصى المناطق المظلمة في روحها، لدرجة أنها أحالتنا لأقدم علاقة بين الإنسان والحيوان، فصار الغراب قائدًا، بعد أن كان شاهدا على جريمة القتل الأولى، وكأنها أرادت أن تجعل من ذلك الطائر الأسود، الفاصل السردي بين الصمت والكلام، أو بين العجز والفعل، وهو الفاصل الذي تصبح فيه كل التحولات ممكنة.
من جهة أخرى كان الزمن مزدوجًا ازدواجًا معبرًا، مرة لاستعادة تجارب الطفولة وقسوتها، ومرة أخرى من أجل تلمسٍ مضطرب لبصيص نور، هذا البصيص، أعتقدت الساردة أنه لن يأتي إلا بعد اختفاء الشهود وأصحاب الحدث الأساسيين، فأودى بها لنسيان المعنى التعريفي لكل ما هو إنساني، دافعا إيَّانا إلى لعبة التساؤل، هل أرادت الكاتبة إعادة تعريف الجريمة ودوافعها؟
نحن إذن أمام عمل مكتوب بوعي، كل حدث فيه دال على واقع معقد، حتى السحابة الحاضرة في عنوان الرواية، تتجلى باعتبارها محض إشارة سوداء، إذ أننا لا نقابل كلمة سحابة في الرواية إلا من خلال جملة أو جملتين، وكأن السحابة استعارة تومئ إلى ما تصوره الرواية بأكملها، غراب يصرخ، ووجع ضاغط، وأنقاض في النفس تحدث جرحا غائرًا، فكان اسم الرواية وحده كافيا، ليُظهر عدم الثبات والتقلُّب الذي يميز روح الساردة وعالمها.
لهذا كله كانت المسيرة فارقة، مسيرة فتاة تبحث عن نفسها فانتهى بها الأمر كقاتلة، وهي تخوض رحلة وجودية في أنقاض الذاكرة، بحثا عن وجه، أو نظرة، أو كلمة علقت، تقبض فيها الساردة على دلالتها، بعد أن حركتها نوابض خفيَّة، وشخوصا سابحين في ضبابية تاريخية، وكأننا أمام كيانين مستقلين تمامًا، كالحياة والخيال، تتوالد بينهما عوالم أخرى لا حصر لها، تعكس وجود مناطق سريَّة، أكثر بكثير مما تعكسه المظاهر، ليتأكد لنا أهمية الحوار الداخلي وخطورته.
وأخيرًا، تأتينا كتابة دعاء، وكأنها نص إحتجاجي، يربط الواقع بالحياة، والألم بالأمل، لذا لم يكن مهما موطن الحكايات ونوعيتها، ولا حتى موطن الشخوص، بل الأهم الأجواء التي انغمست فيها الروح، والتي شكلت ذلك التشويش الكبير، لتظل الحبكة أحد مصادر قوة الرواية، وشاهدة على براعة كاتبتها.















