“العلبة – يحيى الذي رأى”.. رواية تثبت عقارب الزمن على آثار الحرب

shaden diab

محمد الكفراوي            

بالرغم من أن هذه الرواية لا تشتمل على حرب حقيقية، لكن رائحة الحرب تفوح من كل جوانبها، فهي كامنة هناك في خلفية المشهد، تشير إلى معسكرات اللاجئين في المجتمعات الغربية، ومجتمعات المقهورين والمنفيين بطريقة لا تخلو من صدق يتسلل إلى الأحداث عبر مشاعر إنسانية مكثفة تكمن وراء تفاصيل الحكاية التي يقوم  ببطولتها مصور.  

في روايتها “العلبة – يحيى الذي رأى” الصادرة مؤخرا عن دار روافد، تتبع الكاتبة الروائية شادن دياب تلك اللحظة التي تنطلق منها الذاكرة الإنسانية بحثاً عن هوية ما أو الإمساك بلحظة بعينها في خضم هذه السيولة التي يمور بها الزمن. من يستطيع أن يمسك باللحظة سوى الكاميرا الفوتوغرافية، إنها تلتقط اللحظة وتثبتها وتعيد إنتاجها في سياقات أخرى باردة بعيدا عن سخونة الحدث نفسه، إلا أن هذه الصور واللقطات لا تخلو من حرارة سرية تدب في أوصالها، تتمثل في حرارة الذكريات أو قوة الماضي الضاغطة على الروح.

من هنا يظهر دور يحيى، ذلك الشاب الذي استهواه التصوير الفوتوغرافي وقرر أن يوثق آثار جرائم الحرب على وجوه اللاجئين وفي حياتهم اليومية، تصفه الكاتبة بأنه “يحيى صائد الأرواح” ويكاد ينحصر عمله ويتمحور حول  اصطياد اللحظات الإنسانية الدقيقة داخل المخيم الذي يقع على الحدود بين ألمانيا وهولندا.

ترصد الرواية بدايات التصوير الفوتوغرافي وشخصياته البارزة، وفلسفة التصوير القائمة على تثبيت الزمن في صورة، لتتحول الحروب ليس إلى مجرد أخبار تنتقل من مكان إلى آخر، وإنما تتجسد في صور للقتلى ومشاهد للموت الفردي والجماعي يرها العالم كله، ليصبح الرعب الذي تمثله هذه الحروب مشخصا ومجسدا في صورة فوتوغرافية.

منذ بداية الرواية تقدم لنا الكاتبة لفتة إنسانية جديرة بالتقدير من خلال إهداء العمل إلى 12 اسما من مصوري الحروب الذين قتلوا خلال تأدية عملهم، من بينهم أنس الشريف (غزة 2025 ) وأنس الخربوطلي (سوريا 2024) وريمي أوشليك وماري كولفين المصورة الأمريكية التي قتلت مع ريمي في حمص عام 2012 ، وتنتهي القائمة بروبرت كابا أشهر مصوري الحرب في القرن العشرين والذي قتل في فيتنام عام 1954. كأن العمل هو نوع من الشعور بالامتنان والتقدير لهؤلاء الأشخاص الذين قاموا بمهمة خطيرة وهي نقل الحقيقة بعدسة الكاميرا لكل العالم حتى لو كلفتهم هذه المهمة حياتهم.

من المشهد الأول يظهر العالم القاتم للحروب والسلطة والقمع الذي يبديه الجندي ليحيى ويمنعه من تصوير المكان ذي الطابع العسكري، بل وتدمير الكاميرا التي ترمز إلى العلبة التي تحاول تثبيت العالم واللحظة في لقطة معينة وغالبا ما يختار يحيى اللحظات الإنسانية الاكثر تأثيرا في النفس، ويحتفظ يحيى بالكاميرا التي كان يمتلكها خاله قبل أن رحيله المأسوي في مهمة أيضا متعلقة بتصوير الحروب، وكأن الخيط ممتد إلى ما لا نهاية  في تلك المهنة من جيل إلى جيل.

تشي العلاقات في الرواية بين يحيى ووالدته أو بينه وصديقه كريم أو إيلين مدرسة اللغة الإنجليزية أو شخصيات المخيم بانحصار الحكاية في مأساة الحرب التي أدت إلى اللجوء والظروف التعيسة البائسة التي يعيش فيها اللاجئون، ففي حين يظن بعضهم أن الحياة في الخارج (أوروبا) كلاجيء ستكون وردية ومليئة بالفرص، يكتشفون أن هذه الفرص لا تلوح إلا للقلائل، بينما الأغلبية يجدون أنفسهم محاصرين فيما يشبه السجن أو المجتمع المغلق المليء بالحكايات الحزينة، ويصل الأمر إلى تسمية المحة التي تنقلهم من المخيم إلى المدينة باسم “محطة التوابيت”.

تركز الرواية على الكاميرا التي لا تكاد تفارق يحيى والعلبة المرافقة له وكأنها يستخدمها في محاولة اصطياد العالم في لحظات مدهشة من خلال التقاط الصور ذات الطابع الإنساني الحساس من المخيم، ومن هنا يصبح البطل “يحيى الذي رأى” أقرب للبطل الرمزي، وإن كانت الرواية تبدأ بقصيدة أقرب لترنيمة ضد الحرب وضد المنفى واللجوء: ” ماذا أقول؟ سؤال لا أعرف عنه إجابة، لم أطلب أن أكون هنا…

أقف على حافة هذا العالم،

أحمل عبء كوني بلا خانة وطن

خيال يسير فوق جغرافيا حمقاء،

جغرافيا لا تفهم الرحمة،

ولا تعترف إلا بالحدود”.

وفي الوقت نفسه تعيد تعريف الوطن ممثلا في الجسد أو الروح التواقة للحياة في أي مكان وزمان قائلة: “الوطن؟

ليس بقعة دم على خرائطكم،

وليس علمًا يرفرف بأمر من جلاد.

الوطن هو أنا،

أنا الجسد”.

هذا المفتتح يحيلنا إلى الحالة الاستثنائية التي تقدمها الرواية كنموذج لمعاناة اللاجئين. وتظهر تلك المعاناة بالدرجة الأولى في العلبة أو الكاميرا أو عين يحيى الذي رأى.

وإن كانت النهاية المأساوية للعمل بحريق ضخم في المخيم نتيجة ماس كهربائي تبدو دراماتيكية ومعبرة عن جانب آخر من الفوضى والضياع الذي يهدد هؤلاء اللاجئين، إلا أن هذا المشهد نفسه يحيلنا إلى تفاصيل صغيرة بسيطة عن حياة المخيم وناسه وشخوصه، وكأنه انعكاس مصغر لفكرة الوطن الذي يعاني من مآس تكاد لا تنتهي.

 

 

 

شاعر مصري صدر له: ـ حلم وردي يرفع الرأس ـ بعد الموتى بقليل

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع