د. شهيرة لاشين
في منشورها على “فيسبوك” بتاريخ الثاني عشر من أكتوبر 2025، روت المخرجة الكويتية اللبنانية فرح الهاشم ما حدث معها في الأيام الأولى من تصوير فيلمها التسجيلي “هرتلة في القاهرة”، وهو فيلم من تأليفها وإخراجها، اكتمل العمل عليه في أبريل من العام نفسه، وعُرض كاملًا وحصريًا على منصة “يوتيوب” قبل عشرة أيام فقط من هذا المنشور.
تحكي فرح أنها وصلت إلى القاهرة، المدينة التي تشبهها في جنونها، معتقدةً أن الأبواب مفتوحة أمامها وأن المساعدة ستأتي من كل اتجاه، لكنها فوجئت بالعكس تمامًا. فكل وعدٍ تلقّته بدأ يتبخر واحدًا تلو الآخر، وكل بابٍ طرقته أُغلق في وجهها، ومع ذلك لم تتراجع. نزلت إلى الشوارع وحدها، تتحدث مع الناس وتصور كل ما تقع عليه عيناها. وفي خضم الزحام، اكتشفت أنها لم تقع في حب الرجل الذي ظنت أنها أحبته، بل في حب المدينة نفسها.
كلمات فرح الهاشم جعلتني أرغب في مشاهدة الفيلم، أردت أن أرى القاهرة كما رأتها هي، غير أن التجربة تجاوزت حدود المشاهدة العادية لتغدو رحلة في تأمل الذات من خلاله. أدركت أن على الآخرين أحيانًا أن يتخلّوا عنّا طوعًا أو صدفةً، كي تُتاح لنا فرصة النظر إلى أنفسنا من مسافة كافية، نكتشف عندها اتساع قدرتنا الداخلية التي كثيرًا ما تُخفِيها ضوضاء العلاقات والوجود المشترك. حين نُترَك لأنفسنا، نمتلك مساحتنا الحرة الكاملة، تلك التي نُبدع فيها على نحوٍ يفاجئنا قبل أن يدهش الآخرين، فنحول وحدتنا إلى طاقةٍ خلاقة، وصوتٍ متفرد.
أدركتُ أن الفوضى يمكن أن تُنجب جمالًا حقيقيًا، وأن المدن الكبرى، كالقاهرة بسحرها وتنوعها وتناقضها الحيوي، قادرة على أن تعيد للسينما دورها الأصيل في اكتشاف الذات والعالم في آنٍ واحد.
إيمان فرح الهاشم بما تفعله، وإصرارها على خوض التجربة حتى النهاية، جعلا فيلمها “هرتلة في القاهرة” يتخطى حاجز المئة ألف مشاهدة على منصة “يوتيوب” في أقل من شهر، ويُقبل رسميًا للمشاركة في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة ضمن مهرجان السينما الأميركي المصري في دورته لعام 2025.
بالنسبة لي، أثار الفيلم في داخلي مشاعر تتجاوز الإعجاب بفكرته أو طريقته في الإخراج. كان تأثيره أعمق، جعلني أراه كحالة شعورية خاصة تتحول فيها الفوضى إلى شكل من النظام الداخلي. لذلك كتبت عنه محاوِلة أن أفهم كيف تحوّلت “الهرتلة” إلى طريقة صادقة للتعبير عن الذات، في عالم لا يصغي كثيرًا.
أريد الكتابة عن فرح الهاشم نفسها، وكيف تعاملت مع الفوضى كحالةٍ وجودية تفتح أمام الإنسان مجال التعبير عن هشاشته ومصالحة ارتباكه الداخلي، وعن ظهورها أمام الكاميرا كبطلة وراوية في آنٍ واحد، متماهيةً مع الحكاية التي تقدمها، ومؤمنةً بأن المدن مثل البشر، لا تمنح حبها إلا لمن يعرف كيف “يهرتل” بصدقٍ معها.
وُلِدت فرح الهاشم في الكويت ونشأت بين بيروت ونيويورك ولندن ولوس أنجلوس وهي حاصلة على ماجستير في الفنون الجميلة تخصص التصوير السينمائي وصناعة الأفلام عام 2013 من “أكاديمية نيويورك للأفلام” في الولايات المتحدة الأميركية، وماجستير في تاريخ السينما عام 2019 من “جامعة بانثيون سوربون” في فرنسا، وماجستير في العلاقات الدولية من “الجامعة اللبنانية الأميركية”. تم تكريمها كأفضل مخرج من قبل وزارة “الثقافة اللبنانية” و”نقابة الفنيين السينمائيين في لبنان” عام 2015.
أسست دار Violet Skye Films للإنتاج في بيروت عام 2014، وعملت مستشارة دبلوماسية لبعثة الكويت لدى “منظمة الأمم المتحدة” في نيويورك عام 2013، ودرّبت دبلوماسيين للعمل في السلك الدبلوماسي ضمن برنامج التنمية المستدامة” في نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، وفي المجال الصحفي كانت مراسلة لتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية خارج الكويت.
في عام 2013 أثناء عملها كمستشارة دبلوماسية لبعثة الكويت لدى الأمم المتحدة في نيويورك قدمت أول فيلم قصير نال استحسانه بعنوان 7 “ساعات” والذي قام بجولة في 31 مدينة حول العالم كجزء من جائزة «أفضل فيلم قصير عربي» في مهرجان الفيلم الأوروبي في باريس عام 2014 للفئة العربية، والذي حاز على 3 جوائز عالمية، كما تم اختيار فيلمها “ترويقة في “بيروت” ضمن أفضل 5 أفلام تكلمت عن بيروت، واختيار “فيلم قصة مش مكتوبة” ضمن أهم أفلام تكلمت عن المرأة في “إذاعة بي بي سي” عام 2018 ، ونالت جائزة النقاد” عن فيلم اليوم الخامس” في “مهرجان القدس” في فلسطين عام 2020.
أخرجت عدة أفلام هي: “مارلين مونرو في نيويورك” 2011، “فوبيا الحرب” 2011 ، “الفراولة 2012 ، “نساء “الكويت” 2018، “الحياة في زمن الكورونا” 2020، وقامت بعرض أفلامها في عدد من المهرجانات العربية والدولية، منها: “مهرجان كان السينمائي”، “مهرجان مسقط السينمائي الدولي”، “مهرجان الكويت السينمائي”، “مهرجان السينما الأوروبية” في باريس، مهرجان” روما السينمائي”، و”مهرجان لندن السينمائي”.

هرتل أو لا تهرتل، هذا هو السؤال
لو تأملنا الفلسفة التي وضعها غاستون باشلار في كتابه “جماليات المكان”، لوجدناها تنظر إلى المكان بوصفه تجربةً وجدانيةً قبل أن يكون ماديًا. فهو يرى أن كل مكانٍ مسكونٌ بالذكريات والأحلام والرغبات، وأن البيت على وجه الخصوص، يشكّل مخزن الذاكرة الوجودية للإنسان. من هنا، تتحوّل الزوايا والنوافذ والسلالم والأسطح إلى رموزٍ تتجاوز ماديتها نحو دلالاتٍ تتعلق بالزمن والطفولة والانتماء. وإذا نقلنا هذا التصور إلى الفن السينمائي، نجد أن الكاميرا لا تكتفي بالتقاط المكان، وإنما تُعيد تشكيله كذاكرة حسية تُقيم داخل المتفرج، وهكذا، تغدو كل لقطةٍ في فيلم فرح الهاشم استدعاءً لمساحةٍ من الذات، حتى لو كان هذا البيت مهدومًا أو ضائعًا في مدينةٍ متعبةٍ مثل القاهرة.
منذ اللحظة الأولى، تمسك فرح الهاشم بأيدينا كمشاهدين وتفتح أمامنا الطريق نحو قلب الحكاية. نسير معها في شوارع القاهرة المزدحمة، نتماهى مع خطواتها حتى نصبح جزءًا من المشهد العام. تتحرك أمامنا بخفة من يعرف الطريق ويعيد اكتشافه في الوقت نفسه، تحمل بين يديها كتاب صلاح جاهين الذي أهدت إليه الفيلم، وتتحدث بخفةٍ ممتزجة بالجدية:
“أن تهرتل أو لا تهرتل، هذا هو السؤال”.
ثم تشير إلى الفارق بين الهرتلة التافهة والهرتلة العبقرية، فينكشف أمامنا مدى عمق الفكرة واتساعها.
هكذا، ببساطة، تضعنا المخرجة منذ البداية أمام فلسفة فيلمها، حيث الهرتلة فعلٌ حيوي للحياة، ضرورة تتيح للإنسان أن يواصل العيش والعمل والمشي والنوم والتنفس. تقولها وهي تأخذ نفسًا عميقًا تجعلنا نصدقها وننتبه إلى كل ما يمر أمامنا من تفاصيل بسيطة على الشاشة: مشاهد المقاهي وحركة الزبائن، دعوات الناس عند الأضرحة، زحام وسط البلد المحبب، الأتوبيسات والسيارات الملاكي والأجرة والتروسيكلات والتكاتك، لافتة مصنع قطونيل، بوستر لفيلم قديم، شارع الحرافيش، وأغنية “الدنيا غنوة”.

في لحظات كثيرة، تبدو لنا فرح وكأنها تتبادل الأدوار مع القاهرة؛ تترك لها الحديث حينًا، ثم تستعيد صوتها لتسأل أو تتأمل أو تضحك بخفةٍ تشبه ضوء الظهيرة على الأرصفة. كل حركة تقوم بها تحمل نغمة شعورية متصلة بالإيقاع العام للفيلم. إنها لا تقدم خطابًا عن المدينة، وإنما تعيشها كعلاقةٍ وجدانية تفتح بين الطرفين مسارًا من التبادل، فالقاهرة تمنحها مشهدًا وهي تمنحها معنى.
وأنت تشاهد الفيلم وتمشي معها في شوارع القاهرة وضواحيها، وبينما “بوفية السعادة مغلق”، ستحدّثك عن حبها للقاهرة، وتصف لك طَعمها ورائحتها بتلذّذٍ يشبه تذوّق قطعة الحلوى المفضلة لديك. ستشعر أنك تستنشق مزيجًا من عطورٍ كعطر الشبراويشي ممزوج بعطر الليمون والبرتقال، وعطر الشانيل والياسمين، مع رائحة البنزين والمازوت والنيكوتين والقهوة والشاي.
تبدو الأشياء طازجة في سرديتها، حتى وإن رأيتها من قبل، فبعدسة فرح الهاشم تكتسب المشاهد حياةً جديدة كليًا. وبين كل ذلك، يأتي صوتها وهي تسأل أحدهم عن راتبه: كيف يعيش الإنسان بمرتب ستة آلاف جنيه في الشهر؟ فيجيبها ببساطة: “ما بيعش.” بهذا الرد القصير، يُفصح الفيلم عن جوهره الحقيقي، فهو ليس مجرد حوار مع المدينة وسكانها، لكنه انفجار من داخلها وداخلهم، تجعلنا نراها على حقيقتها ونرى أنفسنا من خلالها أيضًا.
في السينما المصرية الكلاسيكية، تجلّت القاهرة بوصفها المركز الرمزي للحداثة، مدينة الفرص والتناقض والدهشة. كانت الكاميرا تراها قلبًا نابضًا بالحياة، كما في أفلام صلاح أبو سيف (الفتوة وبداية ونهاية)، أو في بدايات يوسف شاهين (باب الحديد). ومع تحوّلات الثمانينيات والتسعينيات، أخذت المدينة تفقد هويتها الرمزية وتغرق في فوضى المعمار والزحام، لتتحوّل العدسة إلى عينٍ متأملةٍ حزينةٍ تبحث عن معنى داخل العشوائية. تجسّد ذلك في أفلام مثل (الكيت كات) لداود عبد السيد و(إسكندرية كمان وكمان) ليوسف شاهين، حيث لم تعد القاهرة مدينة البطولة، ومع الجيل الجديد من السينمائيين، ظهر اتجاه أكثر تجريبًا وتأملًا، يرى المدينة جسدًا متعبًا وكائنًا لغويًّا يحاول تهجئة ذاته.
في هذا السياق، تظهر تجربة فرح الهاشم في (هرتلة في القاهرة) كمحاولة صادقة للإمساك بروح المدينة وهي تتحدث بلغتها الخاصة، لغة الإيقاع والعفوية وتدفّق الوعي. التقطت المخرجة كل ما صادفها بعينٍ مفتوحة على التفاصيل الصغيرة، فحوّلت العشوائية إلى شكلٍ من أشكال الصدق البصري. بهذا، قدّمت فيلمًا من سينما الذات، يبدأ من التجربة الشخصية ويتّسع ليشمل المدينة كلها، مانحةً الكاميرا دور الكائن الحيّ الذي يراقب ويُصغي ويعيش القاهرة كما لو كانت بطلة الفيلم الحقيقية.

نرى مثلًا الحِكم والأمثال التي تعشّش في تفكيرنا وتتسرّب إلى الكلام اليومي دون أن ندري، نراها مكتوبة على الجدران والأعمدة بذكاءٍ عفوي: «متخليش حاجة توقفك، خليك قاعد»، جملة تختصر روح السخرية المصرية في مواجهة الإحباط. وعلى جدارٍ آخر نقرأ: «شكرًا للمصريين اللي حطّوا البيض على البسطرمة، والعسل على الطحينة، والشاي على اللبن، والحلاوة على القشطة، والمتعوس على خايب الرجى». كلمات كهذه تكشف عن حسٍّ ساخرٍ مشبع بالاعتراف بالحياة كما هي، وتبدو كما لو كتبها من عاش بين المصريين طويلًا حتى تشبّعت لغته بضحكتهم ونظرتهم الساخرة إلى الوجود.
تمضي بنا فرح الهاشم، ومعها الكثير من الحكايات، بينما “بوفية السعادة” لا يزال مغلقًا، ورجلٌ منحني يحاول اللحاق بأتوبيس النقل العام، فيما آخرون يمضون إلى مصالحهم دون أن يلتفتوا إليه.
المهم، حتى أكون محددة وكي لا تتوه الأفكار مني، فالحديث عن فرح الهاشم كبطلة ومؤلفة ومخرجة في الفيلم قد ينسيني هي وكاميرتها ما أود قوله عن الضيوف المشاركين معها وغير ذلك. لذلك أود التوقّف عند عنصرين أساسيين في الفيلم:
– الضيوف: وهم مجموعة من الشهادات الصادقة لأشخاص من طبقاتٍ وخلفياتٍ مختلفة، يتحدثون عن تحدياتهم اليومية، عن الفقر والحلم والذاكرة والانتماء. وجوه تُضيء شاشة الفيلم بصدقها العفوي، لتتحوّل كلماتهم إلى ملامح أخرى للقاهرة، أكثر حميمية وإنسانية.
– الأماكن: تلك التي احتواها الفيلم، إلى جانب الشخصيات الفنية المرتبطة بها. أماكن تستدعي الذاكرة وتستبطن التاريخ، تفتح نوافذ على السينما القديمة، وعلى وجوه المبدعين الذين مرّوا من هنا وتركوا أثرهم في جدران المدينة وأحلامها.

الضيوف:
احتوى الفيلم على عددٍ من الضيوف الذين قدّمتهم فرح الهاشم بأسمائهم ووصفهم، وكان أولهم منتصر بيوض، فنان بصري نصفه مصري ونصفه لبناني، يُعدّ أحد أبرز أبطال العمل. تحدّث في موضوعاتٍ كثيرة وظهر في أغلب المشاهد الحوارية التي جمعت الضيوف، مشاركًا في مناقشة القضايا والأفكار التي يطرحها الفيلم. تحدّث عن عشقه للقاهرة، المدينة التي يراها شخصية طاغية إما أن تحبها أو تكرهها، لا توجد منطقة وسطى، غير أنها حنونةً تستقبل الجميع، فهي-كما قال- أم الدنيا، وكل جنسية تشعر أن لها حجرًا فيها. بينما يتكلم منتصر، تلتقط كاميرا فرح الهاشم مشهدًا لميكروباص يسير أسفل الكوبري، ورجلٍ بسيط يمشي على الرصيف، وآخرين يديرون ظهورهم للكاميرا، وللحياة.
أُعجبت بظهور منتصر في معظم مشاهده داخل الفيلم، خصوصًا حين يأتي بعد ضيفٍ لم أستسغ كلامه ولا أفكاره؛ من أولئك المثقفين الذين يقضون الوقت في التنظير عن المؤامرات الداخلية والخارجية، جالسًا في مقهى بوسط البلد، ينفخ صدره ويتحدث بحماسة عن ضرورة امتلاك قنبلة نووية في السر، دون علم الدول الكبرى. في تلك اللحظات تمنيت لو أن ضجيج الزبائن يعلو ليغطي صوته.
منتصر شخصٌ صادق وعفوي، تشعر بمحبته الحقيقية للمكان ولمن فيه، يتحدث عن مصر بحميميةٍ تفوق المصريين أبًا عن جد أنفسهم، مع أن لكنته اللبنانية تطغى أحيانًا، إلا أن حبه يرجح كفَّته المصرية. تستمع إليه بانتباه وهو يتحدث عن علاقة الدول العربية بمصر، وعن دمشق التي تشبه القاهرة في شوارعها ومبانيها وناسها ورائحتها وطعمها، ولهذا-كما يقول- لم يشعر السوريون الذين جاؤوا إلى مصر بالغربة فيها. كما أنه يفكّر جديًا في تأسيس مكانٍ له في القاهرة للاستقرار فيها، إذ يرى أن عليه أن يعود إلى جذوره.
بدون مقدمات، يدخل الضيف الثاني محمود سامي، فنانٌ مسرحي ومثقف ثوري، يبدأ حديثه بجملةٍ مباشرة: “نفسي يبقى عندنا طموح شوية”. هكذا، يحكي محمود ما يفكّر فيه وما يخطر على باله، بينما لا تختفي أصوات الناس في الخلفية، وكأن المخرجة تصرّ على إبقائها كموسيقى خاصة تخدم المشهد وتؤكّد انغماس الفيلم في نبض الشارع.
تحدّث محمود سامي عندما أتى ذكر الثورة، في اللحظة التي مرّت فيها من النفق، بينما امرأة عاملة تحسّبنت قائلة: “حسبنا الله ونعم الوكيل في كل حد يتكلم في ضهر حد”. خرجت الثورة من النفق فانتابه شيء من التردّد كما يفعل بعض المثقفين الذين يحاولون الاختباء وعدم الظهور أمام الكاميرا، لكنه مع ذلك تكلم، وشرح من وجهة نظره أسباب فشلها وضعفها. بدا حذرًا في كلماته، ينتقيها بعناية كي لا تجرّه إلى منطقة الخطر، ثم تحدث في مشاهد أخرى عن كامب ديفيد ومفاهيم الحرية والوطنية، مؤمنًا أننا نعيش في المنتصف: لا حرية كاملة ولا قمع تام، وفي دولة قانونٍ لا تأكل أبناءها المخلصين مهما حدث.

ضمّ الفيلم أيضًا عددًا آخر من الضيوف: رنا الحسيني، قارئة التاروت التي تحدثت عن طاقة القاهرة ووضعها العام؛ وأسامة جلال الكاتب الصحفي؛ وطاهر عوض مدير مكتبة رؤيا؛ ومحمد السيد عيد الكاتب والسيناريست؛ وزينب فرغلي الروائية والأستاذة الجامعية؛ وعبده الزراع الكاتب المصري. تحدّث هؤلاء عن الوضع العام في مصر، متنقلين بين المقارنة بين الماضي والحاضر، وتطرق الحوار إلى قضايا الإخوان والتعليم ووضع المرأة. ورغم اختلاف وجهات النظر أحيانًا، ظل الجو العام يسوده الاحترام والألفة، مع بروز د. زينب في بعض المقاطع بانفرادها بالحديث والتعليق.
كما شارك في الفيلم سيد عنبة، رئيس جمعية محبي الشيخ إمام، الذي تحدّث عن إمام بوصفه شاعرًا لم يُنصف في هذا الجانب، ومحمود عزب المحامي وأمين سرّ الجمعية نفسها. وأثناء لقاء فرح الهاشم به، تلتقط الكاميرا مشهد طَشة الطعمية في الزيت على خلفية صوت الشيخ إمام وهو يغني:
“عن موضوع الفول والطعمية، صرّح مصدر مسؤول إن الطب اتقدم جدًا، والدكتور محسن بيقول إن الشعب المصري خصوصًا من مصلحته يقرقش فول، حيث الفول المصري عموماً يجعل من البني آدم غول.”
وفي الخلفية، وبعدسة فرح الهاشم، نرى “المواطن الغول” يسير بظهره إلى الكاميرا، وإلى العالم.

الأماكن:
سأبدأ بذكر المدينتين اللتين استضافتهما فرح الهاشم في فيلمٍ تتحدث فيه عن القاهرة. أولهما الإسكندرية، التي تظهر كفسحةٍ بصريةٍ تستعيد من خلالها المخرجة إيقاع البحر ورهافة الذاكرة. فبمجرد أن تسمع أغنية “البحر بيضحك ليه وأنا نازلة أدلع أملى القلل”، يأخذها صوت سيد درويش من صخب القاهرة إلى هدوء البحر. يظهر كروحٍ مرشدةٍ تقود الكاميرا نحو ذاكرة الفن المصري حين كان الغناء امتدادًا للحياة اليومية، ونحو عينٍ تستحضر الزمن الذهبي للسينما المصرية. هناك، تتجسّد أمام العدسة وجوه يوسف وهبي وعماد حمدي يشربان الشاي، وخلفهما تمثال سعد زغلول. مشهدٌ يُبنى على تراكبٍ بين الواقع والخيال، فيتحوّل إلى نوعٍ من الاقتباس البصري الذي يعيد توظيف التاريخ السينمائي داخل الحاضر.
لا أعلم السبب الذي جعل كاميرا فرح الهاشم تأخذ منعطفًا مفاجئًا نحو بورسعيد، المدينة الثانية التي تحمل ندوب التاريخ، الهزائم والانتصارات. تعرض المخرجة لقطات أرشيفية بصوت أنور السادات يروي وقائع العدوان الثلاثي، يتبعها مقطع من فيلم “الباب المفتوح”، قبل أن تنقلنا إلى محطة القطار بين صورتين، قديمة وحديثة، في مقارنةٍ صامتة بين ما كان وما صار. تنتهي الرحلة بمشهدٍ صادم لسيارة تمر بجوار أكوامٍ من القمامة تأكل منها الأغنام؛ لقطة تحمل دلالتها دون تصريح، تضع الماضي البطولي والواقع المهمل في كادرٍ واحد.
بخلاف المقاهي القاهرية والبيوت التي ظهر فيها ضيوف الفيلم، تمضي فرح إلى الأماكن التي زارتها وحدها، وكان “جروبي” من بينها، غير أنها زارته في العام 1957، حيث التقت فريد الأطرش هناك، وغنّى لها “يا بو ضحكة جنان”. تمتد رحلتها بعد ذلك إلى شوارع وسط القاهرة التي تبيع العود ذاته الذي عزف عليه، ثم إلى السطوح حيث تدخّن سيجارتها، وترفع بصرها نحو النجوم وشبابيك البيوت.
سطح العمارة، مكانٌ تكرر ظهوره ثلاث مرات في الفيلم، يظهر فيه رجل يكنس السطح من التراب والبلاط المكسور والأوراق المبعثرة وسط الكراكيب. مشهدٌ بسيط في ظاهره، لكنه يتحوّل في بناء الفيلم إلى علامةٍ تأملية عن الرغبة في الترتيب وسط الفوضى. يأتي هذا المشهد تارةً بعد حديثٍ عميق لأحد الضيوف، وتارةً بعد سهرة ليلية تضم فرح الهاشم وأصدقاءها في أجواء دافئة ومضاءة بخفوتٍ شاعري. في كل مرة تضيف المخرجة تفصيلة جديدة تمنحه معنى مغايرًا، كأنها تنقّب عن وجهٍ آخر للحياة داخل التكرار ذاته. وعندما تقول في آخر مرة إن هذا يبدو لها مكانًا رومانسيًا يملؤها بإحساس البدايات الجديدة، يغلق المشهد بجملة الرجل: “بدنا كيس زبالة جديد”؛ جملة تحمل بساطتها عمق الفكرة، إذ تذكّرنا بأن الحياة تحتاج دومًا إلى تنظيفٍ وتجديد، وأن البدايات لا تأتي إلا بعد إزالة ما تراكم من غبار.

وفي موازاة هذا المشهد، يمرّ بنا الفيلم في شارعٍ لبيع الأشياء القديمة والمستعملة، تتجاور فيه الذكريات مع الخردة، ويظهر بورتريه لجمال عبد الناصر فيأتي من خلف الكاميرا صوت فرح العالي:
“جمال عبد الناصر بكام؟”
لقطة تختصر روح الفيلم في مفارقتها الذكية، إذ تحتفي بالماضي دون أن تقدّسه، وتتعامل مع الرموز التاريخية كما تتعامل مع الأشياء المستعملة؛ تحملها وتعيد توظيفها داخل مشهدٍ جديد من الحياة.
يمتد هذا الإيقاع البصري إلى المدينة كلها، حيث يتنقّل الفيلم بين صورٍ تنبض بالحياة اليومية: النيل وموسيقى “أهواك”، رائحة القهوة في المقاهي وشاي الصباح وشوية نيكوتين، المتحف المصري وحديقة الحيوان، ميدان التحرير وطلعت حرب، “والعتبة جزاز والسلم نيله في نيله”، وجوهٌ تركض وأخرى تضحك وثالثة تصرخ بلا سبب واضح، كأن المدينة كلّها تمارس هرتلتها الخاصة. كوبري 6أكتوبر في لحظة الشروق، حين تستيقظ القاهرة ببطءٍ وكسلٍ جميل، تفتح عينيها على ضوءٍ ذهبي يمر فوق الأسطح.
تُختتم الحكاية في “جنينة الأسماك” وجوها المهيّأ للحب، بينما يطلَّ تمثال طلعت حرب كحارسٍ مهيبٍ على قلب العاصمة، وتُضيء رقصة سامية جمال الذاكرة.
يتجلّى من خلال هذا التتابع المعنى الأعمق لهرتلة فرح الهاشم؛ فالتكرار حركة حياة تتجدّد كل يوم، والفوضى في المدينة كما في الإنسان يمكن أن تُنجب نظامها الخاص إن وجدت من يصغي إلى إيقاعها الداخلي.
يمكن القول إن مشاهدة الفيلم تشبه تناول الفلفل الحار؛ تجربة تجمع بين المتعة والدهشة والارتباك، تدفعك للتساؤل إن كنت ترغب في المزيد أم تحتاج إلى لحظةٍ لالتقاط أنفاسك.

على هامش الفيلم:
لهذا، وفي ضوء ما طُرح، بدا موقف فرح الهاشم واضحًا وحاسمًا حين تبرأت مما كتبه والدها فؤاد الهاشم عن مصر قبل أيام. لن أتوقف عند ما كُتب، إذ يحمل قدرًا كبيرًا من الجحود والإساءة، ولأن هذا النوع من الخطاب لا يستحق إعادة تدويره، خاصة حين يصدر عن شخص عرف هذا البلد وعاش فيه واختبر قربه. لذلك أفضل تركه عند حدّه، دون التوقف أمامه طويلًا، لأن قيمته تتحدد بقدر ما يضيفه، لا بما يثيره من إساءة، وهو في الحقيقة لم يضف سوى رؤية مشوشة لا تستند إلى إنصاف أو فهم.
لكن ما يستحق التوقف فعلًا هو فهم هذا الموقف في ضوء ما كتبته فرح ردًا على هذه الإساءة، إذ أعلنت بوضوح: «لا علاقة لي بوالدي البيولوجي، ولا دخل لي بمواقفه أو آرائه السياسية، وهو يمثل نفسه فقط». كنتُ غاضبة، ككل المصريين، من كلمات فؤاد الهاشم، لكن ردّها كان كما يوحي اسمها، باعثًا على الفرح، ردًّا يبرد القلب ويشفي الغليل.
وربما ما نشرته فرح الهاشم، الخميس ٢٦ مارس 2026م، يكشف حجم الاختلاف بين الأب والابنة، ويفسّر هذا التباين الحاد في المواقف بينهما. فموقفها من إساءة أبيها لمصر لا يعكس فقط حبًا وتقديرًا حقيقيين لمصر، وإنما تقف خلفه حكاية طويلة وجرح قديم، أفصحت عنه في منشورها على فيسبوك، حيث تقول: «من أين أبدأ الحكاية؟ سؤال يلاحقني منذ سنوات، يطرحه الأصدقاء السينمائيون والإعلاميون وحتى الغرباء: لماذا لم تصنعي فيلمًا عن الكويت؟ وعلى مدار عشرين عامًا، كنت أحاول أن أدفن هذا الفيلم داخلي، أن أؤجله، أن أهرب منه، لا لأنني لا أحب الكويت، بل على العكس تمامًا، لأنني لم أستطع أن أحبها كما ينبغي. كيف يُحب الإنسان مكانًا تشكّلت فيه جراحه الأولى؟».
ثم تتابع حديثها عن نشأتها في الكويت، في منطقة الجابرية، وكيف تشكّلت هويتها في ظل ظروف لم تخترها؛ هوية لم تكن مستقرة ولا واضحة المعالم، بدءًا من طلاق والديها، وصولًا إلى تخلّي والدها عنها وهي في الثامنة عشرة. ومع اتساع المسافة بينهما، اتسعت كذلك بينها وبين الكويت نفسها. صار الوطن، في وعيها الطفولي، يشبه وجه الأب؛ قاسيًا وناقدًا ومشروطًا.
من هنا يمكن فهم سنوات التأجيل، ولماذا ظل فيلم الكويت مؤجلًا داخلها كل هذا الوقت. في المقابل، جاءت القاهرة كمساحة أكثر رحابة؛ مدينة استقبلتها دون شروط أو أسئلة، فكان الاقتراب منها سلسًا، وتحول إلى علاقة واضحة المعالم، تجلّت في فيلم ” هرتلة في القاهرة”.
…………………………….
* “هرتلة في القاهرة” فيلم روائي تسجيلي من تأليف وإخراج المخرجة الكويتية اللبنانية فرح الهاشم، وإنتاج فيوليت سكاي 2025.















