عمَّار علي حسن
لأنه مولع بـ “القصة القصيرة”، ومتمكن منها، نرى الكاتب والمترجم الأستاذ رجب سعد السيد قد اتخذها في الغالب الأعم، قالبًا فنيًا، سيطر على كتابه السردي “مقتل البهجة”، فمنحها الكثير من أعمال أخرى، كان بوسعها أن تكتمل في شكل فني آخر، لكنه أجهضها محبة في “القصة القصيرة”، وإخلاصًا لها، وإيمانًا بأنها طريقة تعبير أمضى أثرا.
كان الصوفي الشهير الإمام الجنيد يقول إن “الحكايات جند من جنود الله، يهدي بها قلوب المريدين.”، وهنا اتخذ الكاتب “تجارب قصصية” جندًا إلى غاياته المتعددة داخل النصوص، والتي تبدأ بالرغبة في البوح والاعتراف، إلى البحث عن باب للخروج مما نحن فيه، مرورًا بمحاولة إنعاش الذاكرة، والتسرية عن النفس، والوفاء لأشخاص راحوا، وزمن مضى، وأمكنة تركت في النفس أثرًا عميقًا، فضلا عن غريزة كل كاتب في أن يعلن عن وجوده على قيد الكتابة.
في الكتاب أجزاء متفرقة من سيرته مؤلفه الذاتية، بدءًا من الطفولة حتى الشيخوخة، وفيه جزء من رواية أدبية لم تكتب بعد، وحتى ما تهيأ منه مقالات سردية، لم يفارق القص كثيرًا في الحكي والبناء واللغة الشاعرية والحوار. وبين كل هذا هناك قصص قصيرة بالفعل، تحمل سمات هذا الفن وقسماته غير منقوصة، لا تختلف في مستواها عما سبق أن قرأناه للرجل.
ربما لكل هذا أطلق الرجل على كتابه اسم “تجارب قصصية”، لأنه يعرف، وهو من أصدر من قبل عدة مجموعات، أن أغلب سردياته هنا توسلت بالقصة القصيرة لكنها لم تشأ أن تدعي تحري شروطها الفنية كاملة، أو تقترب منها، وتلتصق بها، أو بمعنى أدق تعبر عنها لاسيما في بنيتها المعاصرة.
لم يختر الكاتب عنوان هذا العمل من فراغ، فـ “مقتل البهجة” هو تعبير دقيق عن مختلف الحالات والحكايات هنا، فهناك وجع الحنين إلى الأيام البعيدة أثناء الطفولة، وهناك انشغال بمصائر الناس وأحوالهم، التي تسيطر على جل القصص/ الحكايات متسربلة بمسحة من الحزن، حيث الوحدة والغربة والفراق والجزع من تغير معالم الأماكن ونفوس البشر. وهناك اغتراب يبثه كاتب قضى حياته بين من لا يدركون معاني بؤسه، وأناشيد فؤاده.
وهناك انشغال بالتحولات والتغيرات الاجتماعية والسياسية الجارحة، مع تراجع المقولات والسرديات الكبرى، وإجهاض الأحلام، وانطفاء الأمل في عيون كثيرين.
تدور أغلب الحكايات في الإسكندرية، التي تبدو هنا مدينة ملهمة لكاتب أحبها، فلا يكف عن وصف معالمها جميعا: البحر، والشوارع والحواري والمقاهي والحوانيت والبيوت والأنفاق والجسور والخلاء الذي يحيط بها، فإن انتقل بنا إلى غيرها، حيث دمنهور في الطفولة، وإحدى بلدان الخليج في آخر الشباب، نجده لا يطيق هذا الابتعاد، ولا يستطيع عليه صبرًا، حتى لو راقت له بعض الأشياء في الأماكن الجديدة، أو وجد بعض ما يلهيه عن أول منزل.
لا تخضع الحكايات هنا لترتيب زمني مثلما يجري غالبًا في الرواية، سواء في الخيط الطويل الذي يجمعها أو الحكايات التي تنبت على ضفتيه، ولا يقتصر ما ورد في “مقتل البهجة” على مواقف من سيرة كاتبها تتابع من الصغر إلى الكبر، ورغم أنه راويها عليم بالأسماء والأفعال والمواقف، فإنه لا يستأثر ببطولتها، إنما أعطى أشخاصًا كثيرين أدوارًا معتبرة، كما هي طبيعة الحياة، حيث زملاء المدرسة والجامعة والعمل والأصدقاء في مختلف مراحل العمر، وأفراد الأسرة، ونشطاء السياسة، والعائدين من الحرب، واللصوص والمخبرين والعشاق، والحيوانات التي تألف معها أو كانت لها برفقتها حكايات تركت في روحه أثرًا، بل إن الأدوية التي يحتاج إليها حين اعتل جسده يأتي على ذكرها تفصيلًا، ويقوم بأنسنتها، حتى تظن أنها رفاق يشاطرونه وجعه ووحدته ومخاوفه.
ولا يقف الكاتب في كل هذا موقف الناظر إلى الأمور من بعيد أو من عل، إنما المنغمس فيها، والمنفعل بها، يشارك ويحرك أحداثها، ويحدثنا عن موقفه منها، مرتبطًا في كل هذا بعلاقة حميمة معها، حتى وإن كانت هذه الأمور قاسية عليه، أو متجهمة في وجهه، أو بائسة أحيانًا.
إنها مفارقات الحياة التي عكستها الكتابة فنيًا، فوجدنا التجارب القصصية هذه تنتهي في كثير من الأوقات بمفارقة، باعثة لدهشة، أو مثيرة لتساؤل، أو فاتحة أفق على مغايرة في الفهم والتأويل، أو باعثة لحال من التعاطف والحدب الإنساني. كما وجدناها في كثير من المواضع لا تكتف بوصف الأشياء والأشخاص والمواقف من الخارج، بل تغوص في دخائل النفوس، وطبائع البشر، فنرى أنفسنا طوال الوقت أمام شخصيات من دم ولحم تزخر بها الحياة التي نعيشها، وتجري فيها أقدارنا واختياراتنا.
في كل هذا تأتي اللغة طيعة في سلامة وسلاسة، تفيض بالمعاني والصور والمشاهد، وتدفع السرد دومًا إلى الأمام، حتى لو انطبع عليها اهتمام الكاتب أحيانا، حين يشرح لنا مسألة علمية، أو يقترب من طبيعة عمله، بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصائد الذي كان مديرًا عامًا له، إذ ينزع إلى تأديب كل هذا، أو منحه الكثير من روح الأدب، وهي سمة حلت في ترجماته وكتاباته العلمية البحتة، وليس هذا بغريب على رجل تأثر بالكبيرين أنور عبد العليم، وعبد المحسن صالح، وقرأ الكثير من عيون الأدب العالمي، ما ظهر في كتبه العلمية التي وصلت إلى ثلاثة عشر كتابًا.
لقد استمعت كثيرًا بهذا العمل المميز، خفيف الروح، ثقيل المعنى، الذي قربني أكثر من كاتبه، وزاد من محبتي لمعشوقتي ومعشوقته الإسكندرية، هو في قلبها وأنا أهفو إليها، وجعلني أقف على تجربة مهمة، تنطلق من الفرد إلى الجماعة، ومن الشواغل الذاتية إلى المجال العام، ومن البحر إلى اليابسة، ومن العلم إلى الفن، ومن الطفولة إلى الكهولة فالشيخوخة، ومن الأسرة إلى الوطن، وبقدر اليقظة التي حرصت عليها أثناء القراءة، فقد فاضت مشاعري غير مرة وأنا أطالع سطوره، ولم أقدر على حبس دموعي.













