ود الغرباء

art

يمامة أبو حمدان

صعّبت حرارة غرفة الساونا الكلام، وحتى لو لم يكن يدخل الهواء الساخن إلى صدري كحشوة مناديل مبللة، فأنا لم أشأ التحدث مع غرباء. أغمضت عيني، حاولت تناسي الموسيقى المتناهية إلى الحجرة الضيقة من الخارج. وددت الصمت. اشتهيت صمتاً عميقاً لا يخدشه نفَسٌ، حتى نفس الماء يتبخر في حوض الحجارة ونسنسة الرمل ينسلّ في الأنبوب؛ صمتاً أسود مظلماً يلفّني كالنوم.

هذه النزعة لم تنطبق على المرأة الأخرى التي كانت تشاركني حمام البخار.

«هل أتيت إلى الساونا من قبل؟ لم أرك سابقاً.»

لم يكن بوسعي رؤية وجهها. لم يبرز لي سوى كوعها اللامع فوقي حيث كانت تتمدد على المقعد الخشبي العلوي، وأنا تحتها.

«لا، أول مرة.»

ضحكتْ مرتاحة، وكأنها استعادت الثقة بذاكرتها. «سكنت المبنى حديثاً؟»

تساءلت كيف كان يسع الكلام صدرها تحت ثقل البخار. كذبتُ. «من شهرين.»

«وفي دبي؟»

كذبتُ مرة أخرى. «شهرين.»

صرصرت ألواح الخشب من تحتها وأحنت رأسها عن جنب المقعد لتحدق فيّ. التقت عيوننا وأدركت أنها كانت تدرسني. أزعجني أن ملامحي كانت أكثر وضوحاً لها من العكس، وجهها غارقٌ في العتمة ووجهي يضيئه مصباح أصفر يشع وحيداً في الزاوية بأزيز خفيف، يبث حرارة إضافية في حجرة بحجم سرير.

«تزعجك الموسيقى؟ أستطيع إيقافها.»

«لا.»

نهضتْ لتسكب الماء في الدلو فوق حوض الحجارة ففحّ البخار متضاعفاً، قطرات الماء على الصخر الأملس تتلاهث، قطرات العرق تحط على الخشب وقد سخن وتمدد. تمكنتُ أثناء نهوضها من تمييز شكلها؛ طويلة سمراء بساقيين قويتين، عرق جسمها يلمع تحت ضوء الزاوية، ملابسها الخفيفة ملتصقة على جلدها، ولكن وجهها بقي مظللاً وغاب بسرعة بعودتها إلى مقعدها فوقي.

عاودتْ طرح الأسئلة عليّ بعد صمت قصير. الأسئلة نفسها التي يسألها الجميع في هذه المدينة. البلد الأم، طبيعة العمل، مكان العمل، الأسعار في دبي مقارنة ببقية الإمارات، إلا الطقس لم تذكره، واستغربت ذلك.

«جربتِ المسبح؟ أصعد كل يوم في الخامسة مساءً.» نهضت مجدداً وبدا لي أنها أخيراً تجهز نفسها للخروج. «أنصحك بالمسبح ثم الساونا.»

خرجتْ من الحجرة لتعود مرتين وتكمل حديثاً أحادي الجانب لم أجب عليه إلا بهمهمات وهزة رأس. أفصحتْ عن رقم شقتها (109، الطابق التاسع) وعمل زوجها (مندوب شركة سيارات يابانية) وحياتها قبل القدوم إلى دبي في أقل من خمس دقائق واختتمت بالتعريف عن نفسها. نيها، من باكستان. «وأنت؟»

لضيقي من الحديث ورغبة بنهايته، أو لعله الخجل من صدّ فضولها، غادرتْ الجارة ومعها اسمي ورقم طابقي ورقم الموبايل.

بقي مقدار عقدة أصبع في الساعة الرملية. قلبتها وأخذت المقعد الخشبي العلوي لنفسي.

·

كنت أقضي تلك الأيام إما أمرر إبهامي فوق صور بشر من كل الجنسيات على تطبيقات المواعدة وإما أمرر إبهامي فوق صور ضحايا غزة. تمر وجوه أحياء الإمارات وموتى فلسطين أمامي بالسرعة نفسها، يعبرون أمام الأبراج وأمام الدمار كأنهما الخلفية نفسها. أقلّب، أقلّب، أنسى إن كان الوجه الجميل في غزة أو دبي، إن كان الأحمر دماً أو فستاناً. صور غبشة أحياناً، شديدة الوضوح أحياناً أخرى – العالم مسافتان أعيشهما من مسافة.

يضرب كعب على بلاط الممر خارج حمام الشركة فأستفيق.

خارج الموبايل، تستمر الحياة طبيعية. أتحدث مع الناس بشكل طبيعي، أعمل بشكل طبيعي، أبتسم بشكل طبيعي. الحرب على الموبايل فقط، ومتى توقفت عن قراءة الأخبار أو مشاهدة فيديو ما، تنتهي. بدا وكأن الموت لا يحدث إلا عبر الشاشة، وساد شعور بأنني طالما لم أفتح الموبايل، فإن عداد الموت والدمار سيتوقف.

الحيز العام هنا ملصق ضخم مطوي بدقة حتى يلف المُعاش. كل ما وراءه مخفي حتى لا يعود المرء يدري أي العالمين حقيقي. قد يسقط القمر شظايا ولا تسمع خبراً. قد تنهار عوالم كاملة بأهلها وتاريخها وتظل دبي كما هي، تلمّ فوائض العالم البشرية.

بدت لغة المدينة عصية عليّ؛ بدا المعنى شفافاً، مغموراً في سائل مضيء حتى تعجز عن رؤيته، تحجبه شدة النور.

فوق صورة لامرأة تبكي ابنها أو زوجها أو أمها، أتى إشعار لرسالة من نيها.

«مرحبا! لم أعد أراكِ عند المسبح.»

سحبت أصبعي فوق المستطيل لإزالته عن الشاشة.

في مساء ذلك اليوم بعد الشغل، صعدت إلى المسبح. لم تكن هناك.

قضيت الأسبوع التالي أتوجس اتصالها وأرتقبه ولا أرتاح من فكرتها إلا أثناء العمل في المكتب. عندما أخرج من البيت صباحاً أخشى رؤيتها وحين أعود أسرع إلى الأصانصير خوفاً من مصادفتها في الردهة. فكرت أنها لم تبد لي من الجنون الذي قد يدفعها لتنزل وتدق عليّ الباب. ولمَ تدق الباب أصلاً؟ لعلها أدركت كم كانت لجوجة في الساونا وراجعت نفسها، وعدم ردي على رسالتها عزز إدراكها ذاك.

كيف يكون لإنسان بالكاد تعرفه كل هذا الثقل؟ أو لربما كنت أنا الخفيفة، خفيفة حد الشفافية، شفافية تشي بأنني لست موجودة على الإطلاق. كنت مختفية، مرتاحة في الاختفاء، وفجأة أتت هذه المرأة، فجأة رأتني نيها واكتُشفت، ولأنني أخاف أن أُكتشف خفتها.

حرجاً، أو لأنني لم أشأ للأمور أن تبدو غير طبيعية، أو لعله عمق الضجر، قررت الإجابة على رسالتها. أضفت وجهاً مبتسماً على النص لتأكيد الود. حذفته، وضعت وجهاً آخر، حذفت ذاك أيضاً. بعثت الرد.

لم تجب، وبعد ذلك لم تتصل. اختفت نيها تماماً.

بغيابها الكامل، عادت الحياة كما كانت. عدت أتفتل في السوبرماركت أسفل المبنى بدون التلفت حولي، أسبح على السطح وحدي، أتنفس الصمت في الساونا.

لعل نيها كما جميع البشر هنا، عابرة، شبح نفسها، وحدها ولكن وجهها كل الوجوه وكل الوجوه وجهها. في المولات، في مواقف السيارات، في الأبراج وخلف الزجاج، بدا الكل كلاً واحداً. يُجمع البشر هنا على الأشياء نفسها دون تصريح، ولأنهم عابرون فهم راضون بموقعهم في خلية المدينة، عش النمل العملاق هذا، ويرى كل فرد نفسه في مكانها الطبيعي.

تساءلت عن مكاني الطبيعي. هل يشعر الآخرون أنهم يقترفون ذنباً بوجودهم هنا؟ كم مرة يتصلون بأهلهم في الوطن؟ هل يودون العودة؟ لا أحد يود العودة، في العودة اكتشاف لتغير الوجه وذاك لا يحتمل.

هل عادت نيها إلى باكستان؟

كانت تلك أياماً حارة، وكنت أكثر الصمت. التم بعض العرب في الشركة على نفسهم واعتادوا قضاء ساعة الاستراحة متحلقين حول طاولة على الترّاس، يتحدثون أحياناً في السياسة وأغلب الأحيان عن فروقات الحياة هنا مقارنة ببلدانهم. أغلبهم سوريون ولبنانيون، حاملين معهم خيباتهم ونقماتهم وعقدهم الصغيرة، فانضممت بطبيعة الحال؛ مرة يجلس معنا مصري، ومرة جزائري، ولكن سرعان ما ينسحبون. بعد فترة، انسحبت أنا أيضاً في النهاية وقد سئمت السم المدار على الجميع. في تلك الجلسات، كنا ذليلين، وضعفاء، ونمرر العجز وتبريراته بيننا ليصادق عليه الجميع، ونختم بالجملة الحتمية «لا يفسد للود قضية» كلما جرى نقاش، وكأنه تأكيد على تفاهة كل ما قيل وسيقال، على انعدام وزنه، على الخشية من النبذ، القناعة بأبدية الخيبة.

فضلت التحدث مع الأجانب حتى لا أتحدث أبداً عما يهمّ. أردت تجنّب الألم. كنت عاجزة أمامه.

·

رأيت زوجها قبل أن أراها. عرفت لاحقاً أنه زوجها، ونسيت اسمه سرعان ما سمعته. كانا داخلين إلى المبنى وأنا في طريقي للخروج، ولاحظنا أنا ونيها بعضنا من خلف زجاج الباب قبل أن يُفتح. ارتبكت للحظة بين الوقوف مكاني واجتياز الحاجز الزجاجي، ولكنها كما في لقائنا الأول كانت المبادِرة، ولو حاولتُ المرور بجانبها لأوقفتني.

ودُّ الغرباء مربك، يكشف وهن الحدود بينك وبين الآخرين، يقدم محبة بدون وعود. حضنتني بصورة مفاجئة، بذراع واحدة، ضاغطة ذقنها على كتفي، وعندما خطت إلى الخلف كانت الابتسامة تغمر وجهها. أسنانها كبيرة وشديدة البياض. تبادر لذهني سؤال سخيف عن عدد المرات التي تنظف فيها أسنانها يومياً، عن نوع معجون الأسنان وقساوة الفرشاة، عن اسم دكتورها.

من رآنا من بعيد كان ليظن أننا أصدقاء عمر نلتقي بعد غياب سنوات، وها أنا في الردهة أستقبلها. قررت أن أتخيل نفسي هكذا، أرحب بصديقة قديمة عادت إلى البلاد متزوجة، ولأنني دقيقة في حرصي فقد بعثت أحداً من قبل ليستلم حقائبها ويوصلها إلى الشقة. أكملت لعب الدور، سلمت على زوجها بمودة الغرباء تلك نفسها، وابتسمت خجلاً عندما عرّفت عني باسمي، خفيف بلكنتها، بأنني “من أخبرتك عنها، تذكر؟”، وحين كذبتْ عليه بأننا التقينا “أكثر من مرة” وخرجنا معاً هززت رأسي، وكّدت الكذبة الناعمة بدون تعثر، بكل عفوية، بتآمر الأصدقاء القدماء.

انتهى اللقاء سرعان ما حدث. دعاني لتناول الغداء عندهما لاحقاً، وعدتني نيها بأنها ستتصل، وغادرا. غادرت أنا أيضاً مقطوعة النفس كمن خرج من زوبعة. زوبعة اجتماعية تكبر وتزداد استشراءً كلما زادت الأحاديث، وحتى بخروجي منها بقيت أشعر بها تدور خلفي لتبتلع ردهة الاستقبال والشقة والمبنى كاملاً.

بالرغم من الحر، كنت أسير طويلاً في الشوارع. أسير لأتعرف على المكان، لأجد الفراغ بين التكدسات، لأحفظ أسماء أماكن لن أدخلها، لأعرف كيف أدل إن سُئلت.

لماذا كذبتُ؟ لماذا كذبتْ؟ ظل يزوبع في رأسي ما قالته “من أخبرتك عنها، تذكر؟” ويتضاعف حرجي مع كل استذكار للجملة.

كان الشعور بالانكشاف لا يحتمل، طاقة أقوى مني تشدني، تمسكني وتسحبني عنوة. أدركت أن مجاراة الكذبة كانت انصياعاً للجرجرة هذه. جاريتها وقبلت بذلك استخراجي من نفسي إلى نفسها، ونفس زوجها، ونفس المكان. صرت اثنتين، واحدة هنا في عتمة الشارع لا يعرفني أحد، وأخرى هناك في بهو المبنى، مُخبر عنها، مذكورة يُذكّر بها.

كان ثمة حرج في ذكرى المشهد، ولكن قوة أيضاً. سرعة تلقّف الإشارة من نيها، توليفها بدون أي تواصل يفوق نظرة عين، التلقائية في استكمال الكلام وكأنها تعبير عن قدرة مضمرة داخلي على لبس جلد آخر، عن مكنون غير مدرك صار في لحظة الكذبة ملموساً، أشمه في شعرها أثناء العناق، أحس به في الأصابع الطويلة السمراء على ذراعي، حركة تبنّي، مؤَالفة، رقيقة ولكنها ثابتة، الفضول في ميلة العنق.

هو ود الغرباء، ولكنه كذلك دعوة.

تلكأت في العودة إلى البيت ذاك المساء خوفاً من اتصالها. لم أمانع تناول الغداء أو العشاء معهما، ولكنني لم أشأ أن يكون اليوم. عندما اجتازت الساعة العاشرة، عرفت أنه لن يكون، وعدت.

·

لم أتناول العشاء عندهما، ولكنني صرت ألتقي نيها بشكل متقطع عند مسبح المبنى. أعرف متى أصعد لأجدها، متى أصعد لأتجنبها. كانت دقيقة في مواعيد السباحة على عكس كل شيء آخر.

الناس هنا يتحدثون عن الطقس كثيراً، عن الحر الذي يبدو وكأنه لشدة حضوره ذات منفصلة بحالها، ومتى ما دخل الحديث يدخله كشخص لا حالة مناخية. نيها لم تتحدث عن الطقس مطلقاً؛ ظلت تصعد إلى المسبح حتى قالوا لها إنه أغلق حتى الموسم القادم.

قالت إنها تنحدر من إسلام أباد، أمها طبيبة، والدها من رجال أعمال باكستان، وقد زارت الإمارات كثيراً في طفولتها ودرست في إحدى جامعاتها، ولكنها لم تستقر إلا مؤخراً مع زوجها. لم تزر بلدها منذ سنوات، ومع ذلك بدا أن لديها اعتزازاً بمنشأها — يغطي ويموه الاعتزاز الحقيقي كما سأكتشف لاحقاً باختلافها عن الصورة النمطية لنساء بلدها؛ كانت تلبس الفساتين القصيرة، تدخن، تتحدث بطلاقة عن الرجال والعلاقات، وبدت خبيرة بالحياة مجربة، وتساءلتُ بالفعل لم رأيتُ كل ذلك غريباً لمن مثلها. كانت تجرني إلى أحاديث كثيرة لتنهيها بالقول “لم تتصوري ذلك، صح؟” وتلمع عيناها بالرضى عما تقدمه لي من معلومات، بإثراء عالمي، بأمومة مدرّسة في عامها الأول من التدريس، قبل أن يجفّ قلبها، وكل ذلك بغياب ملحوظ لأي تكبّر أو غرور. بدت كأنها تستمد سعادة محضة من نقض تصوراتي وظنوني، حتى بدون أن أعبر عنها. كنت أُكثر من ادعاء الجهل لأريحها في الكلام وأرتاح من المواجهة، ولعلي كنت أفعل ذلك لمتعة دفينة بامتصاص حياتها بدون شوائب كمن يستمع لقصة صوتية يستطيع إيقافها متى يشاء ويبقيها شغّالة حتى لا يعم الصمت، ولم أشعر بالإهانة من أسلوبها ذاك لأنني، وبشكل مقابل لربما لم تلحظه هي، كنت أتعامل معها بدوري كعيّنة أنثروبولوجية. لم يشعرني ذلك بالذنب، وذلك أشعرني بالذنب.

أجل، كانت نيها مختلفة عن الصورة النمطية للباكستانيات. في الوقت عينه، لم أحدس فيها تميزاً خاصاً، بل كانت عادية جداً باهتماماتها، وبالرغم من ذلك كنا نقترب من بعضنا، تقضم كل منا من نفسها لتفسح مجالاً للأخرى. هل كنا لنكون أصحاباً في أي ظروف مختلفة؟ كنت أشعر أحياناً أننا نمل بعضنا – الواحدة فينا ترى نقصاً في الثانية، من جهة لا أحترم الاختلاف الباكستاني عن الهندي، ومن جهة تظن أن مصر في وسط أفريقيا وأن لغزة حدوداً مع سورية – ومع ذلك بقينا نلتقي. كان أصغر خوض في السياسة يشوّه وجهها؛ تزمّ شفتيها وتغمّص عينيها وتردد كلمة “حرام” كثيراً كلما سمعت عن مأساة جديدة.

القدوم إلى هذه البلاد أشبه بالخطو فوق الحافة المقوّسة للكوكب، والعيش فيها يفصل المرء حتى عن بلاده. كانت نيها جاهلة بالشرق الأوسط، وجاهلة ببلادها أيضاً؛ ككثر هنا، كانت فخورة ببلدها بدون أي اهتمام به، فخر تحمله معها للتعريف بالنفس، لإعطاء بُعد، للإرساء في مكان وزمان معينين.

بجوار المسبح، هاربتين من ذواتنا القومية، من ثقل التاريخ، فائض بلادنا المُصدّر، عمالة ماهرة وغير ماهرة، نتبادل الحديث عن باكستان وسورية، بلدين حقيقين، بلدين متخيلين، وإحدانا لا تعرف كم الحقيقة في كلام الأخرى، وكم التلفيق، وكم ستسامح الواحدة الأخرى على ذلك لو تصارحنا، ولكننا لم نتصارح أبداً؛ بدا وكأن أغلب أحاديثنا تجري عبر غشاء رقيق حلو مشدود بيننا، ولو مررت إحدانا أصابعها فيه لخرَقته، لانزلق على راحة يدها كأثر حلزون، لرأت وهن الفاصل.

متى تحدثنا عن الإمارات، كنت أرى مستعمرة نمل تغرق في ماء. لم أعرف أي نملة أنا، أي نملة نيها. هل تعرف النملتان أي واحدة تكون؟ لربما في كارثة الغرق، تُعيد الطبيعة بسخاء كتابة الدور الاجتماعي في الجينات وتصير كل نملة حرة بمن تكون، ولذلك لا أهمية للتساؤل أي الغارقات نحن.

«عندك حبيب؟» سألتني.

«لا.»

توقعت أن تستفسر عن السبب، ولكنها لم تفعل. أومأت ودعتني إلى الغداء.

لأول مرة منذ لقائنا في بهو المبنى مع زوجها، شعرت أن الدعوة جدية.

·

توقعت أن أدخل البيت لأشتم روائح عجيبة ربطتها في مخيلتي بالهنود والباكستانيين، ولكن ما انبعث من الصالون كانت رائحة المنظفات فقط، ورائحة أخرى أقدم، رائحة غياب، أو لعله الكافور. أغلب الأثاث متقشف البياض، كأن دهراً قد مر عليه حتى انسحبت منه كل الألوان. وقفت نيها وحدها يعتريها اللون، وضوء الظهر الساطع يغور في الشقة كأنها شفافة الجدران، يتجمع في نجوم صفراء مشعة فوق الزجاج الرقيق لأطر الصور ليخفي الصور، وحيث صبّت أعمدة النور على الأرض تطايرت ذرات الغبار بمنطق خاص بها، أبدي، لا تحط ولكنها كذلك لا ترتفع.

كانت تلك أول مرة أكتشف أن شقق المبنى ليست كلها غرفاً منفردة ضيقة ومعتمة، وعندما قالت نيها إنها وزوجها كانا على وشك أخذ شقة أخرى في هذا المبنى نفسه، أكبر وبغرفتين وثلاث حمامات بدل غرفة وحمامين، تذكرت إعلانات استئجار أسرّة في غرف مكتظة وارتحت لكوني في منطقة وسط، بأن السلم يمتد إلى الأسفل كما للأعلى، بأنني لست مضطرة للنظر إلى نيها من دنو سحيق.

لم أدرِ أين أجلس، ونيها لم تدعوني إلى الجلوس، بل أخذتني معها إلى المطبخ وكأني قد دخلت بيتها مئة مرة من قبل.

ظننت أنها ستطبخ شيئاً ما، أو لربما طبخت من قبل، ولكنها ارتكت على البراد وسألتني ماذا نطلب.

بهذه الصورة، في بيت نيها، قضينا الكثير من أيام الخريف. كان الطقس رائعاً ودبي في أجمل أيامها، وحين أصعد إلى شقة نيها إما نجلس على البلكون أو نبقي بابه مفتوحاً. نشاهد مسلسلات على نتفليكس، نأكل الأناناس حتى تتشقق ألسننا، أحدثها عن شغلي والناس فيه حتى باتت تعرف أسماءهم وتحفظ خيوط علاقاتي معهم. كان زوجها غائباً معظم الوقت، وكانت تشكي من أنها تريد العمل أيضاً، حتى أنها طلبت مرة أن أخبرها عن الشواغر في الشركة حيث أعمل، ولكن بدا لي أن جانباً معتبراً منها مرتاح للحياة هذه؛ مطاعم تطبخ لها، امرأة تأتي لتنظف بين اليوم والآخر، زوج حاضر بعيد، مجموعة محدودة وبسيطة من الخيارات لاتخاذها كل يوم، لا هموم كبرى — كنت لأكون مرتاحة بحياة مشابهة، ومع ذلك أضمرت لها احتقاراً.

ولكنني اخترت البقاء معها في بيتها. أحسست أن صداقتها أسهل من التعرف على آخرين جدد، خفت أن ألتقي ناساً تغيرني وكنت مع نيها بمأمن من ذلك، داخلي أحمل شعوراً بالتفوق عليها، وبذلك لم تكن هذه المرأة تشكل تهديداً على كياني.

خلال فصول الشتاء، خفّت لقاءاتنا. كانت هي في العادة من يتصل ولكن مضى أسبوعان بدون أية دعوة. مررت بها عدة مرات في بهو المبنى أو أمام المصاعد، وحدها أو مع زوجها، وكانت دائماً متأنقة، صوت كعبها حاد وواثق على البلاط، إما في طريقها إلى مناسبة أو راجعة من واحدة. متى اتصلت لأدعوها لنخرج سوية، كانت تعتذر.

في كل مصادفة، كنت أشعر أنني لا أليق بها، أنها بالفعل تعيش في عالم مختلف ومنفصل عني لم أر منه إلا جزءاً، الجزء الذي سمحت لي هي برؤيته.

نيها لم تدخلني إلى عالمها، بل فتحت لي شباكاً صغيراً فقط وأنا من أصر على التسلق من خلاله وانتهى الأمر بي عالقة، وجهي باتجاهها، قدمي مكانهما، لا أستطيع الحراك لا هنا ولا هناك.

كنت في السابق أنزعج من كثرة اتصالاتها، وظننت أنني أردت مسافة بيننا، ولكنني تخيلت أن الرفض سيجيء مني لا منها، أنني أنا من سينشغل، أنا من سيضع المسافة؛ أشعرني انقلاب الأدوار بالإهانة. لربما لم ينقلب دور على دور. لربما كانت الأدوار دائماً هكذا.

مرة، بعد أن تمكنت من التقاطها لعدة ساعات قبل أن تنزلق من يدي إلى أيدي الآخرين، سألتها، بين المزاح والجد – خجلاً من الألم لا لأن اللسعة لم تؤلم – لماذا لا تدعوني مع أصدقائها.

«صراحة… أقول لنفسي إنه لن يكون معك مال كاف ولا أريد إحراجك.»

كنت رفيقة البيت فقط إذاً، تتسلى معي بمأمن عن عيون أصدقائها الأثرياء، تبقيني بين جدران بيتها وحالما تخرج تستبدلني بناس أنسب للخارج. لقد قررتْ مسبقاً أنني هكذا وفكرتُ أن العكس، ولو كان صحيحاً، لا يعنيها. تلك المنطقة الوسط على السلم – وكأن نيها دفعتني درجة أو اثنتين للأسفل، ظلماً وعنوة.

هل لديها أشخاص تنتقيهم لكل أمر، تخصص لهم أدواراً، تملأ زوايا مختلفة من عالمها بأناس مختلفين؟ لعلها ترسم دوائر لا تتقاطع، لعل دنياها حلقات داخل حلقات، فلك متباعد الأطراف يستحيل السفر بين أجزائه. وحدها نيها تتجول فيه، تتنقل بحذر حتى إذا انهار جُحر في هذه الشبكة الواسعة لا يهدد بدماره البقية.

اعتذرتْ. أمسكت بيدي وقدمت اعتذاراً طويلاً محموماً ودّت أن تبدد من خلاله أي ظنون. قالت الكثير عن نفسها والقليل عني، وأكدت أنها قد خططت لتعرفني على أصدقاء لها بأية حال ولكنها كانت فقط تنتظر وصولهم إلى دبي. تحججت بزوجها كثيراً، مؤكدة أن أغلب مشاويرها معه بكل حال ولذلك يجب ألا أسيئ الظن بها. قامت لتعد الشاي بدون الانقطاع عن الحديث، تفتل من زاوية لزاوية في المطبخ، تتوقف يدها فوق سطح ما لتنظر إليّ، تفتح درجاً بين الجملة والجملة، ومتى قالت شيئاً يهدد بكشفها ولو قليلاً، تشيح بوجهها عني.

كنت أفكر أنها تتصنع العفوية، وتساءلت كيف لأحد أن يجمع نقيضين بهذه التلقائية. كنت مدركة لتكلفها وتقبلته، أرى تصابيها وصباها في الوقت عينه. كنت في ملاحقتي لحركاتها كمن يقلّب نظره بين صورتين لشخص واحد ويميز الشبه تفصيلاً بعد تفصيل، يدرس الشابة في الطفلة، العازبة في الزوجة، الصدق في الكذبة.

حالما انتهت مرافعتها ووصل كأس الشاي أمامي، نسيتُ كل ما قالته، ولكنني سامحتها، أو هكذا أقنعت نفسي.

بعد ذلك، لم نلتقِ لمدة طويلة. كان الحر قد اشتد، وكذلك الحرب. الحرب التي كانت تحدث على الشاشة فقط، الحرب التي بدا أن كل ما حولي يناقضها وفي الوقت يعنيه يحمل جوهرها. أدركت أنني في الوحدة أُكثر من قراءة الأخبار، وأن قضاء الوقت مع نيها قد فوّت عليّ الكثير منها. كنت ألاهث للحاق بما جرى، ألاهث لسباق بطءٍ فيّ.

كنت أتمنى أن ألتقي نيها في بهو المبنى فقط لأراها في خضم الانتقال إلى مبنى آخر، أو منطقة أخرى، بل بلد آخر تماماً. أردت رؤيتها محاطة بالحقائب، على وشك الرحيل، كما تخيلتها أول مرة؛ سأودعها على عجل لضيق الوقت، وستمثّل كلتانا الأسى على قلة الزمن المتبقي بينما نرتاح في قريرتنا لقلّته، وسأتمنى لها التوفيق والسعادة وأكذب في ذلك.

بعد فترة، اتصلت لتدعوني لا لتودعني. لن يكون لقاءً عادياً كما أخبرتني؛ سنبدأ من بيتها لتناول الغداء مع أصدقائها – من طبخها هذه المرة – ثم سنخرج. إلى أين، سألتها.

«مفاجأة.»

لقد كان صوتها خلال المكالمة ذاك الصوت القديم الذي سمعته في حجرة البخار لأول مرة، عالياً حاداً، يتموج مسرعاً إلى نقطة استقامة يتباطأ فيها ليكمل العدو.

في المقابل، كان صوتي جامداً وأنا أوافق.

انتقيت ملابسي بعناية. لم أرد لها أن تظنني جاحدة، أو أستخف بجدية محاولتها ردم الشرخ بيننا. أردت لها أن ترى جديتي أنا أيضاً، وقدرتي على صعود السلم لمجاراتها. لن أدخل عالمها تسولاً أو توسلاً، ولن آتي إليها للنزول في كنف رعايتها. سأكون أنا، وستكون هي، وسنتقاطع حتى أقرر العكس.

أمام المرآة، كنت أرسم في ذهني مخططات كبيرة، أرى المسار الذي سأتبعه معها، أعيد مراجعة ما تعلمته عنها ومنها. كنت أعد نفسي لدخول مسرحها ولم أتخيل، ولم أكن لأتخيل، أنني سأرى الجُحر كما هو، على حقيقته.

سنمثّل، ولكن بين الركام لا أكثر.

من فتح لي الباب لم تكن نيها، بل شخص آخر. رجل، ولكنه ليس زوجها. وسيم طويل بسحنة جنوب آسيا، متأنق وجاهز الابتسامة، قال إن اسمه سمرات، وعرفني باسمي فوراً. كان حضوري متوقعاً ومعلناً إذاً. عرفت أنه هندي، وهندوسي.

كان البيت معتماً، ولأول مرة، كانت تفوح منه رائحة بيت. شعرت به مسكوناً بحق، حتى بهذا الجسم الغريب أمامي، كان بوسعي أن أتخيل أنه دائماً كان موجوداً. هل هكذا كان البيت حين أكون فيه مع نيها؟ كان صاخباً، ولكنه لم يكن سوى صوت التلفزيون.

سألته عن نيها.

«تتحدث على الهاتف.»

لم يتسنَّ لي معرفة الكثير عن هذا الرجل. في الحقيقة، لم تتسنَّ لي معرفة أي شيء. خرجت نيها من غرفة النوم بعينين زائغتين وابتسامة مرتجفة، أخذتني بين ذراعيها، أطرت على شكلي، أعادت تعريفي على صديقها وكأنه لم يكن من رحب بي في بيتها. حثته على الجلوس وسحبتني من ذراعي إلى المطبخ حتى أرى كل ما طبخته. حالما توارينا عن نظر الرجل، استدارت نحوي بفزع مكبوت ولكن ابتسامتها بقيت مثبتة على وجهها وكأنها تدافع بها عن نفسها.

«زوجي على الطريق.»

لم أفهم، ولكن عدم الفهم لم يدم إلا ثوانٍ ومع ذلك أنا كذلك دافعت عن نفسي بادعاء الجهل. أدركت في قلبي ما يحدث قبل أن أستوعبه تماماً، وأدركت أيضاً أنني سأُطالب أخيراً بدفع ثمن دخول عالمها، أنه لم يكن يوماً معروضاً بالمجان وأنني لم أتبوأ أي مكانة مميزة عندها لتدخلني إليه بلا مقابل.

كانت لحظة فاصلة — إن دفعتُ أدخل، وإن رفضت أخرج بدون رجعة.

سألتها من يكون الرجل الجالس في صالونها الآن، سألتها وأنا أعرف الإجابة، سألتها لأطمس الصمت بيننا، لأطيل اللحظة قبل سقوط السقف.

«حبيبي.»

«فليرحل قبل قدوم زوجك.»

تغضّن جبينها، فتحت قوس شفتيها، أغلقته؛ جعلها اليأس تبدو أكبر سناً، جعلها تبدو غبية، المسكرة السميكة تتكتل في حبيبات على رموشها، وإن احمرّ وجهها فقد أخفته طبقة الكريم المتشققة. قبضت على ذراعي بيد متعرّقة. «اليوم آخر يوم.»

لربما قصدت أنه آخر يوم لأنه سيسافر بلا رجعة، أو أنه آخر يوم لأنها ستنهي العلاقة، أو لعله آخر يوم قد تطلب فيه مني أي شيء على الإطلاق. شعرت بقوة، بسيادة عليها، شعرت أنها قد قدمت لي، طوعاً وإكراهاً، أدوات أذيتها لأستعملها كيف أشاء. لأول مرة، كانت هي من يسعى للعطف لا أنا.

أطلت أمد الإجابة لأعذبها، لأدفعها لقول المزيد، لأتركها تنطبخ في حماقاتها. أطلت أمد الإجابة لأنني لم أدرِ ماذا عساي أقول. لم تخفف السلطة التي استلمتها بخطف البصر من الشعور القاهر بالإذلال. تلك الرائحة التي ميزتها حال دخولي لم تكن سوى رائحة نيها وعشيقها، رائحة الجسدين في الخفاء، رائحة شيء لا علاقة لي به.

عندما وصل زوج نيها بعد فترة قصيرة، كان الأكل منشوراً على الطاولة، الأنوار مضاءة، وكنت أجلس بجانب سمرات، ذراعي بذراعه. كم كانت غريبة ومثيرة تلك القابلية لتمثيل الألفة، تماماً كما فعلت في بهو المبنى مع نيها نفسها قبل أشهر. تحدثت كأنني أعرف الرجل المتعرق القابع جانبي منذ سنوات، كأنني عشت معه حياة كاملة. في لحظات قليلة، اخترعته. كنت أميل رأسي على كتفه وأضحك على نكاته، أضع يدي على ركبته لأذكره بتلك السهرة الشقية العام الفائت، أهز رأسي حين يتحدث عن عائلته. كنت بين الحين والآخر أنظر إلى نيها لأرى مدى رضاها، لأحدس مشاعرها، لأقول لها أنا أكذب أحسن منك. بدت لي مشلولة، مستسلمة ومُخضعة. كنت أقوى منها بكثير، بل سبقتها في مضمارها. لقد سمحت لي بالدخول بشروط ولكنني كنت أعيد توزيع كل ما رتبته.

مضت ساعات على تلك الحالة حتى انزلق أربعتنا في الدور، لا أنا ونيها وحدنا. انغمست في تفاصيل العلاقة الكاذبة حتى تخيلت نفسي أعود إلى البيت مع زوجي، زوجي الذي أعلم بخيانته، الذي قدمته طوعاً لــنيها كقربان، ضحيّت به على أبوابها مدركة أنها ستبعثه وتعيده إليّ لنأكل منه.

كنت آكل منه، ومن نفسي. أمن هنا أتى كل هذا الغثيان؟

كأنه اكتفى من آثار أسناننا على لحمه، أعلن سمرات نيّته بالمغادرة. وقع قلبي في وقوف زوجي بهذه الطريقة المفاجئة، قراره المستقل هدد بإنهاء المسرحية. رأيت السحر ينقشع، كان وكأنه يهم بالرحيل بدوني، يفسخني عنه، يعلن زيف الرابطة بيننا. أمسكت بيده، مازحته بشأن البقاء، ولأول مرة منذ بداية السهرة التقيت عينانا بحق، نظر كل منا في وجه الآخر عن قرب، ورأيت في عينيه ذعراً حقيقياً لم يعد يستطيع كبته. أدركت على الفور أنني إن لم أقف معه الآن وأغادر، سأطْمرُ.

كان شديد البرود مع نيها. أومأ لها فقط عند الباب بدون أي ملامسة جسدية، وفي المقابل ودّع زوجها بشيء من الأخوة، وكأنه رأى مذلّته داخل هذا البيت قاسماً مشتركاً يجمعهما. على غير عادتها، لم تحضني نيها بقوة. كان عناقاً جافاً، ذراع ملقاة بخمول على كتفي. لم ننظر في عيني بعضنا.

لقد كانت تطردني بلا رجعة.

كنت وسمرات نحبس أنفاسنا حتى بعد أن أغلق الزوجان الباب بينهما وبيننا. وقفنا لحظة مشدوهين، كمن خرج لتوه من حادث سيارة مريع ليكتشف أنه لم يمت. أنوار البهو صفراء تئز في الصمت، ومن ثم وقع قدمينا على البلاط حتى المصعد. أردت التحدث وقول شيء ما، ولكن زيف الشخصية التي اختلقتها في بيت نيها بان جلياً وفي ثوانٍ عاد هذا الرجل غريباً، لم أعرفه ولم أتعرف عليه.

في مرآة المصعد، استرقت النظر إليه؛ يحدق في الأرض، جفنه الأيسر يرتجف، أنفاسه ساكنة لكن متقطعة، يده تعبث بسوار قميصه. كان النظر في إهانته يخلط عليّ مشاعري. ألا يستحق ما حدث له وهو الذي يواعد امرأة متزوجة؟ وماذا عني أنا، ألم أنقذه، ألم أخرجه من مأزق على حساب كرامتي الشخصية، بالرغم من جهلي به؟ لم أر فيه أي امتنان. في الحقيقة، لم أرَ فيه شيئاً، وأدركت أنني بعد شهر، أو سنة، سأنساه. سأنسى نيها أيضاً.

ما بدا أنه محور حياتي لعدة أشهر تلاشى بسرعة، انقطع سيله، احترق في انفجار سريع عنيف. لربما كان ليليق به موت أبطأ، ولكنني بخروجي من المصعد تيقنت أنه مات بالفعل.

لم أعد أرى نيها عند المسبح. في غرفة الساونا، قلبت الساعة الرملية، سكبت الماء فوق الحجارة، وأخذت المقعد العلويّ. بعد مدة صمت عميق، دخلت امرأة. اعتذرت على فتح الباب وهي تغلقه، وتمددت على اللوح الخشبي تحتي.

«هل أتيت إلى الساونا من قبل؟ لم أرك سابقاً.»

·

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع