عين سحرية.. العدالة العمياء في مواجهة سيف القانون

عين سحرية

محمود عماد

رمز “سيدة العدالة” هو أحد أشهر الرموز المرتبطة بفكرة العدل في الحضارة الإنسانية. امرأة تحمل ميزانا بكفتيه في يد، وفي اليد الأخرى سيف القانون، بينما تعصب عينيها، في إشارة إلى أن العدالة يجب أن تتحقق دون النظر إلى الأشخاص أو الظروف.

من هذا التصور يبدو أن القانون هو الأداة التي تتحقق بها العدالة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا؛ فالعدالة معنى أوسع وأسمى، قد يتحقق بطرق مختلفة، بينما يظل القانون منشغلا بالنصوص والقواعد، ومن يخرج عليها يصبح خارجا عنه.

ومن هنا يظهر السؤال القديم: كيف يتحقق العدل؟ هل بالالتزام الصارم بالقانون، أم بالسعي إلى العدالة حتى لو تجاوزت القوانين؟

من هذه الإشكالية ينطلق مسلسل “عين سحرية”، قصة وسيناريو وحوار هشام هلال، وإخراج السدير مسعود، وبطولة عصام عمر وباسم سمرة ومحمد علاء وآخرين.

عادل/ عصام عمر، فني الكاميرات الشاب المطحون في الحياة، المثقل بذكرى الأب، التي تثقل حياته، فتمنعه من العمل بشهادته الأصلية في الهندسة، وتصعب من زواجه. الأب، الذي هو الأمان، يصبح رمزا للفقد، وأيضا عاملا في شل حياة الابن، وذلك لأن الأب مات في السجن، وحمل عادل ميراثه بوصمة لا تزول.

يشبه عادل أي شاب نعرفه، هو ابن الطبقة الوسطى التي تأخذ في الانسحاق بشكل ما، تربطه علاقة وثيقة مع أمه، وعلاقة أكثر تعقيدا مع أخيه الأصغر، الذي يعاني من مرض السرقة القهرية.

يقبع عادل في بؤرة العادي، الذي يواجه مشاكله ومشاكل طبقته ومشاكل الحياة بشكل عام، دون قوة حقيقية، فقط بتسيير أموره.

تضع الصدفة المحامي زكي غالب/ باسم سمرة في طريق عادل؛ الرجل ينتمي للقانون، ومن المفترض أن يكون من رجاله، لكنه أن يكون من رجال العدالة.

يريد زكي التعاون مع عادل، وأن يطلق له العنان، ويقنعه بامتلاك شاب مثله لسلطة كبيرة، سلطة العصر. يريد المحامي الذكي أن يضع كاميرا صغيرة “عين سحرية” للفسدة والظالمين، ثم يقوم بابتزازهم وفضحهم، وهنا تتحقق العدالة من وجهة نظره.

العين السحرية التي تتلصص على العدالة، تتبع الفساد لتقتلعه من جذوره، تحقق منفعة ذاتية، لكنها بشكل ما تنتصر للشعب بطبقته الوسطى، أو بمعنى آخر السكان الأصليين للبلد.

هنا يطبق مبدأ روبن هود، السارق الشريف، الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، لكن بصبغة عصرية بعين متلصصة ترى ما خلف الجدران.

يرفض عادل في البداية، ويتمسك بالقوانين، ويجتمع مع زكي في “مسمط الشعب”، وهو اسم يحيل إلى معانٍ كثيرة، وهنا تحديدا يحدثه المحامي عن اكتشاف الأمريكتين وكولومبس، والسكان الأصليين الهنود الحمر، وهو إسقاط على أن المظلومين والطبقة الوسطى التي ينتمي إليها عادل نفسه هم السكان الأصليون، أمام الفاسدين الذين يمثلون كولومبس في رواية الأمريكتين.

يعالج السيناريست هشام هلال أفكار زكي غالب بجمل حوارية فلسفية، تبلور رؤيته للعدالة والقانون، وكيفية تحقيق العدل، ليؤسس الكاتب لروبن هود مصري بمواصفات العصر.

تبدو فكرة الابتزاز ضربة قاصمة في مفهوم العدالة العمياء، وهو ما يراه عادل في البداية، ولكن رد زكي يكون بأن العدالة تحتاج إلى مصاريف لكي تتحقق.

يصدق عادل مفهوم زكي عن العدالة، عندما تصاب أمه/ سما إبراهيم بالمرض نتيجة عملها، ويرفض صاحب المصنع الذي تعمل فيه أن يعطيها حقوقها. هنا، وباستعمال أداة زكي ذاتها، يحقق عادل العدالة لأمه.

يشعر عادل للمرة الأولى أنه يمتلك القوة اللازمة لتحقيق العدل، وفي الوقت ذاته الحصول على الأموال، في هذه اللحظة يفقد عادل إيمانه بالنصوص في سبيل المفهوم الواسع للعدالة.

يعبر السيناريو، ومعه الصورة، عن لحظة التحول في شخصية عادل، وعن انضمامه لزكي لأول مرة بكامل إرادته بمشهد في “مسمط الشعب”. في كل المرات السابقة كان زكي هو من يأكل وعادل لا، لكن في هذا المشهد يبدأ عادل في الأكل بنهم، لأنه، ولأول مرة، آمن بمبدأ العدالة العمياء كما يؤمن به زكي تماما.

رسم شخصية عادل مفهوم للغاية، هو إنسان بسيط، وبهذه البساطة يؤدي عصام عمر الدور بتمكن شديد، هو يمارس السهل الممتنع مثلما يفعل دائمًا في أعماله. يعبر بوجهه عن مشاعر الشخصية، ويستخدم عينيه ليصل إلى قلوبنا ومشاعرنا، مقدما تحولات عادل من الانسحاق إلى القوة التي اكتشف امتلاكها.

شخصية زكي غالب مرسومة بحرفية كبيرة، هو رجل العدالة الروبن هودي، وفي الوقت ذاته يقع في منطقة رمادية، في البداية لا تعرف هل هو شرير القصة أم شخصية طيبة، يتقاطع مع العدالة ويقع في غرامها، ولكنه يختلف مع القانون في تطبيق العدل.

يعاني زكي من الفقد، الفراغ الذي يملأ قلبه بعدما فقد ابنته، حدث ذلك في الماضي الذي يثقل كاهله، وهو ذاته الذي يجعله لا يترافع في المحكمة، ويكتفي بكتابة المرافعات.

يضفي باسم سمرة ذلك الغموض على الشخصية أكثر؛ فهو يتفنن في كل مشهد، ويتقلب بين الرجل القوي، والأب المكلوم، يستخدم عينيه أيضا، وكأن العيون في هذا المسلسل هي البطل، وهي المعبر عما بداخل الشخصيات من مشاعر وتخبط.

العلاقة بين عادل وزكي تبدو في البداية بحثا عن تحقيق العدالة، تظهر وكأنها علاقة منفعة ذاتية وعدالتية في الوقت ذاته، لكنها بشكل ما تقوم على منطق الفقد الذي يعاني منه الاثنان.

عادل يعاني فقد الأب، الأمان الأول، وزكي يعاني فقد الابنة ويشعر بالفراغ واللا معنى يغزو حياته؛ لذلك تضحي العلاقة بمفهومها الإنساني متجلية أكثر من المفهوم النفعي: لابن وجد أبا، وأب وجد ابنا.

يتفنن المخرج السدير مسعود في إضفاء صبغة حيوية للغاية على أجواء المسلسل بشكل عام، وعلى علاقة عادل وزكي بشكل خاص، يبرع في رسم كادرات معبرة تخدم القصة، وليست مجرد استعراضات.

فنرى الكادر المائل، والكادر الذي يحتوي على فراغ، وذلك في مشاهد الشد والجذب والتوتر، والمشاهد الأولى التي تجمع عادل بزكي، والتي تشي بالكثير من الترقب، وتلك الكادرات لا تستخدم بعد التقارب الذي يحدث بين الشخصيتين. وعلى العكس من ذلك نرى الكادرات التي تجمع عادل بأمه، والتي تكون مريحة بشكل كبير؛ لتدل على عمق وحميمية العلاقة بينهما.

يذهب المسلسل بعد ذلك لتتكشف خيوطه أكثر فأكثر بظهور شخصية شهاب الصفطاوي/ محمد علاء، الذي يظهر بصفته الشرير الحقيقي للقصة، وليس زكي غانم.

شهاب هو المحامي الشهير صاحب النفوذ، القانون لعبته، يستطيع التلاعب بنصوصه ليصنع سطوته ويحقق كل مآربه، ليس شريرا تقليديا، بل يملك فلسفته الخاصة، والتي يعبر عنها محمد علاء دون تكلف أو قولبة للشر. تربطه علاقة معقدة بزكي، الذي كان أستاذه، ويكشف السيناريو تلك العلاقة خطوة بخطوة.

وهو أيضا مدفوع بشعور الفقد العميق؛ فخسارة أخيه لم تأخذ منه مجرد الحاضر، بل اقتطعت جزءا من جانبه الطيب، وأثرت في إيمانه بالعدالة ومفهوم العدل ذاته.

يصبح فريق تحقيق العدالة، عادل وزكي، في مواجهة شهاب، الذي يمثل سيف القانون، وذلك من أجل تحقيق العدل، ومع ذلك هناك رغبة في تحقيق انتقام شخصي منه لدى كل منهما.

يجسد رمزية فريق العدالة وسيف القانون مشهد المواجهة بين الثلاثي، والذي نفذ بشكل احترافي كبير، عبر جمل حوارية فلسفية، وبتمثيل يتسم بإجادة كبيرة من ثلاثي عصام عمر وباسم سمرة ومحمد علاء.

النهاية ربما يكون فيها بعض من السعادة بتحقيق العدل، مع بقاء نصوص القانون، أو ربما يمكننا القول إنها محاولة من رجال العدالة، الواقعين في غرامها، لتكييف الميزان مع النص؛ لتعطي أملا في الواقع المعاش لمن يؤمنون بالعدل في هذه الحياة.

المعالجة والسيناريو والحوار في هذا العمل لعبوا دورا هاما في تناول قصة شديدة الفلسفية بشكل بسيط وغير معقد، وبدون تسطيح، وبحوار تغلب عليه الرمزية دون تقعير.

بالطبع، هناك بعض الأمور البسيطة التي تُؤخذ على السيناريو والحوار، وأهمها رسم الشخصيات الثانوية، والذي لم يكن بنفس جودة رسم الشخصيات الثلاث الرئيسية، رغم أن تطور الأحداث جعل تلك الشخصيات تؤثر في مجرى الأحداث.

ومن ضمن تلك الشخصيات الدكتورة أسماء/ جنى الأشقر، التي لم يؤسس بشكل صحيح لعلاقتها بعادل، وتوحة/ أحمد بيلا، الذي تألق في الدور، لكن الشخصية بها بعض الكليشيه في فكرة صديق البطل، ومريم أو أزهار/ ولاء الشريف، التي غلب الكليشيه أيضا على شخصيتها.

كما لعب التمثيل دورا كبيرا في إخراج المسلسل بصورة قوية، مباراة كبيرة في الأداء كانت بين عصام عمر، الذي أثبت أنه نجم الجيل الحالي عبر أدواره المختلفة واختياراته الجيدة وتمثيله السهل، ورغم تألق النجوم الآخرين لم يسرق أحد منه الكاميرا.

باسم سمرة قدم دور عمره، وأثبت أنه أحد أساطين التمثيل، قدم الشر والطيبة، الترقب والحذر والاندفاع، وكثيرا من المشاهد التي رفعت من جودة العمل.

محمد علاء أعاد تقديم نفسه بشكل مغاير لما قدمه في السابق، مقدمًا شخصية شريرة لا تعترف بشرها، وتنتصر لمنطقها.

توجد عديد من المشاهد التي ظهر فيها مستوى التمثيل الكبير، مثل معظم مشاهد عصام عمر وباسم سمرة، وخاصة مشهدهما في البنسيون بعد طرد والدة عادل له، ومشهد اعتراف زكي لعادل بحقيقة ماضيه وعلاقته بشهاب، ومشاهد رحيل والدة عادل.

والمشهد الثلاثي الذي جمع بينهم، ومشهد المحكمة في الحلقة الأخيرة، والمشهد الأخير بين عادل وزكي، وكلها مشاهد تؤكد قوة التمثيل.

السدير مسعود، مايسترو هذا العمل، قدم لوحات فنية في كل مشهد، متفننا في خلق لغة بصرية تزيد من فلسفية العمل ومن قوة تأثيره.

تم تصوير المسلسل في وسط البلد، وهنا رأينا رؤية السدير مسعود لتلك المنطقة، وكيف أعاد تقديمها بطريقة تحمل رؤية مخرج محب، لتخدم عمله بشكل جمالي، بعد فترة من سيطرة الكومبوندات على المشاهد الخارجية أو الحارات الشعبية غير المعبرة.

وهذا يعيدنا بشكل ما إلى فكرة الواقعية التي كادت تندثر؛ هنا تعبر الكاميرا عن البشر مثلما نراهم، ليسوا هؤلاء الذين في خيال بعض المخرجين والصناع، بل أولئك الذين نراهم نحن العاديين.

كما أضافت الموسيقى التصويرية التي وضعها خالد الكمار بعدا حيويا آخر للمسلسل، وثقلا إضافيا للمشاهد، خاصة مشاهد المطاردات.

مسلسل “عين سحرية” هو عمل يناقش فكرة فلسفية بوجهة نظر مصرية، وربما شعبية، تضافرت فيه عوامل النجاح؛ ليثبت أن العمل الفني منظومة متكاملة تقوم على فريق تمثيل موهوب ومقنع، وسيناريست واعٍ بفكرته وشخصياته، ومخرج يقود الدفة برؤية حقيقية، وليس مجرد شخص يكتب اسمه على العمل.

“عين سحرية” لا يقدم أجوبة بقدر ما يطرح الأسئلة، يطرح سؤاله على رجال القانون، وعلى العاديين أمثالنا: هل ما زال القانون كافيا لتحقيق العدالة التي تنشد العدل؟ أم أن العدالة، لكي تتحقق، تحتاج إلى رجال قد لا يلتزمون بالنص، لكنهم يلتزمون بالعدل؟

يبقى هذا السؤال بلا إجابة شافية، وينتهي “عين سحرية” بعادل، الذي ما زال يؤمن بتحقيق العدل، المشتق من اسمه نفسه، وهو يمسك بشواهد قبر أبيه وأمه اللذين ظلمهما القانون. يرمز هذا الكادر والمشهد الأخير إلى حمل كفتي ميزان العدل؛ حيث أصبح عادل، بشكل ما، رجل العدالة.

محمود عماد

24 مقال
كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع