د. أشرف الصباغ
ستدخل شخصية “سامي عرفان” في رواية “السيمفونية الأخيرة”، للكاتب المصري أشرف العشماوي، إلى الأدب المكتوب بالعربية من أوسع الأبواب، لتتربع إلى جوار شخصيات كبرى في أعمال نجيب محفوظ وبهاء طاهر وفتحي غانم وعلاء الأسواني. وربما تسللت من الأدب المكتوب بالعربية إلى آداب الدول الأخرى في أوروبا وأمريكا اللاتينية وروسيا.
عندما كتب فلوبير وتولستوي ودوستويفسكي وماركيز وكافكا رواياتهم، كتبوها ببساطة عن مجتمعاتهم وما يدور فيها، في مراحل تاريخية ما، لكن للأدب مفعول السحر، حيث تنطلق شخصية ما إلى فضاءات مفتوحة لتلتحم بالمصير الإنساني العام، والتحولات البشرية التي تمتلك سمات مشتركة، سواء كانت في سياق القيم الإنسانية العامة، أو خارجة ومتمردة عليها، أو حتى ضدها من حيث الهدم وعدم القدرة على تقديم البديل، أي العدمية وممارسة الشر أيا كانت الدوافع والتبريرات والمعاذير والمحاذير والمحظورات.
لا أحد يمكنه أن يعرف، هل اتخذ الكاتب أشرف العشماوي عرض عدة مراحل تاريخية من تاريخ مصر حيلة ليكشف من خلالها عن التحولات الإنسانية وما يمكن أن يجري للبشر روحيًا ونفسيًا وذهنيًا، أم ألقى لنا بمجموعة من الشخصيات المشوهة والمريضة بدرجات متفاوتة وخادعة، ليكشف لنا ليس فقط كيف تُدار الدول والمؤسسات في مناطق الغبار البشري، بل وأيضًا كيف تدار حياة المجتمعات، وفي المركز منها حياة الإنسان، بسيطًا كان أو متنفذًا؟! لكن من الممكن أن ننظر إلى الأمر وكأنه مشهد عام يضم آلات ونغمات وحركات موسيقية تشكل في مجموعها سيمفونية بشرية مؤلمة، تتجسد بدورها في هذا البناء “الموسيقي” للرواية نفسها من جهة، ولبنية المجتمع والدولة من جهة أخرى، وللنفس الإنسانية والكائن البشري من جهة ثالثة.
هذان الوجهان، أو المساران، يلتحمان معًا بشكل عضوي في عمل أدبي كبير بالمعنى الإنساني العام، وبالمعايير الفنية والجمالية والسردية. عملٌ، يحيلنا إلى مراجعة مفاهيم الشر والأذى والحب والخوق والتردد والمثالية في سياق منظومة القيم الإنسانية العامة والمصير الإنساني المشترك. مثل هذا العمل قد يحيلنا للوهلة الأولى إلى طرح تساؤلات ساذجة عن التسامح والغفران والندم والانتقام والشماتة، بل وقد يحيلنا أيضًا إلى التمترس خلف الثنائيات الساذجة من قبيل العدالة الإلهية والانتقام الإلهي، والخير والشر. لكن إذا أزحنا التساؤلات الساذجة جانبًا لبعض الوقت، ودققنا النظر، يمكن أن نصل إلى جوهر الموضوع المتعلق بأصل دودة الشر في الروح لإنسانية، إلى تلك التفاصيل البسيطة والهشة، وربما العفوية، التي تعكس سطوة اليقين والموهبة والقدرة، والتي تؤدي إلى ارتكاب جرائم وحشية في حق النفس، وفي حق الآخرين.
نحن هنا لسنا بمعرض الخوض في أدب الجريمة، أو الأدب الوثائقي، أو القدرة على تضفير الواقع والخيال، ولا بصدد تفسير أحداث سياسية، أو تأويل مراحل تاريخية، وإن كان هذا الأمر وارد ولا مفر منه. لكننا في الحقيقة أمام نماذج بشرية عاشت قبل آلاف السنين، وتعيش بيننا الآن، وستتواجد بأشكال وصور ودرجات أخرى في المستقبل، وكأننا لم نحقق أي تقدم في الارتقاء بالنفس البشرية. هذه النماذج الإنسانية ليست فقط ابنة زمنها وظروفها، وإنما أيضا نتاج تراكم العفن الروحي والعدمية وخفة العقل والاستهتار بمصائر البشر، نتاج الغطرسة والإحساس العارم بالقوة والسطوة والنفوذ، ونتاج التردد الذي لا نجني منه غير الندم، ولا فرق هنا بين سامي عرفان ودينا يعقوب، أو بين أنور السادات وحسني مبارك، ولا حتى بين رجل المخابرات طارق زيدان والثوري باهر سعيد- كلها شخصيات أصابها عوار المثالية، والموهبة، والتردد، والتلاعب بالقانون، وافتقاد التوازن بين الرغبة والقدرة، وعشوائية ممارسة السلطة، وسوء التقدير. إنه ببساطة عوار فقدان القدرة على إدارة الموهبة، وإدارة المثالية، وإدارة العلاقة بين الرغبة والطاقة.
في هذا العمل المهم والملهم، يمكن أن نُبقي على أسماء الشخصيات التاريخية، ونحافظ على الشكل التوثيقي “المُخَفف” للأحداث، ونقتصر على تفسير مراحل تاريخية معينة من تاريخ مصر، ونحصل على نتائج باهرة عن علاقة السلطة والنفوذ والغطرسة والعدمية بما وصلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية ومنظومتي القضاء والقانون والتعليم والصحة، وبما وصل إليه الإنسان المصري خلال السنوات الخمسين أو الستين الأخيرة. لكن في الواقع، رواية “السيمفونية الأخيرة” أكثر اتساعًا ورحابة، لأنه في حال تغيير أسماء الشخصيات التاريخية، وتغييب الشكل التوثيقي، يمكن أن نجد أمامنا عملًا أدبيًا مذهلًا يمتلك فضاءات أوسع بكثير مما يتصور القارئ والنقاد معًا.
إننا هنا، في “السيمفونية الأخيرة”، بصدد جغرافيا للنفس البشرية، وتاريخ للتفسخ الروحي، ومشهد مرعب وعميق لتحولات الإنسان الداخلية بكل ما تحمل من مصادر الشر والإلهام والقوة، وربما الحماقة والغطرسة والاستهتار، وما يحيط بكل ذلك من مثالية لعينة وعقيمة. في هذا العمل، يتوغل الكاتب أشرف العشماوي في أعمق أعماق المناطق المظلمة في روح الإنسان، يَستَلُ منها خيطًا واحدًا فقط، ليرسم به مشهدًا مروعًا. ولا يكتفي بذلك، بل يصنع منه مرآة لا لكي يرى كل منا وجهه وملامحه فقط فيها، بل لنمعن النظر أيضًا إلى تلك المناطق المظلمة والمنحطة في أرواحنا. وسيكون الأسعد حظًا بطبيعة الحال، من يسأل، أو يهمس حتى لنفسه: “ماذا حدث لنا بالضبط؟ وكيف حدث ذلك؟ وأين كنا؟ وماذا عني أنا؟”. إذ أن في كل منا جزءًا من شخصية سامي عرفان وزوجته، وجدته، ودينا يعقوب، وباهر سعيد، وطارق زيدان، وحسني مبارك، وأنور السادات، وزكي بدر.















