أسامة كمال أبو زيد
بعض الشعراء يكتبون القصيدة، لكن هناك من يضيف إلى قوس قزح لونا جديدا،لم نعرفه، ولم يكن موجودا من قبل، ومنهم على قنديل
تمرّ سنوات طويلة على رحيله، لكن لحظة غيابه ما تزال حادة ومؤلمة في الذاكرة، كأنها حدثت بالأمس. في ظهيرة قاسية من أيام يوليو عام 1975، كانت عجلات سيارة عسكرية مسرعة، طائشة، تعبر الطريق بغلظة لا تعرف الرأفة، دهست جسد شاعر لم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين. في لحظة خاطفة أعلن القدر نهاية حلم لم يكتمل بعد، وانطفاء نور كان قد بدأ بالكاد يلمع في سماء الشعر المصري. غير أن بعض الأنوار لا تنطفئ حين تغيب، بل تتحول إلى علامة بعيدة، كأنها لونٌ جديد في قوس قزح لا تراه العين فى حينها.
وُلد علي قنديل في قرية الخادمية بمحافظة كفر الشيخ، وفتح عينيه على الحياة كما يفتح الشاعر نافذة على القصيدة. منذ بداياته الأولى بدا كأن الشعر يسكنه، كأن اللغة جاءت معه إلى الدنيا. وكأن الأسماء تحمل شيئًا من قدر أصحابها؛ فقد كان عليٌّ بالفعل في كل شيء: في صفائه، وفي أخلاقه، وفي توهجه الشعري. كان حضوره يشبه نسيم الريف العابر في القرى المصرية؛ يدخل الروح في هدوء ويترك أثره طويلاً بعد أن يمضي.
كان نحيلاً مثل تباشير أغنية، جميلاً مثل صباح يتجدّد، وفي عينيه ظلّ دائم من الشعر. تفوق في دراسته حتى صار من الأوائل قبل أن يلتحق بكلية الطب في جامعة القاهرة. كانت أسرته الفقيرة ترى فيه خبيئتها للمستقبل، كصبّارة صغيرة تراهن على المطر القادم. غير أن الشعر كان قد اختاره مبكرًا، رواغه واختاره كما تختار النار من يقترب منها. وحين دخل الشعر إلى قلبه، لم يغادره أبدا.
كان علي قنديل يرى الشعر اكتشافا دائم9ا، مغامرة لا تنتهي. وربما لخص مشروعه كله في تلك العبارة التي بدت يومها أقرب إلى حلم شاعر شاب، لكنها مع الزمن صارت مفتاح تجربته:
«عليَّ أن أكون اللون الثامن في قوس قزح… اللون المفقود في الشعر».
كانت تلك الجملة الصغيرة، في جوهرها، نبوءة. فقد كان علي قنديل يبحث عن ذلك اللون الذي لم يره أحد بعد، اللون الذي يولد حين تتغير حساسية الشعر تجاه العالم.
في قصائده المبكرة تظهر تلك الحساسية الجديدة، تلك اللغة التي تبدو كأنها خرجت للتو من ماء العالم. يقول في إحدى قصائده:
«أحبكِ،
وأنتِ على لوحة الغيب سطرٌ تغيّمه الأبخرة،
وأقسم أنكِ لي،
ترقدين كأسطورة في خلاياي،
أو تقرأين الجريدة،
يأتي إلى الأذن صوتك
يشبه آخر قطرات مطرٍ على النافذة…»
كتب هذه السطور شاب في مطلع العشرين، لكنه كان يكتب كأن الشعر مرّ عليه بعمر كامل من التجارب. كان يعيد القصيدة إلى الداخل الإنساني، إلى التجربة الفردية الحميمة، بعد أن ظل الشعر العربي طويلاً مشغولاً بالقضايا الكبرى والخطابات العامة، خاصة بعد وجيعة هزيمة 1967 التي أعادت ترتيب الأسئلة كلها.
ولم يكن علي قنديل ظاهرة فردية فحسب، بل كان أحد تجليات موجة شعرية كاملة بدأت تتشكل في مصر بعد هزيمة يونيو . كان جيل جديد يبحث عن لغته الخاصة، وعن طريقته في رؤية العالم. في تلك السنوات ظهرت مجلة «جاليري 68» التي رأس تحريرها إدوار الخراط، لتصبح واحدة من المنابر التي عبّر من خلالها الأدباء الشباب عن رؤيتهم الجديدة، في فضاء ثقافي يسمح بقدر من الحرية لكنه يظل محاطاً بخطوط حمراء غير مرئية.
في ذلك المناخ بدأت الذائقة الجديدة تتشكل. صدرت كتب ودواوين تركت أثراً واضحاً في الحركة الأدبية، مثل ديوان «مدخل إلى الحدائق الطاغورية» لعزت عامر عام 1971، الذي رأى فيه الناقد إبراهيم فتحي انقلاباً فنياً في بنية القصيدة المصرية، إذ اعتمد منهج قصيدة النثر بشكل واضح. وبعده بعام صدر ديوان «وش مصر» لزين العابدين فؤاد، ليصبح علامة فارقة في شعر العامية بعد صلاح جاهين وفؤاد حداد.
وسط هذا المناخ الثقافي المليء بالتجريب والأسئلة، كان علي قنديل أحد الأصوات الصاعدة. كان جيله يعيش على تراث نقدي واسع؛ من كتاب «الشعر والتجربة» لأرشيبالد ماكليش، إلى «ضرورة الفن» لأرنست فيشر، وكتب روجيه جارودي مثل «واقعية بلا ضفاف» **. كما بدأت كتابات أدونيس، خاصة كتابه «زمن الشعر»، تتسلل إلى وعي هؤلاء الشعراء الشباب، لتشكّل جزءا من رؤيتهم الجديدة للقصيدة.
غير أن علي قنديل لم يكن مجرد صدى لهذه التيارات. كان يمتلك شاعرية أصيلة تغتلي بفرح الأسئلة. لغته طازجة كالماء، وصوره تنمو مثل عشب مفاجئ على خريطة زمن موغل في الوحشة. في قصيدته تبدو الأشياء كأنها تولد من جديد: المطر، البرق، الهدوء، الضجيج، كلها تتحول إلى إشارات كونية صغيرة تضيء طريق التجربة.
يقول:
«الساعة في عكس إيقاع القلب تدق.
أفتح نافذة:
يتهدج موج يصل الشرق بأعصاب الغبطة.
أفتح عمقاً:
تنشطر اليقظة في ألق الشيخوخة.
فأعدل هندامي،
وأفتح… أفتح تجربة.»
كان يمضي في طريقه الشعري كمن يقترب من نار مقدسة. ومثل كثير من الشعراء الذين اقتربوا كثيراً من تلك النار، بدا كأن القدر يعجل بغيابهم. فالتاريخ الشعري يعرف هذه الشهب التي تلمع سريعاً ثم تختفي: أبو القاسم الشابي، بدر شاكر السياب، أمل دنقل، رياض الصالح الحسين، وفي الشعر العالمي بايرون وكيتس ورامبو ولوركا وبوشكين. جميعهم غادروا مبكراً، لكنهم تركوا في الشعر ألواناً لم تكن موجودة قبلهم.
وفي إحدى قصائده يكتب علي قنديل:
«خلقت من نفسي كهرباء نفسي،
خلقت من نفسي نفسي.
وجاءت الأشياء التي أسماؤها عندي:
أنهاراً،
وشموساً،
وتربةً،
وغناءً.
أما الأيام فقد كانت تنحني لأعبر فوقها،
وبي جنيٌّ آخر يصحو
يدفعني
من سماء
إلى سماء.»
كان الشعر بالفعل يدفعه من سماء إلى سماء، كما لو أنه يقترب خطوة أخرى من ذلك اللون المفقود.
وعندما دهسته السيارة في ذلك اليوم الصيفي الحزين، بدا الأمر كأن القصيدة توقفت فجأة في منتصف سطر. لكن موته لم يكن نهاية الحكاية. فبعد عامين فقط بدأت جماعات شعرية جديدة تتشكل، مثل «أصوات» و**«إضاءة 77»**، التي التقى شعراؤها في بيت حسن طلب ثم في مقاهي الدقي، واتفقوا على إصدار مجلة للشعر وحده. تشكلت هيئة تحريرها من حلمي سالم ورفعت سلام وحسن طلب وجمال القصاص، وكان المبدع الليبي عمر جهان يتولى إخراجها الفني.
كان رحيل علي قنديل، في أحد معانيه، لحظة تجمع لذلك الجيل. وكأن غيابه ترك فراغاً حاول أصدقاؤه ملأه بالكتابة والعمل الثقافي. وفي الوقت نفسه لم يغب حضوره النقدي؛ فقد انتصر له الناقد جابر عصفور، ورأى فيه بذرة أمل للمستقبل الشعري في مصر، وكتب دراسة لافتة عن قصيدته «القاهرة» في مجلة «الكاتب»، داعياً إلى جمع تراثه الشعري ونشره.
وبالفعل صدر ديوانه الوحيد بعد رحيله بعام تقريباً، في نوفمبر 1976، بعنوان «كائنات على قنديل الطالعة» عن دار الثقافة الجديدة، وقدم له أستاذه الشاعر محمد عفيفي مطر.
هكذا دخل علي قنديل إلى رحابة الشعر وغادرها أيضاً من الباب نفسه. عاش اثنين وعشرين عاماً فقط، لكنه ترك خلفه ذلك الضوء البعيد الذي لا ينطفئ بسهولة.
ربما لم يُتح له الوقت ليضيف إلى قوس قزح الشعر اللون الثامن الذي حلم به…
لكن القصيدة المصرية ما تزال، منذ رحيله، تبحث عن ذلك اللون.
لونٌ خفيّ…
تركه علي قنديل معلقًا في السماء،
كي يكتشفه الشعراء الذين يجيئون من بعده.















