عبد السلام فاروق
في العشر الأواخر من رمضان، حين تبدأ الليالي في الزحام وتتزاحم المواعيد بين صلاة وتلفزيون وسحور، تجد نفسك أمام مشهد غريب.. رجل يقف في منتصف حارة شعبية، عيناه تختزلان كل معاني الشر، وصوته لا يعلو فقط، لكن يكاد يشق طبلة أذنك. يصفع هذا، يهدد ذاك، والناس من حوله إما خائفون أو مهللون. إنه “البطل الشعبي” في دراما رمضان ٢٠٢٦، أو هكذا يريدوننا أن نصدق.
لكن دعني أسألك سؤالاً واحداً هل رأيت هذا الرجل من قبل في حياتك؟
أنا لم أره. كل من عشت معهم في الحسين، وفي السيدة زينب، وفي شبرا، لم يكونوا يشبهون هذا المسخ الدرامي الذي يطل علينا كل عام. هناك فرق شاسع بين من نعرفهم في الحواري وبين من يرسمهم صناع الدراما. فرق بين لحم ودم وبين كرتون متحرك.
من أين يأتون بهذه الوحوش إذن؟
هذا هو السؤال الذي يحيرني. هل يذهب مؤلفونا إلى مقاهي باب الشعرية؟ هل يجلسون مع صنايعية النجارة في بولاق؟ هل شموا رائحة الطعمية الصبح في شارع مسرة ؟ الإجابة: لا. ألف لا. إنهم يستمدون أبطالهم من أعمال سابقة، من مخيلات منهكة، من قراءات سطحية لتاريخنا الشعبي. يخلقون كائنات هجينة؛ نصفها من أفلام المقاولات في الثمانينيات، ونصفها الآخر من وهم شخصي. فتخرج لنا شخصيات تفتقر للروح، قيمه الوحيدة هي الفتوة والضرب.
لماذا كل هذا العنف؟
لأن العنف أسهل كتابة من المشاعر. مشهد الصفع لا يحتاج لمبررات عميقة، مشهد التهديد لا يتطلب خلفية درامية معقدة. الصوت العالي يغطي على فراغ النص، والقبضة تخفي عجز الكاتب عن بناء صراع حقيقي. نحن نعيش عصر “الدراما السريعة”، عصر المشاهد التي لا تتأمل، عصر البطل الآلي الذي مهمته الوحيدة؛ الانتقام.
وهكذا تحول البطل الشعبي إلى مجرد آلة. آلة تضرب، آلة تهدد، آلة تمشي في الشارع والناس ترتعد. لكن الحقيقة غير ذلك تماماً. الحقيقة أن البطل الشعبي الحقيقي هو الذي ترتاح لوجوده، لا الذي تخاف منه. هو الذي تجده في العزاء قبل الفرح، في المرض قبل الصحة، في الشدة قبل الرخاء. هو الذي يدير ظهره للعنف، ويتقدم صدره للتكاتف.
تعالوا نسترجع سوياً أياماً جميلة..
أتذكر فريد شوقي؟ ملك الترسو لم يكن بطله يضرب لمجرد الضرب. كان ثائراً يبحث عن عدالة، كان فلاحاً بسيطاً اضطرته الظروف للثورة. نظراته كانت تحمل حزناً عميقاً، ودموعه كانت تسبق قبضته. كان إنساناً قبل أن يكون بطلاً. وعبد الله غيث في أدهم الشرقاوي.. يا سلام. أدهم لم يكن فتوة. كان إنساناً يبحث عن مكانه، يخطئ ويتعلم، يحب ويكره. الجدعنة عنده قيمة أخلاقية قبل أن تكون جسدية. كان يدافع عن المظلوم لأنه يؤمن أن هذا واجب. وأحمد زكي في شادر السمك.. الراجل ده كان من لحم ودم. يضحك مع أهله، يشاركهم همومهم قبل فرحهم. لم يكن يحتاج للصراخ ليكون مسموعاً، ولا للضرب ليكون محترماً. قوته في صدقه. وعزت العلايلي في التوت والنبوت.. عاشور الناجي.. الراجل المسالم اللي الظروف فرضت عليه البطولة. لم يبحث عن الصراع، الصراع هو من بحث عنه. ظل إنساناً رغم كل شيء.
هذه النماذج كانت تمتلك التناقض الإنساني الجميل. لم يكونوا خارقين، كانوا بشراً. ولهذا خلدوا في ذاكرتنا.
هل تغير الواقع أم تغيرت النظارة؟
الواقع لم يتغير. نعم، الظروف أصعب، والحياة أقسى، لكن جوهر الإنسان المصري في المناطق الشعبية كما هو. الكرم باق، والمروءة موجودة، والجار يسأل على جاره. الست المصرية لا تزال عمود البيت.
ما تغير هو النظارة التي ننظر بها. صرنا ننظر من ثقب المفتاح، نرى جزءاً صغيراً ونظنه الكل. الدراما اليوم تبحث عن الصدمة، عن المشهد الفلاشي، عن الإثارة الرخيصة. والثمن باهظ، نفقد ذاكرتنا الجمعية، ننسى معنى البطل الحقيقي.
ماذا نريد من البطل الشعبي؟
نريد بطلاً لا نخاف منه، بل نخاف عليه. نريد بطلاً يقف أمام العواصف، لا من يصنعها. نريد من يأمن الناس لجواره، لا من يخيفهم. نريد من يذكر الناس بحقهم في الحياة الكريمة، لا من يسرق منهم هذا الحق باسم القوة. لست أريد نسخاً مكررة من أدهم الشرقاوي أو عاشور الناجي. الزمن يتغير والشخصيات تتطور. لكني أريد بطلاً شعبياً يمكن أن ألتقي به في الشارع، أتصافح معه، أجده أخاً أو صديقاً. أريد بطلاً يحمل في قلبه حلماً، وفي عينيه حكمة، وفي يده دفئاً.
كلمة أخيرة..
يا صناع الدراما: اتركوا المكاتب المكيفة قليلاً. انزلوا إلى الشارع. اجلسوا على قهوة شعبية، اشربوا شاي كشرى، اسمعوا حكايات الناس. شموا رائحة العيش البلدي في الصباح، شوفوا الناس بتضحك إزاي رغم كل الظروف.
حينها ستكتشفون أن البطل الشعبي الحقيقي ليس في مسلسلاتكم. إنه بجواركم، يشرب الشاي، ويدفع عنه الفقر والجوع والظلم، ويظل يحلم بيوم أفضل.
عندها فقط ستعرفون أن البطل الحقيقي من طين، لا من ورق.













