بولص آدم
بعد مرور سنوات على كارثة انفجار مرفأ بيروت، التي هزّت المدينة وقلوب أهلها، يأتي فيلم “أن تُبصر نارا” كعمل إنساني مؤلم ومضيء في آنٍ واحد، حيث يروي حكايات أشخاص يحاولون التعافي ولملمة ما تبقّى من حياتهم. ومن خلال سردٍ حميمي ومشاهد تنبض بالواقعية، يسلّط الفيلم الضوء على قدرة الإنسان اللبناني على الصمود، ومواجهة الفقد بالحب والإصرار على الحياة.
في الرابع من آب/ أغسطس 2020، اهتزت مدينة بيروت على وقع انفجار ضخم في مرفأ العاصمة اللبنانية، ناجم عن تخزين نحو 2,750 طنًا من نترات الأمونيوم بشكل غير آمن. لحظة الانفجار كانت مروعة، وأدت إلى وفاة أكثر من 215 شخصًا وإصابة حوالي 6,500 آخرين، بينما تضررت آلاف المنازل والمباني في المدينة، تاركة خلفها حطامًا هائلًا وصدمة جماعية عميقة. لم يكن الانفجار مجرد كارثة مادية، بل هز الضمير الإنساني والمجتمع اللبناني برمته، وأسفر عن صدمات نفسية واسعة النطاق أثرت على سكان بيروت والمجتمع اللبناني ككل، ما جعل الحاجة لتوثيق الحدث بالبعد الإنساني أمرًا ملحًا.
في هذا السياق، ظهر الفيلم الوثائقي النمساوي “أن تبصر ناراً” للمخرجين نيكولا فون ليفرن وياكوب كارل ساور، كنافذة سينمائية حية تعكس الواقع الجديد الذي عاشه الناس بعد الكارثة، بعيدًا عن التحليل السياسي المباشر، ومركزًا على الأثر الإنساني والاجتماعي للنار والدمار.
الفيلم شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان زيورخ السينمائي 2024، ثم العرض الإقليمي في مهرجان Kinosommer Villach في 21 أغسطس 2025 ومؤخراً في مدينة لينتز.
على مدار ثلاث سنوات، رافق المخرجان خمسة أشخاص يعكسون أوجه الحياة المختلفة بعد الانفجار: آية اللاجئة السورية، سليم الفنان والناشط، عائلة علاء الدين التي تعيش ألم فقدان أحد أفرادها، ياسمين التي تعمل في خط ساخن للوقاية من الانتحار، وأندريا التي لا تزال تؤمن بإمكانية التغيير. من خلال هؤلاء، يتحول الفيلم إلى شهادة عاطفية على صمود الإنسان وسط الخراب، ويجعل المشاهد يعيش تجربة بيروت كما عاشها سكانها، مع إحساس ملموس بالصدمة الجماعية والجرح النفسي الذي خلفه الانفجار.
لغة السينما وفن الصورة والموسيقى
ما يميز “أن تبصر ناراً” هو قدرته على مزج الواقعية بالتجربة العاطفية من خلال لغة سينمائية حية. يدمج المخرجان بين اللقطات المقربة التي تُظهر وجوه الشخصيات وتعابيرهم العميقة، واللقطات البعيدة التي توثق حجم الخراب المادي في المدينة. هذه الصور تخلق شعورًا بالمسافة بين الإنسان والمكان الذي اجتاحه الدمار، وتجعل الألم ملموسًا، والأمل أكثر بروزا حين تظهر ألوان دافئة وسط الرماد والأحجار المهدمة.
المونتاج السلس يسمح للانتقال الطبيعي بين القصص المختلفة، ويجعل الزمن في الفيلم يبدو متوازيًا ومتداخلًا، ما يعكس استمرار الحياة رغم الانفجار. الإضاءة الطبيعية، أحيانًا الخافتة وأحيانًا الباهتة، تمنح المشاهد شعورًا بالواقعية، بينما تضيء بعض المشاهد بألوان دافئة لتعكس لحظات الأمل الصغيرة وسط الحزن.
وتأتي الموسيقى التصويرية التي أعدها ثنائي HVOB النمساوي لتصبح شخصية خامسة داخل الفيلم. الألحان تترجم المشاعر الداخلية للشخصيات، وتخلق إحساسًا بالشد العاطفي، وتجعل المشاهد يعيش مع كل لحظة، سواء كانت ألمًا، خوفًا، أو أملاً. كل لحن، كل صدى صوت، يصبح جزءًا من التجربة، وليس مجرد خلفية صوتية، وهو ما يجعل المشاهد يشعر بأن الفيلم يرويه من داخل المدينة المدمرة نفسها.
التركيز على الصورة والموسيقى يبرز نقطة قوة رئيسية للفيلم: القدرة على نقل التجربة الإنسانية والعاطفية للمتأثرين بالكوارث، بحيث يمكن لأي مشاهد، بغض النظر عن خلفيته الثقافية أو الجغرافية، أن يشعر بالألم، الأمل، والتحدي الذي يعيشه السكان بعد الانفجار.

البعد الإنساني والاجتماعي وسياق السينما النمساوية
حسب تصنيف عالم السينما الوثائقية بيل نيكولز في كتابه Introduction to Documentary، هناك ستة أشكال رئيسية للأفلام الوثائقية: Poetic (شعري)، Expositional (تفسيري)، Performative (تجريبي)، Reflexive (انعكاسي)، Participatory (تشاركي)، Observational (مراقب).
فيلم “أن تبصر ناراً” يميل إلى النوع الشعري/المراقب (Poetic/Observational Documentary)، حيث يوضع الناس في قلب الحدث ويترك للمشاهد الحرية في استخلاص المعاني العاطفية والاجتماعية من الصور والأصوات والموسيقى. المشاهد هنا لا يقتصر دوره على المراقبة، بل يعيش مع الشخصيات تجربة الصدمة، ويشعر بآلامهم الصغيرة والكبيرة، مع حرية التفاعل مع المشاهد بدون تعليق صوتي يفرض وجهة نظر.
رغم كشف الانفجار عن مستويات عالية من الفساد والغموض الإداري، اختار الفيلم عدم الدخول في السياسة بشكل مباشر، مفضلاً التركيز على حياة الأشخاص اليومية، وعلاقاتهم، وصمودهم، وأملهم المتجدد. هذا الخيار منح الفيلم بعدًا عالميًا، إذ يمكن لأي مشاهد خارج لبنان أن يشعر بما عاشه السكان، ويتفاعل مع الإنسانية المشتركة التي يجسدها الفيلم.
وفي سياق السينما النمساوية، يمثل الفيلم امتدادًا لتقليد طويل للأفلام الوثائقية التي تركز على التجربة الإنسانية والبعد الاجتماعي. منذ سبعينيات القرن الماضي، اشتهرت السينما الوثائقية النمساوية بقدرتها على التقاط الحياة اليومية للناس العاديين والتفاعل مع القضايا الاجتماعية من منظور إنساني، بعيدًا عن المبالغة الدرامية أو التفسير المباشر. ومن خلال هذا الفيلم، يواصل فون ليفرن وساور هذا النهج، مع لمسة عاطفية وموسيقية تعكس تأثير الكارثة على الناس، ما يجعل الفيلم امتدادًا حديثًا للخط الوثائقي النمساوي الذي يجمع بين الواقعية، الجمالية، والملاحظة الإنسانية الدقيقة.
في مقابلة مع موقع “أوستريان فيلمز”، تحدث فون ليفرن وساور عن الصعوبات العاطفية والتقنية لتصوير حياة الناس بعد الانفجار. أشارا إلى أنهما انتظرا عدة أشهر قبل بدء التصوير لفهم التأثير النفسي والاجتماعي على المجتمع. أكدا أن بيروت أصبحت رمزًا لفشل السلطات في تلبية الاحتياجات الأساسية، وأن الناس اضطروا للاعتماد على بعضهم البعض لمواجهة الواقع القاسي.
كما أشار المخرجان إلى أن الهدف لم يكن التحقيق السياسي، بل تسليط الضوء على التجربة الإنسانية اليومية. الشخصيات هنا نافذة لفهم حجم الألم والتحديات، ومثال على قدرة الإنسان على التكيف والصمود، ما يجعل الفيلم وثائقيًا إنسانيًا شعوريًا أكثر من كونه تقريرًا عن كارثة.
مقارنة بالأفلام الوثائقية المشابهة. يمكن وضع “أن تبصر ناراً” ضمن الوثائقيات التي تناولت الحياة بعد النار والدمار، وبالأخص مقارنة دقيقة مع فيلم فيرنر هيرتزوغ The Fire Within: A Requiem for Katia and Maurice Krafft (“النار في الداخل: قداس لكاتيا وماوريس كرافت”).
يرصد فيلم هيرتزوغ حياة الزوجين الفرنسيين علماء البراكين، اللذين توفيا أثناء توثيق ثوران بركاني، ويعتمد على لقطات أرشيفية للحمم والحرائق البركانية، فيخلق تجربة جمالية ودرامية مركزة على الطبيعة الكارثية.
بالمقابل، يركز “أن تبصر ناراً” على الأثر النفسي والاجتماعي للكارثة على البشر، من خلال متابعة حياتهم اليومية، ألمهم، وأملهم، ما يمنح الفيلم بعدًا إنسانيًا عميقًا. بينما فيلم هيرتزوغ يركز على المشهد الطبيعي المذهل للكوارث، يقدم فيلم فون ليفرن وساور تجربة ارتباط عاطفي مباشر مع الإنسان المتأثر بالنيران، ويجعل المشاهد يشعر بأن الخراب والدمار يحدثان للناس وليس مجرد منظر طبيعي.

تجربة المشاهدة ونقاط القوة والضعف المدمجة
الفيلم يتميز بلغة سينمائية حيّة تجمع بين الواقعية والمشاعر، حيث تبرز ملامح الشخصيات وألمهم بوضوح، ويُظهر الأمل في لحظات صغيرة وسط الدمار. المونتاج السلس والانتقالات بين القصص تجعل الزمن ممتدًا بشكل طبيعي، ما يعكس استمرار الحياة بعد الكارثة. من ناحية أخرى، يفتقر الفيلم إلى تحليل سياسي معمق للكارثة، ما قد يقلل من قيمته كوثيقة متكاملة. تركيزه على البعد الإنساني فقط قد يترك بعض التساؤلات حول المسؤولية والتحقيق في الانفجار بلا إجابة واضحة. ومع ذلك، يبقى هذا الاختيار مقنعًا في سياق تقديم تجربة عاطفية وإنسانية صادقة، يمكن للمشاهد أن يشعر بها ويعيشها بشكل مباشر.
“أن تبصر ناراً” شهادة سينمائية على ما بعد الدمار، الفيلم يضع المشاهد في قلب بيروت المدمرة، حيث تصبح الحياة اليومية للأفراد مرآة للصمود والإبداع البشري في مواجهة الفوضى، ويكشف كيف يمكن للفن والموسيقى والقصص الشخصية أن تتحول إلى قوة شفائية ونافذة لفهم الكارثة على مستوى عالمي. إنه فيلم يذكرنا بأن بعد كل حريق، حتى لو كان في أعماق المدينة أو الروح، يبقى الأمل حاضرًا، وأن التجربة الإنسانية هي ما يمنح الدمار معنى ويمهد الطريق لإعادة البناء والمصالحة مع الحياة.















