ممدوح فرّاج النابي
الموروث الحكائي العربي (الشّفاهيّ والمكتوب) ثريٌ، وحافل بالكثير من الحكايات الغرائبيّة والعجيبة كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والمقامات وغيرها، وقد أسّست هذه الحكايات للأدب العجائبي الذي أثّر في الآداب العالميّة وأسهم في ابتكار تقنيات كتابيّة جديدة تتواءم مع طبيعة السّرد المتولّد والمتشعّب، وبفضل هذه الحكايات الخرافيّة اكتسب الأدب العربي أرضية جديدة، فنالت الحكايات شعبية واسعة لدى جمهور الغرب بسبب البهاء الخيالي وسُبل البناء والتشويق، ففولتير يقول عن تأثير ألف ليلة وليلة: “إنني لم أزاول فن القصص إلا بعد أن قرأت ألف ليلة وليلة أربع عشرة مرة”، وكان لمشاهد السحر، والصور الواقعية للطباع والعادات – كما يقول محسن جاسم الموسوي – الأثر الكبير في ميل الكثيرين لزيارة الشرق.
وكان لسلطة العجيب والغريب بالغ الأثر في تغيير مصائر الشخصيات، وتبديل نمط حياتهم، فالسّرد كان طوق النجاة من الموت، ولعب دورًا في العدول عن الظلم، وتبدّل المقامات؛ فالحاكم صار عبدًا، والعبد صار حاكمًا، كما كان بمثابة الخلود بعد الموت الفعليّ. الشيء المهم أن شخصيات الحكايات التي زخرت بها هذه المُصنّفات التي يمكن إدراجها تحت مُسمّى “المعتمد الأدبي العربي” على غرار “المعتمد الأدبي الغربي”؛ ماتت على مستوى الواقع الحكائي، ولم يبقَ منها سوى الخلود السرّدي الذي حفظها في الذاكرة الأدبية، فاستلهمتها المخيلة الإبداعيّة في مرويات جديدة.
في هذه المقالة محاولة لقراءة الحكايات الإطار لألف ليلة وليلة، والبحث عن الوظيفة السّردية المزدوجة لشخصيات الحكايات الإطار، حيث معظم الباحثين توقفوا عند حكاية شهريار وأخيه شاه زمان أمام وقع فعل الخيانة، دون التوقف عند حكاية الأب الوزير ودوره مع ابنته، لكن ما وظيفة الأب في الحكاية الأولى؟ هو ما سوف تكشف عنه هذه المقالة.
أجمع دارسو ألف ليلة وليلة على غياب اسم مؤلفيها، فلا أحد يعرف نسبتهم إلى أي مكان أو إلى أي عِرق، هناك طبعًا مَن يردها إلى الفرس (دون ذكر أسماء صريحة) حيث كتاب “هزار أفسانة” التي تعني ألف خرافة كما عند المسعودي وابن النديم في الفهرست، لكن لم يقل لنا أحد مَن ترجمها إلى العربية على نحو ما فعل ابن المقفع في كليلة ودمنة بعد أن نقلها الطبيب برزويه المكلّف من الملك كسرى أنوشروان، بالذهاب إلى بلاد الهند لإحضارها بعدما سمع بها. وبهذا تكون ألف ليلة وليلة نِتاج عدد لا يُحصى من الرّواة، فهو ليس من الكتب ذات وحدة التأليف، التي تجمع سمات شكلية وبنائية تعود إلى شخص واحد، وتعكس عصرًا بعينه. وقريب من هذا ما ذكرته سهير القلماوي بأن الكتاب هو عبارة عن “مجموعة قصص لم تؤلّف لتقرأ ولتحفظ في دور الكتب، وإنما هو مجموعة من القصص المتفرّقة، كان القصد من تأليفها تسليّة العامة شفاهة، وتسميعًا” (القلماوي، 2010، ص 46).
وقد قطع محسن مهدي بغياب المؤلفين، وأرجع هذا الغياب إلى “الرواة والنُّساخ الذين منهم مَن نقله بشيء من الدقة، ومنهم مَن نقله دون أن يتقيّد بلغة أصله، ومنهم مَن أعاد صياغة أصله وتركيبه بصورة يفهمها القرّاء، ويرغب فيها القصّاص المعاصرون له، ثم إنّ النّساخ لم يتحرجوا من تغيير لغته، ووضع ألفاظ معروفة عندهم مكان ألفاظ لم تعد دارجة في أزمانهم”(محسن مهدي، كتاب ألف ليلة وليلة، ص 25) الشيء الذي يؤكد تعدّد المؤلفين رغم غياب أسمائهم، هو التعدّد الأسلوبي، وهو ما ظهر في تعدّد اللهجات وتعدّد عصور القصص وأصولها ومواطنها، وكذلك خصائصها البنائيّة أو الغرضية. وعلى عكس هذه الآراء جاء رأي المستشرق الإنجليزي لين بأن مؤلفها واحد، وبنى رأيه على أسباب منها: “أنها تصف حالة اجتماعيّة بعينها ذات طبيعة متوافقة، ولأننا لا نجد (حسب قوله) من القصص في كتب عربية أقدم من هذه المجموعة، وكذلك لأنه لا يوجد فروق بين النسخ المعروفة، لا يمكن إرجاع أسبابها أو تعليلها في يُسر وسهولة”. (القلماوي، 2010، ص 52)
خزانة شهرزاد
كيليطو أحد أهم المشتغلين بألف ليلة وليلة، يعترف باطمئنان بصعوبة العثور على مؤلفها الأصلي وعنده أن شهرزاد استجمعت حكاياتها دون أن تخبرنا بمؤلفيها من مؤلفين مختلفين، فهي درست الطب والشعر والتاريخ وأقوال الحكماء والملوك، فمن هذه الذاكرة المكتوبة والحيّة استقت مادة حكاياتها ونهلت مادة العبرة التي قدمتها لشهريار ليلة بعد ليلة، أي من خزانة شهرزاد، فكما يقول سعيد الغانمي “صرنا نعرف أن ألف ليلة وليلة ابتلع كتبًا كاملة وحكايات متعددة، وصهرها في داخل نصوصه، حتى صارت لا تعرف إلا من خلاله” وهذا ما قاده إلى وصف الكتاب بأنه “مدونة كتب” وهذا الوصف يجعله من صُنع ثقافة كاملة، لا من تأليف شخص واحد، (الغانمي، 2022، ص 15).
ومع اتفاق الدارسين على غياب أسماء المؤلفين، إلا إنهم أجمعوا على ردّ كثير من النصوص الواردة فيه إلى مصادرها الأساسيّة، التي تنوّعت بين الأصل الهندي والفارسي والعربي، ومزيج من كل هذه الأصول، وكان أوّل مَن بحث في أصل ألف ليلة وليلة هو المستشرق النمساوي فون هامر، ورده إلى أصل هندي، على نحو ما استدل عند المسعودي في “مروج الذهب“، حيث وجد نصًّا يشير إلى وجود كتاب بهذا الاسم، وقد نشر النص في المجلة الآسيوية في إبريل سنة 1927. (القلماوي، 2010، ص 49). وعندما وجد اعتراضات على رأيه نشر نصًّا آخر يؤيد به وجهة نظره الأولى، وهو النص الذي يشير إلى ألف ليلة وليلة في كتاب “الفهرست” لمحمد بن إسحاق بن النديم عند الكلام عن الخرافات في المقالة الثامنة من الجزء الثامن. وقد رده ابن النديم إلى كتاب هزار أفسان، وإن كان حكم عليه ابن النديم بأنه “كتاب غث بارد”.
قابلية النص لالتهام النصوص الأخرى في داخله، تأكدت في زمن لاحق وهي خاصية اتّسم بها الكتاب، فعندما حاول الفرنسي أنطوان غالان ترجمة الليالي إلى الفرنسيّة، وجد أنها ناقصة فاستعان برحالة حلبي اسمه “حنا دياب” كي يقصّ عليه قصص من الشرق حتى يسدّ ثغرات النص، وإذا بالمفاجأة أن حنا يضيف له قصصًا من أجمل حكايات الليالي هي: علاء الدين والمصباح السحري، وعلى بابا والأربعون حرامي، قصة الأمير أحمد والساحرة، قصة أبي حسن النائم واليقظان، قصة الأختين الغيورتين.
وبذلك أكمل الجزء الناقص، وفتح فتحًا مهمًا لدارسي الليالي، وكان لهذه الحكاية أثرها، إذ كان القرّاء من أهل باريس يجلسون أسفل نافذة غالان، يطالبونه بالمزيد من الحكايات. حاول غالان إخفاء اسم حنّا دياب فسماه جان دبيبي، لكن جاء خورخي لويس بورخيس بإشارة مهمة، في بحثه الخلّاق «مترجمو ألف ليلة وليلة»، أكد على أن غالان أحضر معه من إسطنبول، مجلدًا عربيًّا من «الليالي»، ومساعدًا مارونيّا يتمتّع بذاكرة ليست أقل إلهامًا من ذاكرة شهرزاد. ويضيف بوقار: «ندين إلى هذا المعاون الغامض الذي لا أريد نسيان اسمه: حنّا، على ما يبدو- ببعض الحكايات الأساسية التي لا وجود لها في المخطوطة الأصلية». ووصفه بأنه «ذاكرة لا تقل خيالاً عن شهرزاد».
الأب الرّاوي
الشيء المثير أن كل الذين تحدثوا عن ألف ليلة وليلة، توقفوا عند شهرزاد كراوية، وشهريار مرويًّا له، بكل تأكيد ثمة رواة كثر تركت لهم شهرزاد خيط السرد داخل الحكايات وبالمثل تعدد المروي لهم، فمع توالد الحكايات يزداد عدد الرواة وكذلك المروي لهم، لكن مع بداية الحكاية ظهر راوٍ آخر كان بمثابة المـُلهم، وباعث الحكايات لدي شهرزاد كي تلهي شهريار عن جريمته التي يقترفها كل صباح السياف مسرور. فعلى الرغم من أن الحكاية الإطار؛ أي تلك التي بدأت بها الليالي وحكت مأساة شهريار مع الخيانة وأثر هذا في انتقامه من النساء كافة، كانت كما يقول سعيد الغانمي: “المصدر لتوليد عدد آخر من الحكايات الضمنيّة” (خيال لا ينقطع، ص 12)، لكن في الحقيقة لا يمكن تجاوز الحكاية التي أعقبت الحكاية الإطار وكانت نتيجة لها، فلولا المأساة التي حدثت للملك شهريار ما كانت شهرزاد طلبت من أبيها أن تتزوجه “بالله يا أبتي زوِّجني هذا الملك، فإما أن أعيش، وإما أن أكون فداءً لبنات المسلمين، وسببًا لخلاصهن من بين يديه“، (ألف ليلة وليلة، دار صادر، بيروت، 1999، مجلد 1، ص 12)، وهو ما رفضه الأب، لأنه يخشى عليها من مصير النساء اللاتي تزوجهن شهريار، فرجاها ألا تفعل: “بالله عليك لا تخاطري بنفسك أبدًا“، ومع إصرارها على الفعل بقولها “لا بدّ من ذلك“ لجأ الأب هو الآخر إلى الحيلة كي يثني ابنته عن قرارها بالزواج من شهريار، فحكي لها “حكاية الحمار والثور مع صاحب الزرع”.
في ظني كانت هذه الحكاية التي استفتح بها الأب الحكايات بمثابة الحافز الذي حرّض شهرزاد على اتخاذ الحكي وسيلة من وسائل الإقناع، لتستبدل بالموت الحياة، وتخليص الفتيات من مصير السابقات، وقبلها تخليص نفسها من هذا المصير المحتمل لها. وإن كان انتهت إلى نتيجة لم تكن في الحسبان، ألا وهي شفاء جُرح الملك النرجسي، وتغيير حاله، فلم يعد القاتل كما كان قبل أن تبدأ حكاياتها. ويضيف كيليطو سببًا ثالثًا لإقدام شهرزاد على هذه الخطوة بأنها “أرادت أن تبرهن على أن المعرفة لا تكتمل إلا إذا تمّ نقلها وتعليمها، وإلا إذا أثّرت في الناس”. (كيليطو، 2021، ج 2، ص 20)، فالعلمُ يُنجي مَن يستعمله، كما يقول ابن المقفع في مفتتح كليلة ودمنة” (كليلة ودمنة، 1981، ط2، ص 40)
كل مَن تحدّث عن ألف ليلة وليلة، أغفل دور الأب في الحكاية، وتجاوزه إلى شهرزاد وحيلتها مع أختها دنيا زاد، لترويض الملك وتخليص بنات جلدتها من انتقامه، لكن في الأصل بدأ كتاب ألف ليلة وليلة بحكايتين الأولى: حكاية الجني والفتاة التي كانت في الصندوق، والحكاية الثانية كانت حكاية الأب عن الحمار والثور، والأخيرة برواية الأب، وقد اعتبرهما سعيد الغانمي “جزءًا من الحكاية الإطار” (الغانمي، 2022، ص 123)، في حين رأى كيليطو أنها حكاية تمثيليّة “أثبتت عدم فاعليتها” لأنها لم تُربك البنت على الإطلاق” (كيليطو، 2021، ج 2، ص 18).
حكاية الحمار والثور كان غرضها الأساسي إثناء شهرزاد عن الزواج بشهريار، وصارت فيها شهرزاد – لأوّل مرة – مرويًّا لها، بالطبع كان ثمة إعداد لشهرزاد لهذه المهمة الخطيرة التي ستقوم بها، فهي قارئة للكتب والتواريخ، وسير الملوك وأخبار الأمم الماضيين، لكن كل هذا غير كافٍ لمواجهة جبروت شهريار، كان لا بدّ من الحيلة، وكيف تستفيد بما تعلمه من علوم وأخبار وحكايات، والأهم كيف توظفهم، فلو تأمّلنا طريقة الأب في ردع ابنته عما عزمت إليه، نجد أنه استخدم تقنيات السرد كآلية للاستمالة والترغيب والتنفير، فقال لها في صيغة تضرُّع وحنان “أخشى عليك أن يحصل لك ما حصل “للحمار والثور مع صاحب الزرع”، وبعد هذا التهديد المبطن بتماثل المصير من قبل الأب كانت النتيجة السريعة بردّها واشتياقها كفضول لمعرفة هذا المصير المجهول الذي ينتظرها، فتساءلت: “وماذا جرى لهما يا أبتِ؟” (ألف ليلة وليلة، 1999، مجلد 1، ص 12). السؤال هنا بمثابة إقرار بالرغبة في الاستماع إلى الحكاية، وهي ذات الحيلة التي اعتمدتها شهرزاد بعدما رفضت نصيحة الأب، بأن أوصت أختها أن تستفزها كي تسرد، فثمة قاعدة شبه عامة، وهي أن السرد يكون جوابًا عن سؤال، أي تلبية لرغبة أو طلب قد يكتسي صيغة الأمر (كيليطو، 2021، ج3، ص 305). وعندما صار الملك حبيس حكاياتها أخذ يكرّر “وكيف كان ذلك؟”، رغبة في الاستماع ومنح الراوي الإذن بالشروع في السرد، فالأب لم يبدأ سرده إلا بعدما جاءته رغبة الابنة في الاستماع بقولها: “وماذا جرى لهما يا أبتِ؟”.
في النسخة التي قام بتحقيقها محسن مهدي، بعنوان “كتاب ألف ليلة وليلة من أصوله العربية الأولى”، (طبعة ليدن، 1984) يأتي حوار شهرزاد وأبوها الوزير بصيغة أخرى، كما أن الوزير هنا هو قاتل النساء في الصباح وليس السياف مسرور، اختلاف الحكاية بالزيادة عن الطبعة المصرية يكشف دور الأب الحقيقي، ولماذا حكي لها حكاية الثور والحمار. هكذا جاءت الرواية:
(ملحوظة: النص محتفظ بالشكل الكتابي الموجود في نسخة طبعة ليدن)
“قال الناقل: وكان الوزير الدي يقتل البنات له بنت كبيرة اسمها شهرزاد، والصغيرة اسمها دنيا زاد، وكانت الكبيرة شهرزاد قد قرات الكتب والمصنفات والحكمة، وكتب الطبيات، وحفظت الأشعار وطالعت الأخبار وعلمت اقوال الناس وكلام الحكماء والملوك، عارفه لبيبه حكيمه أديبه، قد قررت ودرت.
قال صاحب الحديث: “فقالت لأبيها يومًا من الايام يا ابتاه اني مطلعتك على ما في سري، فقال وما هو: قالت اشتهي منك ان تزوجني إلى الملك شاهريار، إما أنني أتسبب في خلاص الخلق، واما انني اموت واهلك ولي اسوة بمن مات وهلك. فلما سمع الوزير كلام ابنته شهرزاد غضب وقال: يا قليلة العقل أنتي ما تعلمي أن الملك شاهريار قد أقسم على نفسه أنه ما يبات مع البنت إلا ليلة واحدة، ويصبح يقتلها. وانتي اهديكي له ينام معك ليله واحده، ويصبح يأمرني بقتلك، فاصبح اقتلك، ما اقدر اخالفه، قالت يا أبتاه: لا بد ان تهديني إليه ودع يقتلني، قال وما الدي اقام عليكي في هده الامر حتى تخاطري بنفسك . قالت يا ابتاه لا بد ان تهديني له، قولا واحدًا وفعلًا جازمًا، فغضب الوزير ابوها، وقال يا بنيه: “انه من لا يعرف ان يتصرف في الامور وقع في المحدور”، “من لم يحسب العواقب، ما الدهر له بصاحب”، كما قيل في المثل السائر: “كنت قاعد بطولي ما خلاني فضولي” وانا أخشا عليكي ان يتم لك ما تم للحمار والتور مع الزراع. قالت يا ابتاه: وما تم للحمار والتور مع الزراع” (ليدن، 1984،ص 66)
كما هو واضح أن الأب سعى بكل جهده إلى تحذير ابنته من مغبة هذا الزواج، إلا أنها كانت مصمّمة، كما واضح أنها دبرت للأمر، وخططت له قبل أن تُصارح أباها بما في داخلها، فليس من المعقول أن تذهب إلى الموت بسذاجة دون أن تكون مؤهّلة لمواجهته، وكما تقول فاطمة المرنيسي لكي تنجح في هذا كان عليها أن “تتحلّى بثلاث مزايا إستراتيجيّة: أولاها تتمثّل في معرفتها الواسعة، وثانيتها تتجسّد في قدرتها على خلق التشويق قصد شدّ انتباه المجرم، أما الثالثة فهي هدوؤها، أي قدرتها على التحكّم في الموقف رغم الخوف”. (المرنيسي، شهرزاد ترحل إلى الغرب، ص 65). والسرد كشف عن السمة الأولى على نحو ما وضحت سابقًا، بأنها كانت قارئه وملمة بكتب الأخبار وغيرها، ومن ثم هي جاهزة لمهمتها بما لديها من معارف، لكن كيف توظف هذه المعارف، كيف يتأتى التشويق لشد انتباه المجرم، هنا ظهرت وظيفة الحكاية التي سردها الأب، فقد ألهمها الأب الحيلة بما حكاه لها، فبعدما استنفذ الأب كل حيله، الحوار والنصيحة وذكر الأمثال المحمّلة بالعبر، لجأ في النهاية إلى الحكاية (السرد) كي تكون عونًا له في إثنائها، وهو ما يُبيّن أهمية الحكاية في الوصول إلى الهدف، فعندما أثار فضولها بقوله: “ أخشى عليك أن يحصل لك ما حصل “للحمار والثور مع صاحب الزرع”، جاء ردها كاشفًا عن فضول “وماذا جرى لهما يا أبتِ؟” فشرع في سرد حكايته.
ملخص الحكاية:
كان صاحب مزرعة يعرف لغات الحيوان، لكنه لم يخبر أحدًا، لأنه إذا عرف أحد سره مات، وذات مرة سمع حوارًا بين الثور والحمار استنكر فيه الثور جلوس الحمار في مرقده دون تعب، ومع هذا يحظى بخدمة وافرة، وما يقوم به من أعمال لا تقارن بما يقوم به الثور، الذي توضع النير على رقبته، ليحرث المزرعة طول النهار دون توقف، ثم يعود إلى مرقده مدمى الرقبة مجهدًا، فنصحه الحمار بأن يتظاهر بأنه مريض، وفي الصباح جاء العمال لاقتياده للحرث، فأظهر مرضه، فتركوه وأخذوا الحمار بدلًا منه ليقوم بما كان يقوم به. شعر الحمار بالمأزق الذي أوقع نفسه فيه، فقد عاد مسلوخ الرقبة، شديد الضعف، وعندما أراد الثور أن يكرّر حيلة اليوم السابق، تدارك الحمار خطأه، وأن فضوله أضره، فقال له، إنه سمع القائمين على المزرعة إذا لم يقم الثور من موضعه فأعطوه للجزار، ليذبحه، ويعمل جلده قطعا، فشكر الثور الحمار، وعندما جاء السواق في الصباح قام الثور وفعل ما يفيد أنه في تمام الصحة، فأخذوه إلى الحرث، فضحك صاحب المزرعة، وعندما رأته زوجته أصرت على معرفة سبب ضحك، ورفض أن يقول عن السر، وأمام إصرارها أخبرها أنه إذا قال لها سيموت، لكنها لم تبالِ بما قال، وأصرت على أن يقول سبب ضحكه، عندئذ وعدها أنه سيقول لها في الغد، وبدأ يستعد للموت وأحضر الشهود وأوصى وصيته، شاع خبر وفاته، حزنت جميع الحيوانات إلا الديك، فسمع صاحب المزرعة الكلب يعاتب الديك، فقال له: والله إن صاحبنا قليل العقل، أنا لي خمسون زوجة، أرضي هذه وأغضب تلك، وهو له زوجة واحدة ولا يعرف صلاح أمره معها. فلِمَ لا يأخذ بعضًا من عيدان التوت، ويأخذها إلى الحجرة ويشبعها ضربًا، حتى تموت أو تتوب، ولا تسأله عن شيء بعدها. وقام صاحب المزرعة وفعل ما سمع وضربها حتى كفت عن السؤال، ولم تعد ترغب إلا ببقائه.
في هذه الحكاية تبادلتْ شهرزاد المواقع السردية، فقبل أن تكون راوية للحكايات كانت هي المروي عليها، والأب هو الراوي، هو الناصح وهي المقصودة بالعظة من الحكاية، الفارق أن حكاية الأب لم تقم بنفس التأثير الذي أحدثته حكايات شهرزاد على مدار الليالي الألف، فحكاياتها كانت أوقع تأثيرًا على شهريار بأن جعلته يُقلع عن عادته في قتل النساء بعد الحادثة المشهورة، في حين فشلت حكاية الأب في جعل ابنته تعدل عن قرارها، بل وصل بها الأمر إلى تحدّي سلطته، بتهديده بأن حكاية الحمار والثور لا يمكن أن تغير رأيها وأن باستطاعتها أن تروي له حكايات كثيرة مماثلة وأنه إن حاول تثبيط عزمها، فسوف “تُخبر الملك بكل شيء” . (ألف ليلة وليلة، محسن مهدي، ط 2، 2023، ص 70)
من الممكن أن نتساءل: لماذا لم تقم حكايات الأب بذات التأثير الذي قامت به حكايات الابنة؟
وهو ما يستوجب البحث أولاً عن أسباب رفض الابنة لنصيحة أبيها؟ وهل يعدّ هذا تمردًا على سلطة الأب؟ وثانيًّا، ما هي دوافع الحكاية لدى الأب ثم لدى ابنته؟ وثالثًا: ما خصائص الحكاية عند الأب؟ وما اختلافها عن الحكاية عند البنت؟
هل نقول إن شهرزاد تمردت على الأب برفض الانصياع لطلبه، وعدم الاستجابة لمغزى حكايته، أو بصورة مخفّفة، هل كان تأثير حكاية الرجل أقل من تأثير المرأة، في إشارة لاقتران سلطة الحكي بالمرأة، على نحو ما سيظهر من خلال حكايات شهرزاد لشهريار، وقدرتها على انقاذ بنات جيلها من مصير الفتيات السابقات؟
بالطبع لا، رفضت شهرزاد الانصياع لسلطة حكاية الأب، خوفًا على الأب من بطش الملك، فلو رفضت شهرزاد الزواج بالملك، لقتله أيضًا، ومن ثم الرفض كان تعبيرًا عن الحب المُضمر للأب، والخوف على مصيره، وفي النهاية سيحصل الملك على مراده بالزواج منها، وقتلها كما كان ينوي، خاصة وأنها أشفقت على والدها عندما رأت الهم والحزن عليه، بعدما فشل في العثور على فتاة جديدة للملك، فهوّنت عليه بأبيات من الشعر، فذكاء شهرزاد أنقذ الأب وكذلك أنقذت هي باقي الفتيات. كما إننا لا نقول إن حكاية الأب فشلت كلية، فلئن فشلت الحكاية في إثناء شهرزاد عن قرارها، إلا أنها نجحت في أن تُعلّمها دروسًا مهمة، تتمثّل في الحيلة، والترويض، وقد كان السلاح الذي واجهت به غرور شهريار هو السرد.، فأبقته حبيس السرد، حتى لا تموت، ومن ثمّ، لجأت إلى الحيلة في استعمال أختها دنيا زاد فأوصت أختها وقالت: “إذا توجهت إلى الملك أُرسل أطلبك، فإذا جئت عندي، ورأيتِ الملك قضى حاجته مني، فقولي: يا أختي، حدّثيني حديثًا غريبًا نقطع به السهر، وأنا أحدِّثُك حديثًا يكون فيه الخلاص إن شاء الله”.(ألف ليلة وليلة، دار صادر، بيروت، 1999، مجلد 1 / ص 13) وأول حيلة استخدمتها شهرزاد عندما وصلت إلى الملك، وأراد أن يدخل بها هي الاستمالة والاستعطاف “بكت، فسألها: مالك؟ فقالت: أيها الملك، إن لي أختًا صغيرة أريد أن أودِّعها، فأرسل الملك إليها، فجاءت إلى أختها، وعانقتها، وجلست تحت السرير“، وهكذا بدأت شهرزاد تحكي باستثارة دنيا زاد لها حسب الجملة المتفق عليها “با الله عليك يا أختي حديثنا حديثًا نقطع به سهر ليلتنا“. وبالفعل بدأتا تنفيذ ما اتفقتا عليه، وراحت تحكي شهرزاد على دنيا زاد والملك يسمع، وعندما يدركهم الصباح، تتوقف عن الحكي كي يدير شؤون مملكته، ولكن الحكاية لم تنته بعد، ماذا تفعل؟ لا منقذ لها إلا الحيلة والمراوغة، فتمرر عبارتها المتوّسِلة “إن عشت وأبقاني الملك” كاستعطاف للملك، ومنحها فرصة لاستكمال حكايتها، والأصل استمرار حياتها، وهو ما يستجيب له الملك الواقع تحت سحر السرد والحكايات، فيقول في نفسه: “والله ما أقتلها حتى أسمع بقية حديثها…”(ألف ليلة وليلة، دار صادر، بيروت، 1999، مجلد 1ص 15)، هكذا استمرت شهرزاد في حبس الملك داخل حكاياتها، وعلّقته بها بإثارة فضوله، فراح يؤخّر قرار قتلتها حتى تكمل الحكاية المبتورة، فنجحت خطتها ونجت من الموت بفعل سحر السرد.
لو تأمّلنا الحكاية التي حكاها الأب، سنجد ما يلي: أنها لا تختلف تمامًا عن الحكاية الإطار التي رواها مجهول، والحكايات التي قامت شهرزاد بحكيها على مسامع الملك شهريار وأختها دنيا زاد. والتماثل بين هذه الحكاية قائم في الآتي:
- أن الحكاية جاءت في صيغة النصيحة والوعظ، فالغرض من حكاية الأب هو إثناء الابنة عن الزواج بالملك، والحكايات التي روتها شهرزاد كان غرضها الأساسي هو تطهير الملك من الجُرح النرجسي الذي أصاب الملك جرّاء رؤيته لزوجته الملكة تخونه مع عبد أسود، وهو ما تفاقم بسيطرة ملكة الانتقام لديه من جنس النسا كافة.
- الصيغة التي بدأ بها الأب حكايته هي ذات الصيغة التي تكررت في حكايات شهرزاد، فالأب كنوع من الترغيب لسماع الحكاية بدأ سرد حكايته هكذا: “أخشى عليك أن يحصل لك ما حصل للحمار والثور مع صاحب الزرع، فقالت له: وما الذي جرى لها يا أبت؟” استهلال الحكاية يشير إلى عنصر تحفيز وتشويق لدفع المروي له للاستماع إلى ما سيقال، فهو بدأ بالنتيجة دون إفصاح عن النهاية بهذه الجملة التحذيرية من المصير المجهول للحمار والثور، أما ردّ الابنة فهو ما اعتمدته أختها دنيا زاد كنوع من التحفيز على استكمال الحكي.
- أن الحكاية اعتمدت على حكايات متعدّدة، ففي البداية حكى الأب عن حكاية الثور والحمار، ثم انتقل منها إلى حكاية الديك والكلب. وفكرة الحكايات المتعدّدة هي بنية أساسيّة في ألف ليلة وليلة، إضافة إلى تقنية توالد الحكايات وهي بمثابة البذرة التي اعتمدتها شهرزاد في حكاياتها، فالحكاية الأصل تتوالد عنها حكايات فرعية دون أن تضيع خيوط الحكاية الأصلية، فهي أشبه بالخيط الذي تنسل منه جميع الحكايات وصولاً إلى الرسالة التي تحملها ضمنيًّا. أو على نحو ما يقول جمال الدين بن الشيخ” أن الحكاية تولد من تدفق المعنى، فإنها لا تذوب في خلاصة ما، فنهاية أحدوثة ما لا تفصح عن انغلاق المعنى” (جمال بن الشيخ، 1998، ص 37)
- الحكاية قائمة على الحيلة والمراوغة، فهي كشفت كيف تخلّص الحمار من أعباء العمل بذكائه بعدما تورط بفعله فضوله، لكنه أنقذ نفسه بسرعة، ثم هناك حيلة الديك لترويض زوجاته الخمسين، وقد استقت منها شهرزاد فكرتها لترويض الملك لاستمرار الحكايات، والخلاص من القتل، إذا كان العقاب في حكاية الديك منع الزوجة من السّؤال لاحقًا، فإن سحر الحكاية جعل السؤال ومعرفة المزيد هو الغالب على لسان الملك، فصار عقابه بإدمان الشغف للحكاية.
- مرّر الأب عبر حكايتيه المتداخلتين رسالتيْن، الأولى أن الحمار كان يحيا حياة هانئة ثم جلب لنفسه المتاعب بفضوله، وهو ما قامت به شهرزاد، حيث دفعها فضولها لأن تجلب على نفسها مصير الفتيات السابقات لها. ثانيا، فكرة الترويض والقيادة، فحكاية الديك لم تكن اعتباطية وإنما كان غرضها النصيحة غير المباشرة، هكذا “يجب عليك أن تكوني المسيطرة والمتحكمة”، وهو ما فعلته شهرزاد منذ أن دخلت قصر الملك، سيطرت على عقله الملك بسحر حكاياتها، وتحكمت في غضب الملك ونيته بقتلها، بتقطيع الحكايات، فمع نهايتها ستكون نهاية حياتها.
- أسّست حكاية الأب للحكايات الغرائبية، وهي تنتمي إلى صنف حكاية الحيوان، فالحمار والثور والديك والكلب يتكلمون، ومثل هذه الحيوانات التي تتحدث إلى الإنسان أو إلى بعضها بعضا مطردة في حكايات ألف ليلة وليلة.
- كرّست حكاية الأب إلى الازدواج في الوظيفة السردية داخل الحكايات، ففيها صارت شهرزاد مرويًّا لها، ومع الحكايات تتحول إلى راوٍ والملك ودنيا زاد (مرويا له)، وفي الحكايات التي ترويها، نرى هذه اللعبة تتكرر كثيرًا المروي له يصير راويًّا، والعكس، والمثال على ذلك حكاية حاسب كريم، فحاسب كريم هو الرّاوي يتحوّل إلى مروي له مع حكاية ملكة الحيّات وهي تروي عن بولقيا وجانشاه.
الدرس المهم الذي غرسه الأب بحكايته، هو التحايل عبر الحكاية، وهو ما فطنت إليه شهرزاد، فراوغت عبر حكايات متداخلة، وكل حكاية تولّد حكاية حتى تطيل الأيام، وهو ما تحقّق لها بحبس الملك بالسّرد، وجعله أسيرًا لحكاياتها، فكان بذلك الأب هو الملهم الأول لاستغلال السرد كإستراتيجيّة للحياة، ومن ثمّ فالسرد ليس كما يقول “رولان بارت” «موجود ببساطة كالحياة نفسها، أمميٌ وعابر للتاريخ وللثقافات»، وفقط، بل «هو الحياة نفسها».
…………………………………
نُشرت في أخبار الأدب عدد الأحد الموافق: 9 مارس 2026















