يوسف شاهين.. السينما كما لم يرها أحد

يوسف شاهين

أسامة كمال أبو زيد

وُلد كما يولد الحالمون، في مدينة تُشبه الموج إذا غضب، والروح إذا تمردت على قدرها المكتوب. مدينة تفتح عينيها على البحر وتمشي في ظله، لكنها لا تهادنه. هناك، في الإسكندرية، في حضن شرفة تطل على المتوسط، كان يوسف شاهين يطل على العالم بحدقة مختلفة. لم يكن اسما عابرًا يُستعاد في المناسبات، ولا مخرجا يمكن اختزاله في لائحة أفلام أو جوائز دولية، بل تجربة حيّة، ومغامرة طويلة في معنى أن يرى الإنسان العالم بعين لا تشبه أحدا. لذلك نعود إلى أفلامه كما نعود إلى مرآة قديمة؛ في كل مرة تكشف لنا وجهًا جديدًا من وجوه الحياة.
الإسكندرية لم تكن مجرد مسقط رأسه، بل تركيبته الأولى. مدينة متوسطية تتجاور فيها اللغات والوجوه والظلال، فخرج منها شاب يحمل أكثر من هوية دون أن يشعر بتناقض بينها: لبناني الأصل، إسكندراني المزاج، فرنكوفوني الثقافة، عربي الهمّ، كوزموبوليتي الروح. هذه التعددية لم تكن عبئًا عليه، بل مادة خامًا للخلق. ومن تلك المدينة المفتوحة على البحر تعلّم أن العالم لا يُرى من نافذة واحدة.
في أميركا، حيث درس المسرح والسينما، تعرّف إلى تقنيات حديثة في الأداء والإخراج. هناك أدرك أن حلمه لا يكمن في التمثيل وحده، بل في السيطرة على الصورة نفسها؛ أن تكون الكاميرا امتدادا لوعيه، وأن يصبح الكادر مساحة للتفكير مثلما هو مساحة للرؤية. عاد إلى مصر وهو يحمل سؤالًا خفيًا: كيف يمكن أن نأخذ من العالم أدواته دون أن نفقد صوتنا؟
منذ «بابا أمين» عام 1950 كان صوته يطرق الباب بحذر، لكن بعين واسعة تنقب وترى. فيلم يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل ملامح مبكرة لذلك الطفل الشاهيني الذي يحب المزاح وقلب التوقعات، كما لو أن السينما لعبة ذكية لاكتشاف الحياة. ثم جاء «صراع في الوادي» ففتح الوادي ذراعيه، وعمّد النيل مخرجه المختلف. قال صلاح أبو سيف يوما إن يوسف يمتلك تلك العين التي لا تنام، لا تكتفي بما هو موجود؛ فهو دائم الشك، والشك أول الحقيقة. أما توفيق صالح فكان يرى أن شاهين لم يكن يبحث عن قصة بقدر ما كان يبحث عن معنى، عن مكان الإنسان في عالم يزداد صخبه.
منذ تلك البدايات تعامل شاهين مع السينما كامتداد لحياته وتأملاته. لم يكن يرى فاصلًا حقيقيا بين ما يعيشه وما يصوره، بين الخاص والعام، بين الحكاية الشخصية والتاريخ الكبير. لذلك تبدو أفلامه، حين ننظر إليها اليوم، كأنها فصول متتابعة في سيرة واحدة؛ سيرة إنسان يبحث عن نفسه في قلب وطن مضطرب.
في «باب الحديد» كان هذا البحث حادا. جسّد بنفسه شخصية قناوي، ذلك الكائن المعذب الذي يقف على حافة المجتمع. لم يكن شريرا تقليديا، بل إنسانًا جريحا يدفع المتفرج إلى اختبار أخلاقي صعب: هل يمكن أن نتعاطف مع المنبوذ؟ هنا كسر شاهين ثنائية الخير والشر، واضعا المشاهد داخل منطقة رمادية، حيث تتداخل الرحمة مع الخوف.
وعندما جاء «الأرض» بلغ شاهين إحدى قمم نضجه الفني. قال شادي عبد السلام بعد عرضه إن هذا فيلم لا يُشاهد بل يُحرث كما تُحرث الأرض؛ كل مشهد فيه كف فلاح، وكل لقطة ظل شجرة تعرف متى تورق. في هذا الفيلم لم يكن شاهين عن انكسار أخلاقي وحضاري، بل كان يرى أن سقوط الإنسان يبدأ حين يفقد علاقته بالأرض، بالمعنى قبل التراب.
أما حسن الإمام، بكل ميلودراميته المعروفة، فرفع يده مدهوشًا بعد «الاختيار» وقال ببساطة: نحن نعمل أفلاما… أما هو فيعمل سينما.
ولأن اللغة وحدها لا تكفي، كان على شاهين أن يخلق لغته البصرية الخاصة. كل كادر عنده صلاة، وكل حركة كاميرا هسيس قلب. كان يؤمن أن الكاميرا لا تصوّر فقط، بل تمثّل، وأن العدسة ليست زجاجا بل نافذة على الروح. لذلك كان يصر على حركة الكاميرا حتى لو عارضها الجميع، ويعيد اللقطة مرات كثيرة لأن ظلًا عابرا لم يكن في مكانه الصحيح.
لكن تلك العين المختلفة والمدهشة لم تكن تعمل في فراغ. السينما المصرية حين بدأ شاهين رحلته كانت محاصرة بأكثر من سلطة: سلطة الرقابة، وسلطة السوق، وسلطة الصورة المتوقعة لمصر كما ينبغي أن تظهر على الشاشة. كان هناك دائمًا خوف مرضي من أن تبدو البلاد مختلفة عما يريد البعض أن يراه. في هذا المناخ تعلّم شاهين أن يناور أحيانا ويتمرد أحيانا أخرى. قدّم أفلاما غنائية مع فريد الأطرش، وشارك في أفلام ذات طابع دعائي، لكنه كان يعرف أن هذه المواءمات ليست سوى جسر يعبر به إلى حريته.
وجاءت هزيمة 1967 كصدمة عميقة. لم يقف شاهين خارج التاريخ منتظرا من سينتصر ومن سيُهزم، بل دخل إلى قلب الأسئلة. في «العصفور» و«الاختيار» و«عودة الابن الضال» بدأت السينما عنده تتحول إلى مرآة مكسورة تعكس قلق جيل كامل.
ثم جاءت اللحظة الأكثر جرأة مع «إسكندرية… ليه؟». هنا قرر أن يضع نفسه داخل الفيلم، وأن يتحدث بضمير «أنا» بلا اعتذار. في ثقافة اعتادت الخطاب الجمعي، بدا هذا القرار أشبه بتمرد جديد. لم تكن هذه «سينما الأنا» انسحابا من الواقع، بل طريقة مختلفة لقراءته؛ فالأزمة الشخصية عنده كانت دائمًا طريقا لفهم أزمة وطن.
في التسعينيات دخل شاهين مرحلة مواجهة مفتوحة مع التعصب والسلطة. أفلام مثل «المهاجر» و«المصير» و«الآخر» أعادت طرح أسئلته القديمة عن الحرية والهوية، لكن بنبرة أكثر مرارة. وعلى فيلم «المصير» كتب عبارته الشهيرة: «الأفكار لها أجنحة… محدش يقدر يمنع وصولها للناس».
لم يكن صوته عربيا فقط، بل صار له صدى في العالم. كُرّم في مهرجان «كان»، وعُرضت أفلامه في «فينيسيا». قيل عنه إنه رجل يعرف كيف يقف الإنسان أمام مرآة التاريخ، ويعرف كيف يصوّر الأرض كأنها امرأة تحب وتغضب وتنتظر.
لكن أثره الحقيقي لم يكن في الجوائز وحدها، بل في الأجيال التي مرّت من حوله. مساعدوه صاروا مخرجين، وتحوّلت تجربته إلى مصدر إلهام لكل من أراد أن يرى السينما مغامرة معرفية وأخلاقية. كان يضع السقف عاليًا، ويطالب من يعمل معه بالبحث والمغامرة، لأنه كان يؤمن أن السينما فعل حياة قبل أن تكون صناعة.
كان صعبًا ومندفعًا، لا يثق في من لا يصرخ، ولا يؤمن بمن يتبع. لم يكن يفسر أفلامه، بل كان يقول ببساطة: «شوفه». والنقاد يتعاركون بعده. كتب رؤوف توفيق أنه آخر الحالمين الذين يصدقون أن الفيلم يمكنه أن يغير العالم.
وفي «إسكندرية كمان وكمان» نراه يقف داخل الكادر يواجه نفسه؛ يضحك في مشهد ويبكي في آخر. هو المخرج والممثل والمتفرج في آن واحد. وهكذا كان دائمًا: حاضرًا في كادره، في مريديه، في خيوط السؤال.
وفي نهاية «هي فوضى»، آخر أفلامه، تلمع جملة على الشاشة: «إلى الراحل الكبير يوسف شاهين الذي أشعل نار الحكاية ورحل». لكن الحكاية لم تخمد. يوسف شاهين لم يكن مجرد مخرج، بل وطنًا صغيرًا داخل الوطن، مدينة من الضوء وبلدًا من الأسئلة.
وإذا سألنا ماذا كان يبحث عنه كل هذه السنوات، ربما نسمع صوته يأتي من بعيد، هادئًا كنسيم المتوسط: كنت أفتش عن السينما… السينما كما لم يرها أحد.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع