الحُب ليس ملاكًا يهبط من سقف الغرفة

مروان ياسين الدليمي

الحب لا يشفي الجروح العميقة.

هو فقط

يفتحها

ثم يتركها تنمو ببطء

كما ينمو العشب بعد العاصفة.

 

في الزوايا

أغصان الأشجار تتنفس ببطء

تسحب من الهواء شيئًا يشبه الحياة

لكنها تتساقط في الخريف

ويظل الصوت ذاته

صوت الأنفاس الثقيلة

التي لا تعرف كيف تذهب

ولا كيف تبقى.

 

بين الحروف

أشباح الحزن تختبئ

تتدحرج على الطرق المبللة

وتستقرُّ في زوايا الذاكرة

كلما سكن الصمت عينيك.

 

أحيانًا

نعتقد أن الزهور ستنبت من الجرح

لكنها لا تأتي

تظل الأرض قاحلة

تتسرب المياه في الجرح

كما يتسرب الليل إلى الجسد

ثمَّ

يتركه مرتعشًا بين شتاءين.

 

أقول لنفسي:

ربما كان الحب ماءً

لكن الماء حين يمر فوق صخرٍ قديم

لا يرممه

بل يحفر فيه اسمه

حرفًا

حرفًا

حتى يصير الصخر سيرةً للألم.

 

في الصباح

فنجان القهوة ينظر إليّ بعينٍ سوداء

يسألني:

أهذا ما أردته؟

دفءٌ قصير

يوقظ الندبة

كي تتذكر شكل السكين؟ .

 

الشارع يمشي بجانبي

يربت على كتفي كصديقٍ قديم

لكن ظلي

يتأخر خطوة

كأنه يخاف أن يقترب من الضوء.

حتى الضوء

هذا الكائن المطيع

حين يلمس الجرح

يجعله أكثر وحدة.

 

أحيانًا

أمد يدي إلى قلبٍ آخر

كأنني أبحث عن نافذة

فأجد مِرآة.

أرى وجهي مكسورًا

وأسمع في الصمت

صوتًا يقول:

ليس كل عناقٍ

شفاءً.

 

الحب لا يعتذر.

هو يدخل الغرفة

بخطواتٍ خفيفة

يجلس على طرف السرير

ويوقظ في الجسد ذاكرةً

ظنَنَّا

أنها نامت إلى الأبد.

 

ثم يهمس:

كن حيًا

حتى لو كان الثمن

أن تنفتح الجروح

مثل أبوابٍ

لا تعرف إلى أين تؤدي.

 

في المساء

حين تهدأ الأشياء

كما لو أن الأسئلة أنهكتها

أجلس قبالة قلبي

كما يجلس عازف

قبالة آلةٍ تعرف أكثر مما يقول.

 

أضع أصابعي على الوتر

فيصدر الجرح صوته

غامقًا

كقهوةٍ

أُعيد تسخينها مراتٍ كثيرة.

 

أفهم عندها

أن الحب

ليس طبيبًا

ولا ملاكًا يهبط من سقف الغرفة

بل نافذةٌ مفتوحة على ريحٍ قديمة

تدخلُ عنوة

لتقلب الأوراق

وتكشف الغبار

لنرى

ما خبأناه بإتقان.

 

المِرآة في الممر

تتنحنح كلما مررت.

تقول:

هذا أنت

وهذه ندوبك

لا تخجل منها.

فالندبة ذاكرة الجلد

والذاكرة بيتٌ

لا يُهدم بسهولة.

 

أحيانًا

ألمس الجرح

فلا يؤلمني كما كان.

ليس لأنه شُفي

بل لأنه تعلم اسمي

وتعوّد على نبضي

مثل خطوةٍ عرجاء

لا تمنعني من السير

بل تجعلني أسمع الأرض أكثر.

 

الحب

حينَ لا يشفي

يعلمنا الإصغاء.

يفتح فينا نافذةً على هشاشتنا

كي نراها بلا خوف.

 

وهكذا

أمشي

وجروحي مضيئةٌ قليلًا

لا لأنها اختفت

بل لأنها صارت تعرف

أن الضوء

لا يأتي دائمًا لينقذ

أحيانًا

يأتي

ليُظهر الطريق

عبر الشقوق.

 

شاعر ورورائي وناقد عراقي. من أعماله: رفات القطيعة، منعطف الوقت، اكتشاف الحب ـ اوراق من مدونتي الشخصية، علامات سردية روايات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع