مسامير الجوع: قراءة في نصوص نورهان أبو عوف

بولص آدم

  الجوع، الجوع؟ كان ولا يزال من أقوى المحركات الشعرية على مستوى العالم، وقد أنتج أصواتًا فريدة استطاعت تحويل التجربة الإنسانية القاسية إلى لغة شعرية متفجرة بالصور والرمزية. وقدمت شاعرات عربيات رؤية متميزة للجوع الجسدي والرمزي معًا، فحولن الفقد والنقص والحرمان إلى صور شعرية قوية ومؤثرة، تعكس البعد النفسي والاجتماعي والوجودي في الوقت نفسه.

تُقدم الشاعرة نورهان أبو عوف نصوص الصور الشعرية المكثفة. يمكن ملاحظة هذا المنحى في نصها القصير جدًا “نصف طائر”، حيث تقدم واحدة من أكثر صورها كثافة وتأملًا:

“استيقظتُ ذات فجر

وعلى كتفي جناحٌ واحد

لم أفرح

ولم أحزن

فقط جلستُ طويلًا

أفكّر أيّ سماءٍ

تحتاج إلى نصف طائر.”

هذا النص يعمل كتمهيد داخلي لعالمها الشعري. الطائر هنا ناقص، والسماء تبدو بعيدة عن متناول الجسد، والسؤال الأخير يحمل دهشة وجودية باردة، حيث يصبح النقص حالة تفكير طويلة، ويصبح الطيران استعارة للحياة التي لا تكتمل.

بعد هذا النص يأتي “جوع” كامتداد أكثر حدّة للصورة نفسها. في قصيدتها تقدم نورهان أبو عوف تجربة مكثفة تجمع بين الرقة والعنف الرمزي، بين اليومي والوجودي. يبدأ النص بمشهد بسيط لكنه مشحون بالتوتر:

“نثرتُ للطيور فتات المائدة

لأشتري صوتًا

يطرد الركود عن نافذتي.”

الفتات يتحول إلى وسيلة لشراء الصوت، والصوت يصبح علامة وجود في مواجهة الركود. منذ البداية يواجه القارئ جوعًا يتجاوز الطعام إلى جوع للانتباه، للنافذة، للعالم. يتصاعد النص عبر ملاحظة دقيقة لمشهد الزحام حول الحاجة الصغيرة:

“أراقب الزحام

حول كسرةٍ واحدة…”

ثم تأتي واحدة من أجمل الصور وأكثرها ابتكارًا:

“كيف يقطعُ الجوعُ

على الجناحِ رحلتَه…”

الجوع.. يتحرك، يسافر، يرافق الطيور في طيرانها. يصبح قوة غير مرئية تقطع الرحلة، تشارك الكائنات خفتها، وتزرع داخل السماء ثقلًا غير متوقع. في هذه الصورة تتجلى الحدة الذهنية، حيث تترك الشاعرة فكرة واحدة تتوسع إلى استعارة خاطفة ومكثفة.

الخاتمة تمثل ذروة النص وقسوته الجمالية. تتحول العصافير في النهاية إلى صورة مرعبة وجميلة في آن:

“وكيف تتحول العصافير

من كائناتٍ هُلاميّةٍ في السماء

إلى مسامير حيّة

تدقُّ فوق الخشب.”

الطائر الذي بدأ ناقصًا في “نصف طائر” يصبح في “جوع” مسمارًا حيًّا، والسماء تتحول من فضاء حلم إلى خشونة واقع، والجوع يعيد تشكيل العالم كله. الرعب هنا ليس مباشرًا، بل رعب التحول: أن الجميل قد يصبح حادًا تحت ضغط الحاجة. 

رحابة الخيال تتجلى في قدرة الشاعرة على تحويل المشهد الطبيعي إلى لوحة رمزية وسريالية. النص يبدو كسلسلة لقطات سينمائية سريعة، أو لوحات متحركة بين السماء والخشب، بين الخفة والصلابة. كل مقطع يبدو إطارًا بصريًا مستقلًا، مما يجعل القصيدة قابلة للرؤية بقدر ما هي قابلة للقراءة.

 تعيد نورهان أبو عوف بناء الطائر داخل تجربة النقص والضغط والتحول. من “نصف طائر” الذي يجلس طويلًا أمام سؤال السماء، إلى “جوع” حيث تتحول العصافير إلى مسامير حيّة، تتكشف كتابة تقوم على تفجير الرمز القديم وإعادة شحنه بطاقة وجودية جديدة. الطيران هنا رحلة مثقلة بالجوع، مثقلة بما لا يُرى. القصيدة صناعة مشهد كامل، واستعارة للجرح الإنساني العميق، وتترك القارئ أمام صورة أخيرة لا تُغلق النص، بل تفتحه على اتساعه المرعب: سماء مثقوبة، جناح ناقص، ومسامير تدق فوق الخشب… كأن الشعر صار الصوت الوحيد القادر على منح الجوع شكله النهائي.  

 

اقرأ أيضاً:

نصف طائر.. قصيدة لـ نورهان أبو عوف

جوع.. قصيدة لـ نورهان أبو عوف

بولص آدم

53 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع