عبد السلام فاروق
الأمر ليس سهلاً.. أن تقف أمام ظاهرة روائية مثل خيري شلبي، خاصة وأنت تعرف أنك تتعامل مع قارة أدبية قائمة بذاتها، لها جبالها وأنهارها، شمسها وظلها. لا يكفي أن تقرأ نصوصه كروايات، إنما يجب أن تنتبه إلى أنها شفرات.. شفرات لعالم كامل كان يوشك على الاختفاء، لعبقرية مكان تمت سرقته منا ببطء، لذاكرة إنسانية ظلت تبحث عن مؤرخها حتى وجدته في هذا الكاتب الذي اختار أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم. الحديث عن خيري شلبي (1938-2011) الذي نحتفي اليوم بذكري ميلاده ، ليس مجرد حديث عن أديب مصري من جيل الستينيات، إنه حديث عن فلسفة روائية متكاملة، عن مشروع وجودي حول فيه الهامش إلى مركز، والحكاية العابرة إلى ملحمة، والإنسان البسيط إلى أسطورة.
وإذا كان الدكتور محمود نبيل محمود قد قدم في كتابه المهم “خيري شلبي.. عاشق الحارة ومؤرخ البسطاء” الصادر عن دار إشراقة، قراءة معمقة ترصد الأبعاد التاريخية والاجتماعية لهذا المشروع، فإننا هنا نحاول أن ننفذ من نافذة أخرى إلى ذات البيت، نافذة الجماليات السردية وآليات بناء العالم الروائي عند شلبي، ذلك البناء الذي يجعل من كل رواية لديه كوناً قائماً بذاته، ولكنه متصل بكل الأكوان الأخرى التي رسمها في باقي أعماله.
استراتيجية الهامش
في عالم الرواية العربية، اعتدنا أن تبدأ الحكاية من المركز.. من الصالونات الثقافية، من مقاهي المثقفين، من شقق الأبطال المتعلمين، من صراعات النخبة. لكن خيري شلبي قرر أن يقلب الطاولة.. أن يبدأ من حيث ينتهي الآخرون. من الحارة.. من الزقاق.. من المنزل الطيني.. من حياة الناس الذين لا يكتب التاريخ عنهم أبداً. هذا الاختيار لم يكن عشوائياً أو رومانسياً، كان استراتيجية سردية مدروسة، وكان أيضا بياناً سياسياً وفلسفياً.
الحارة عند خيري شلبي هي الشخصية المحورية التي تلتهم كل الشخصيات الأخرى لتصنع منها كياناً واحداً. إنها “البطل الجماعي” الذي يملك ذاكرة خاصة، نفسية خاصة، قدراً خاصاً. في هذا العالم، تذوب الفردية في بوتقة المجموع، ويصير مصير الشخص مرتبطاً بمصير الحجر والشجر والجيران معاً. الحارة تنبض، تتألم، تتذكر، تموت وتحيا من جديد. وخيري شلبي، بوصفه “مؤرخ البسطاء” كما يصفه الدكتور محمود، يصبح طبيبها الشرعي، مؤرشف أحزانها، شاهد أفراحها، حافظ أسرارها.
هنا يصبح الأدب وثيقة.. وثيقة أنثروبولوجية كما يقول النقاد، لكنها وثيقة حية، تتنفس وتتعرق. وثيقة تكتب “التاريخ من تحت”.. تاريخ أولئك الذين صنعوا التاريخ بأجسادهم وجهدهم ثم طواهم النسيان. إنه تاريخ مضاد للتاريخ الرسمي، تاريخ يكتبه المنهزمون دوماً، لكنه تاريخ أكثر صدقاً وأكثر إنسانية. إنه أرشيف الهامش الذي يرفض الاختفاء.
معجزة الشفاهي والكتابي
لكي يكتب خيري شلبي هذا الأرشيف، كان عليه أن يخترع لغته الخاصة.. لغة قادرة على استدعاء عالمه من دون خيانته. ولعل هذه هي المعجزة الكبرى في مشروعه، تلك القدرة الفذة على صهر السرد الشفاهي في بوتقة الكتابة الأدبية، دون أن تفقد الأولى دفئها ودون أن تفقد الثانية متانتها. إنه يستمع جيداً.. يستمع إلى همسات الحارة، إلى نقاشات الباعة، إلى حكايات الجدات، إلى نكات الرجال في المقاهي، إلى صلوات المريدين في الأضرحة.. ثم يأتي ليعيد إنتاج كل هذا الإيقاع الشفاهي في نص مكتوب محكم.
عندما تقرأ للكاتب خيري شلبي، تشعر أن الكلمات هي أصوات تسمعها.. صوت الراوي وهو يلتقط أنفاسه، يغير نبرة صوته، يمزح ثم ينتقل فجأة إلى الجد. إنها استعادة لروح الحكاية العربية القديمة، كما في “ألف ليلة وليلة”، حيث يكون السرد حدثاً مباشراً وحياً. لكن خيري شلبي لا يكتفي بهذا، فهو روائي حديث يعرف كيف ينسج هذه الخيوط الشفاهية في قماش روائي متين، يبني عوالمه بحرفية الصانع الخبير. فاللغة عنده هجينة.. تجمع بين فصاحة الأديب ولهجة الشارع، بين عمق التعبير الأدبي وبداهة الكلام اليومي. إنه الجسر الذي عبرت عليه الرواية العربية من برجها العاجي إلى قلب الشارع النابض.
سحر الواقع
كثيراً ما يلصق بأدب خيري شلبي مصطلح “الواقعية السحرية”، وهو توصيف صحيح لكنه يحتاج إلى تفسير. فالسحر في عوالم خيري شلبي ليس سحراً مستورداً أو دخيلاً، لكنه سحر متأصل في التربة المصرية، في طريقة رؤية الفلاح والبائع والعامل للعالم. إنه السحر الذي يخلقه الفقراء لتعويض فقرهم، السحر الذي تحكيه الجدات ليصنعن عالماً موازياً للأحفاد، السحر الذي يجعل من شجرة قديمة روحاً حارسة، ومن بئر مهجورة بوابة لعالم آخر.
خذ رواية “الشطار” التي يسردها كلب.. هذا المشهد الغرائبي ليس لعبة فنية، هو في رأيي مدخل أعمق للواقع. فمن خلال عيون الكلب – المخلوق الهامشي بامتياز – نرى المجتمع البشري بكل تناقضاته، نراه من أسفل، من زاوية لم نعتد عليها. وخذ رواية “بغلة العرش” حيث تذوب الحدود بين الواقع والأسطورة، فتصير الحكاية الشعبية جزءاً من الحياة اليومية. هذا ليس هروباً من الواقع، إنه اختراق له.. طريقة أخرى لقول الحقيقة عندما يعجز الواقعي المجرد عن قولها.
والعجيب أن خيري شلبي، بالرغم من انطلاقه من المحلي المصري الخالص، إلا أنه يستطيع من خلال تشريح هذا المحلي أن يلامس القضايا الإنسانية الكونية الظلم، الكرامة، الخوف، الحلم، الموت، البحث عن معنى في عالم يبدو عبثياً. إنه يثبت أن الأدب العظيم هو القادر على تحويل الخاص إلى عام، والمحلي إلى كوني.
اختفاء المؤلف وظهور النص
من أغرب مفارقات الراحل العظيم خيري شلبي موقفه من السيرة الذاتية. فقد رفض كتابتها رفضاً قاطعاً، معتبراً ذلك حبساً لتجربة شخصية في قالب ضيق. لكن هذا الرفض كان في الحقيقة عملية فنية بارعة. فبدلاً من أن يكتب سيرة “خيري شلبي” الإنسان، كتب سيرة “خيري شلبي” الأديب. لقد دس سيرته الشخصية في ثنايا رواياته، منصهرة في حكايات شخصياته، مختلطة بذكريات جماعية ليست له وحده.
هنا نجد الانتقال من “سيرة الأنا” إلى “سيرة النحن”. فتجارب الطفولة، وعلاقة الأب المعقدة، وانطباعات الريف، كلها تتناثر في أعماله دون أن تحتكرها ذات واحدة. حتى الشخصيات النسائية القوية في رواياته، مثل “فاطمة تعلبة”، تحمل شيئاً من سيرة الجماعة أكثر مما تحمل من سيرة الفرد. إنه يذوب كفرد ليكون صوتاً لجمع.
أرشيف للمستقبل
في النهاية، مشروع خيري شلبي الروائي هو أكثر من أدب.. إنه مقاومة. مقاومة تزييف التاريخ، ضد اختزال الإنسان في أرقام وإحصائيات. إنه محاولة لإنقاذ ذاكرة كانت تتبخر يومياً تحت شمس التحولات الاجتماعية القاسية. لقد جعل من الرواية أرشيفاً شعبياً حياً، ووسيلة لإعادة الاعتبار لأولئك الذين ظلوا في الهامش.
قراءة هذا المشروع اليوم ضرورة لفهم هوية مهددة بالضياع. خيري شلبي يذكرنا بأن الرواية يمكن أن تكون ضميراً، يمكن أن تكون ذاكرة، يمكن أن تكون بطولة صامتة في زمن الضجيج. وهو يثبت، في النهاية، أن الخلود قد يكون من نصيب أولئك الذين يختارون أن يكتبوا من قلب الهامش، لأنهم ببساطة يكتبون من قلب الحياة ذاتها.
















