محمد إبراهيم عجاج
في ليلةٍ من تلك الليالي، وقف في البلكونة ليريح ظهره المتصلب من الجلوس الطويل. كان يشرب سيجارته الـ كليوباترا المكتومة بمرارة، كوب القهوة يستند إلى السور، وعيناه تراقبان الشارع الهادئ الذي لا يقطعه سوى كلب نائم تحت ضوء عمود الإنارة الوحيد. وهناك، لمحها تقف وحيدة أمام بيتها، ساكنة تماماً كأنها جزء من صمت الليل.
شعر برغبةٍ عارمة تحرق صدره، مدفوعاً بتهور الشباب وحماقتهم. نزل إليها حاملاً قهوته وسيجارته، واقترب منها في ذاك الممر الضيق الذي لا يتعدى المتر ونصف المتر ويفصل بين عالميهما. كانت تقف تحت عمود الكهرباء، ولم تلاحظ اقترابه إلا حين سعل ليلفت انتباهها. نظرت إليه بخجل محبب قبل أن تعيد بصرها للأمام.
قال لها بصوتٍ خجول: “الجو حر انهارده”، فأجابته بصوتٍ ناعم: “أيوة البيت جوه نار، ومش عارفة أنام.. العيال نامت والتلفزيون ممل”.
قال لها بيقين شاب يظن أنه فهم الدنيا: “الحياة كلها مملة”.
في تلك اللحظة، تبادلا نظرة اتسمت بجرأة مفاجئة، وابتسامة لم تكن تحتاج لترجمة. قالت له فجأة: “باب البيت الكالون فيه بيعلق، أخاف أن يدخل حرامي ويسرقنا.. مع أن مفيش حاجة يسرقها”.
أجابها بضحكة: “ممكن يسرق حد من العيال”، فضحكت وقالت: “ياخد واحد منهم”.
تلك الضحكة كانت الشرارة التي أهلكت ما تبقى من ثباته. عرض عليها أن يفحص كالون الباب، فاتجها معاً عبر الممر الضيق نحو مدخل بيتها. وقف يحاول إغلاق الباب وهي تقف خلفه مباشرة. شعر بأنفاسها تداعب قفاه، واستنشق رائحتها التي اختلطت بهواء الليل. حين التفت، وجدها أمامه تماماً. لم يتردد؛ جذبها إليه وعانقها بقوة مفرطة، ولم يجد منها مقاومة. شعر بنار الرغبة تسري في جسده كتيار كهربائي، قبّلها بشدة وهمس لها: “تعالي ندخل جوه”.
لكنها، وبحركة مباغتة، دفعته بعيداً عنها وقالت بحزم كسر سحر اللحظة: “كفاية كده.. هدخل أنام”. تركته واقفاً وحيداً أمام ذاك الباب الذي لا يغلق جيداً، وألقت عليه “تصبح على خير” قبل أن تواريه خلف الخشب.
منذ تلك الليلة، وعلى مدار سنوات طويلة، ظلا يتبادلان النظرات الصامتة كلما التقيا، لكنهما لم يحاولا أبداً، ولو لمرة واحدة، أن يكملا ما بدأه ذلك العناق المبتور في ليلة صيف قديمة.
كان يسير مثقلاً بأكياس الطلبات التي تنهش أصابعه، وفي نهاية شارع السوق، لمحها. كانت تقف هناك بجلباب أسود يفيض بالحزن، ووجه أبيض صقيل، وعينين تلمعان بجمالٍ لم تطفئه الحاجة. حين نطقت بطلبها، انسربت نبرتها السورية إلى أذنيه كخيطٍ من الحرير وسط صخب “أبو صوير”.
توقفت قدماه فجأة؛ لم يستطع تجاوزها كما فعل مع غيرها من المتسولين الذين عبرهم ببرودٍ آلي. وجد نفسه عاجزاً عن الحركة، مأخوذاً بتلك الملامح التي بدت كأنها اقتُطعت من زمنٍ آخر. أطال النظر في وجهها بإعجابٍ لم يستطع كبته، ومد يده إلى جيبه ليخرج عشرة جنيهات، أعطاها إياها وهو يشعر بداخله برغبة في إطالة زمن اللقاء.
قبل أن يغادر، دفعته جرأةٌ مفاجئة لسؤال غبي: “بتشتغلي إيه؟”.
أجابته بنبرة منكسرة: “لا أعمل.. أنا على الله”.
قال لها، محاولاً اختلاق جسرٍ للعودة: “أعرف صديقاً يحتاج إلى عاملات في مزرعةٍ يرأسها.. هاتي رقمك”.
استجابت له وأعطته الرقم. وفي تلك اللحظة، ساد صمتٌ طويل ومطبق، وقف الشارع كله خلفهما، وتبادلا نظرةً عميقة، طويلة، ومثقلة بما لا يُقال.
كان يوسف يسير والأكياس في يده، وعقله كان به سؤالٌ: ما الذي سيفعله برقم هاتفها؟ ولماذا انجذب إليها بكل هذا العنف المفاجئ؟ طارده خاطرٌ خبيث: هل هو شعورٌ خفي بالفوقية؟ كأن غربتها في بلدٍ غير بلدها هي ما منحته تلك الجرأة المباغتة، وكأن ضعفها كان وقوداً لذكورته التي خمدت طويلاً.
بدأ يقارن بينها وبين جارته القديمة؛ لماذا فشل هناك ونجح هنا؟ هل هو الجبن الذي لجمه أمام ابنة حيه، فجعل الانقضاض عليها واقتحام حضنها حُلماً غير مكتمل؟ أم أنه أراد تعويض ذاك الفشل القديم مع هذه الغريبة، التي توهم في لحظة غرور أنها ستكون “صيداً سهلاً”؟
لم يطق صبراً، أخرج هاتفه والدم يغلي في عروقه. اتصل برقمها، لكن الرنين ظل يتردد في الفراغ دون رد. عاود الاتصال مرة ثانية، والنتيجة ذاتها: صمتٌ مطبق. وفي المرة الثالثة، جاءه الصوت الآلي ليعلن أن الهاتف أصبح “مغلقاً”، وكأن تلك السورية كانت طيفاً عبر حياته لثوانٍ ثم تبخر.
في طريق عودته، وبينما كان يوسف يجرُّ أكياسه وثقل أفكاره، اعترض سبيله صديقٌ قديم من ذوي الإعاقة. توقف الصديق يبث شكواه بمرارة؛ كان يتحدث عن الكابتن حسني عبد ربه وكيف أخلف وعده بتوفير فرصة عمل له، تاركاً إياه في مهب الحاجة.
نظر يوسف إليه ببرود، وشعر برغبةٍ مفاجئة في تقمص دور المنقذ المزيف. وبنبرة توحي بالثقة والتمكن، قال له: “أنا أعمل في شركة مقاولات كبرى، وقد يحتاجون إلى محاسب قريباً. هات رقمك”.
انفرجت أسارير الصديق ببارقة أمل كاذبة، وأملى عليه الرقم بلهفة. أخرج يوسف هاتفه، وبأصابع خالية من أي شعور، سجل الرقم تحت اسم: “عبد الرحمن 5%”. كانت تلك الـ “5%” المضافة للاسم كافية لتلخيص نظرة يوسف للعالم؛ مجرد أرقام، ونسب مئوية، ووعود يلقيها في الهواء ليؤكد لنفسه أنه لا يزال يملك القدرة على التحكم في آمال الآخرين، تماماً كما فعل مع السورية، وكما يفعل معه العالم الآن.
……………
*مقطع من رواية “أبوصوير.. رائحة الصدأ” قيد النشر
















