شخصيات “صندوق أرابيسك” المثيرة للشجن

القصة القصيرة عندما يكون وراءها حكاية طويلة

نيرمين دميس

د. أشرف الصباغ

ربما نكون قد تحدثنا في السابق عن البناء الموسيقي (وتحديدًا السوناتا) في قصة “الراهب الأسود” للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، سواء السوناتا الكلاسيكية ذات الحركات الثلاث، أو الحديثة ذات الأربع حركات. هذه القصة الضخمة من حيث الحجم، تعد من أهم قصص تشيخوف “القصيرة”. والبناء الموسيقي لها نابع في الأساس من حالة الحب والشجن التي تجمع بين حركاتها الموسيقية المشحونة بالحنين والجفاف وسيل الأحاسيس وتدفق المشاعر والحيرة والانتظار والتوقع. لا أريد هنا التطرق إلى القصص القصيرة عند كاتبنا جار النبي الحلو، لأن عالم هذا الكاتب يستحق مقالات ودراسات منفردة في هذا السياق الموسيقي المشحون بكل ما ذكرناه سابقًا.

نحن هنا بصدد مجموعة قصصية بعنوان “صندوق أرابيسك” للكاتبة نرمين دميس، تعزف فيها على أوتار العناصر الأولية للطفولة والصبا والشيخوخة، فتتولد منها نغمات تثير الشجن والحنين أحيانًا، والتأمل واللحظات الإيمانية الخاصة في أحيان أخرى. تذكرنا بالمونولوجات الحزينة لأبطال أنطون تشيخوف الذين فقدوا الفرص، وفقدوا العمر، وفقدوا الأحباء: أولئك البسطاء الذين يتصرفون- يتنفسون في أضيق الحدود مهما كان الفضاء واسعًا أمامهم.

تضم المجموعة إحدى وعشرين قصة قصيرة، تخفي كل منها حكاية طويلة يمكن تخمينها من كلمة أو جملة عابرة في كل قصة. في هذه القصص لا يوجد أي نزوع لإثارة المشاكل أو التعرض لها أو طرحها كأزمات نفسية وبحث عن الذات، أو قضايا سياسية ملحة وشعارات ضخمة. نحن هنا بصدد الإنسان في لحظات معينة من حياته، أو حنين ما للحظة من العمر مرت دون جدوى أو حتى لحظة فرح عابرة في الطفولة، أو حالة شجن مقرونة بذكريات الصبا حيث ما ذهب لن يعود أبدا، سواء كان عُمْر أو شخص أو حبيب أو ابن أو أمنية.

تحشد الكاتبة كل الأحاسيس والمشاعر الممكنة في كلمات بسيطة لتطرح أبطال قصصها كنغمات تبدو شاردة أحيانا، تبحث عن شيء ما، أو تنتظر شيئا ما. وتبدو في أحيان أخرى حائرة ومرتبكة وحزينة لسبب ما. كل هذه المشاعر والأحاسيس والنغمات تحتشد في إيقاع موسيقي داخل هذا الصندوق: “صندوق أرابيسك”. وعلى الرغم من أن “صندوق أرابيسك” هو عنوان لإحدى القصص، بل وعنوان المجموعة ككل، إلا أنه يشكل السياق السردي العام لجميع القصص من جهة، والحيز الوجداني الكلي لحالة الشجن والحنين والانتظار والترقب التي تتفاعل داخل المجموعة.

إن حالة الشجرة في قصة “بداية ونهاية” تكاد تتشابه مع حال السيدة العجوز في قصة “حفيدات سندريلا”. بينما حالة الأم في قصة “طبق فول” تسير على نفس مسار حالة المرأة في قصة “رسائل البحر”. وفي قصة “السجين” الذي “صار صوته حبيس تلك الغرفة المظلمة المغلقة داخله”، يتأمل حياته في لحظة عابرة ليكتشف أن هناك الكثير من الهدر واللا جدوى، يدرك في لحظة أنه إنسان من لحم ودم.

غالبية القصص تربط بين الإنسان وعناصر الطبيعة وأدوات الحياة اليومية، كأنها وحدة واحدة لا تتجزأ، وفي ذات الوقت تفيض بالشجن والحيرة والانتظار، لتُفجِّر فيضًا آخر من التأملات التي تتأرجح بين الحزن والشجن والترقب.

هناك مسارات أخرى للحالات الإنسانية والمفارقات الحياتية البسيطة في قصص أخرى مثل “صانع البهجة”، و”في السقوط حياة”، و”وأعود أعود لطاولتي”، كلها تتشابك وتتداخل وتحتشد داخل صندوق الذكريات، او بالأحرى الذاكرة، لنضبط أنفسنا في نهاية المجموعة بأننا دخلنا إلى هذا الصندوق، لنلتحف بذكرياته ودفء حكاياته، ونتأمل أنفسنا وحياتنا، ومراحل نضوجنا، وما فقدناه، وما احتفظنا به عبر قصص قصيرة أقرب إلى ومضات في الذاكرة، لكن كل ومضة وراءها حكاية طويلة حية، لا تزال دافئة ومشحونة بالمشاعر والأحاسيس، يمكن أن يخمنها كل منا، أو حتى يستعيد من حياته حكاية مشابهة، ليكمل تفاصيل صندوقه الأرابيسك الخاص به. أما القصص الأربع الأخيرة في هذه المجموعة فيمكن الحديث عنها في آخر.

كاتب وروائي ومترجم مصري من أعماله: 1- "قصيدة سرمدية في حانة يزيد بن معاوية"، مجموعة قصصية. دار النهر، القاهرة 1996.…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع