محمد الكفراوي
مازال منبع الكتابة الغامض يثير اهتمام من يريدون أن يعرفوا مصدرها السحري، من أين تنبثق؟ كيف يأتي قرار الإبداع؟ متى تعرف أن ما تكتبه مختلف وله قيمة فريدة؟ ما الطقوس والعادات التي حافظ عليها كتاب كبار حققوا زخما عالميا؟ كيف كانت التجارب السابقة والبدايات لدى هؤلاء الكتّاب؟
كل هذه الأسئلة وغيرها نجدها في كتاب “أسرار الكتابة كما يرويها كتاب العالم” الصادر أخيرا عن الدار المصرية اللبنانية من إعداد وتقديم الشاعرة والمترجمة الأكاديمية الدكتورة سارة حامد حواس وتقديم وتحرير الشاعر أحمد الشهاوي.
يتضمن الكتاب تجارب حياتية ومهنية وإبداعية وفنية ووصايا يقدمها 17 كاتبا من مختلف أنحاء العالم، جمعتها معدة الكتاب من الفقرات التي يتحدث فيها هؤلاء الكتاب عن الكتابة بجونبها المختلفة من حوارات وشهادات ومقالات متنوعة، ورتبت الفقرات على حسب تسلسل الأفكار، كأنها قطع فسيفساء متناثرة، لتصل إلى صورتها النهائية قبل أن تقوم بترجمتها، وفق ما ذكرته في المقدمة.
يقول الشاعر أحمد الشهاوي في مقدمته للكتاب: “الكتابة كما أعرفها ليست مهارة فقط ولا تمرينا ولا هندسة في الكلمات، وإنما ما نأخذه من العالم ونعيده إليه وقد أعدنا ترتيبه، وأعدنا إليه روحه. مستعرضا بقتضب سيرة ومسيرة كتاب أساسيين في العالم، من جهات الأرض، كل منهم يضيء عتمته الخاصة يشرح طقوسه وحنينه وخوفه، وما يجعل القلم يرتجف في يده أو يستقر مثل سكين”.
رصدت سارة حواس تجربة 17 كاتبة وكاتباً من مصادر شتى، هو إذن ليس كتابا مترجما ولكنه مصنوعا ومجمعا بالكامل من مصادر متنوعة وبجهد في البحث والترجمة والصياغة، فكما تقول معدة الكتاب في مقدمته إنها شرعت في جمع مادة هذا الكتاب انطلاقا من حبها لكل ما له علاقة بالكتابة، أسلوبا ومنهجا وطقوسا وعادات. واختارت عددا من الكتّاب بعضهم حصل على نوبل وبعضهم حصل على البوكر وجوائز أخرى لكن لم تكن الجوائز هي معيار الاختيار بقدر قوة تأثير هؤلاء الكاتبات والكتاب.
جنون الكتابة عند ويليام فوكنر هو ضربة البداية في هذا العمل، فهو يحكي كيف بدأ الكتابة من لاشيء، من علاقته الاعتيادية بالكاتب شيروود أندرسون ومراقبته لحياته وكيف كان ينعزل في غرفته ويلتقيان في المساء حول زجاجة أو زجاجتين من الخمر، وبمراقبته حياة شيروود الذي كان يكتب كل يوم ولا يظهر قبل الظهيرة، قال لنفسه إذا كانت هذه حياة الكاتب فهذا ما أريد أن أفعله. وبالفعل بدأ فوكنر الكتابة وحرص على طقوس معينة تضمن له العزلة والعمل الصارم ولم يكن مهتماً كثيرا بالمال فحياة التشرد علمته الرضا بأقل شيء، إلا أنه قدم نصيحة مهمة جدا للكتاب، وهي “لا تكن كاتبا، بل اكتب”.
يتحدث فوكنر عن الكثير من طقوس الكتابة والعديد من النصائح والعادات التي حرص عليها لكنه يؤكد بالدرجة الأولى أن الكتابة هي ضالته التي وجدها، هي الركن الآمن في هذا العالم ليخرج من خلاله ما بدخله بالطريقة التي يحبها، مؤكدا أن الكاتب يحتاج إلى ثلاثة أشياء فقط “التجربة والملاحظة والخيال”.
تتوالي النصائح التي يقدمها كبار كتاب العالم عن الكتابة وعن رحلتهم معها وبداياتهم ومن بينهم دوريس ليسنج التي تقول “يجب أن تكتب أولا وقبل كل شيء من أجل نفسك، ولا ينبغي أن تبالي إطلاقا بما يظنه الآخرون”. وإن كانت ترفض إمكانية أن تكون الكتابة أسلوب حياة، إلا أنها تدعو للعيش بطريقة تجعل الكتابة تنبثق من الحياة. ومن نصائحها للكتاب “تعلّم أن تثق في حكمك الشخصي، تعلّم استقلالك الداخلي”. وهي أمور ليست سهلة تماما كما يظن البعض، بل تحتاج إرادة وعزيمة ودأب وإصرار.
ويقول الكاتب البرتغالي خوسية ساراماجو يسعدني أن تدعو رواياتي القارئ إلى التفكير فأنا نفسي فكرت كثيرا وبأقصى ما أستطيع حين كتابتها. ساراماجو الحاصل على نوبل في الأدب عام 1998 يعد نموذجا للكاتب الذي يكسر حاجز الزمن وارتباط العمر بالكتابة، فقد تعرض لحبسة الكتابة لما يقرب من 20 عاما، بعد أن كتب روايته الأولى في عمر 24 عاما، لكن التدفق الحقيقي والبداية الحقيقية لشهرته وانغماسه تماما في الكتابة الأدبية والتفرغ لها جاء بعد تعرضه للفصل من العمل لأسباب سياسية وكان ذلك تقريبا في عمر 58 عاما. هنا قرر أن يكتب ويحافظ على طقوس وأوقات معينة للكتابة . نحو 4 ساعات يوميا، يتعرض لمقاطعات في الحياة العائلية أو السفر لكنه يعاود تعويض تلك المقاطعات، من هنا ظهرت أعماله الرائعة التي جعلته جديرا بالجوئز الأدبية الكبرى، “تاريخ حصار لشبونة”، “الإنجيل كما يرويه المسيح” ، “العمى”، “كل الأسماء” وغيرها من الأعمال البديعة.
وحين يرصد الكتاب تجربة جابرييل جارسيا ماركيز في الكتابة فهو يدخلنا في عالم ثري منذ بدايات ماركيز وانتباهه لسحر الأدب وقدرته على إثارة الدهشة، حيث يقول إنه عندما قرأ السطر الأول في روية “التحول” لفرانز كافكا كاد أن يسقط عن السرير من فرط الدهشة، والجملة الاستهلالية في الرواية هي “عندما استيقظ جريجور سامسا ذات صباح من أحلام مضطربة، وجد نفسه قد تحول في فراشة إلى حشرة ضخمة”. وحين قرأها ماركيز فكر أنه لم يكن يعرف أن أحداً مسموح له بكتابة أشياء كهذه. ولو كان يعلم لبدأ الكتابة مبكراً. بعد ذلك يحكي تجربته في الكتابة وكيف أنه فصل بين وقت العمل ووقت الكتابة حتى قفز قفزتين عاليتين في الظلام الأولى حين قرر التوقف عن التدخين والثانية حين قرر أن يكتب ول يفعل شيئا آخر غير الكتابة. وهنا يشير ماركيز إلى العديد من النصائح مؤكدة على حالة الوعي الشديدة التي يجب أن يتمتع بها الكاتب، ويقول إن البعض كان يعتقد أن ويليام فوكنر يكتب تحت تأثير الكحول الذي كان يدمنه، ولكن على العكس تماما كان فوكنر يقول إنه لا يستطيع كتابة سطر واحد وهو تحت تأثير الكحول، ويشير ماركيز إلى سؤال جاءه من أحد القراء عما إذا كان كتب رواية ما أو مشهد محدد تحت تأثير المخدرات وهو ما نفاه ماركيز تماما وعدّه سؤالا سخيفا. ويقدم ماركيز العديد من النصائح للكتاب من التشبث بالخيال والإلهام وصقل مهارات الكتابة وإيجاد تقنية خاصة بك ككاتب تعتمد عليها بشكل احترافي إذا نضب معين الخيال أو الإلهام. واعتبر أن كتابته للواقعية السحرية هي من صلب واقع الحياة اليومية في أميركا اللاتينية بل اعتبر أن الواقع في هذه المجتمعات أكثر جنونا مما يقدمه في كتاباته من مفردات غرائبية. ويقول: “لا يمكن أن تكون كاتبا دون أن تمتلك حيلاً، المهم ما مدى شرعية هذه الحيل وكيفية استخدامها”.
ينتقل الكتاب إلى الكاتب الألماني جونتر جراس، صاحب “طبل الصفيح”، لذي يحكي عن بداياته وعشقه للقراءة لدرجة أن والدته راهنت جارتها أن ابنها لا ينتبه للعالم من حوله حين يشرع في القراءة وبالفعل وضعت له قطعة صابون مكان الخبز الذي يأكله خلال القراءة وبدأ يلتهم الصابون ويمضغه قبل أن ينتبه لما في يده. ويحكي جراس عن أولى روياته وكيف وقع في خطأ فادح حين قتل كل الأبطال في نهاية الفصل الأول، وقرر بعد ذلك أن يكون رحيما بأبطاله، ثم عاداته وطقوسه في الكتابة بعد التفرغ لها حيث كان يعشق الكتابة والرسم والنحت، واعتبر الكتابة تشبه النحت في بناء الجمل والمشاهد والعوالم.
في رأي الكاتبة الأمريكية توني موريسون صاحبة “نشيد سليمان” فإن الكتابة أشبه بالسحر، ويجب على الكاتب أن يتمكن من إخرج الأرنب من قبعة الساحر دون أن يعلم القارئ ما وراء هذه الخدعة. كما تشير إلى أهمية الشغف بالكتابة وهو أمر غير قابل للتعلم بل يخرج من النفس البشرية ويعزز الموهبة. ومن نصائح توني موريسون “اكتب ما ترغب في قراءته” و”اكتشف طريقتك المثلى في العمل” و”استخدام العالم من حولك” و”دع الشخصيات تتكلم بنفسها” و”كن منفتحاً” و”تعلم كيف تقرأ وتنتقد عملك بنفسك”.
وتتابع النصائح والطقوس التي يقدمها كتاب كبار ومن بينهم ماريو بارجاس يوسا مثل “فقط أولئك الذين يدخلون عالم الأدب كما لو كانوا يدخلون دينا، مستعدون لتكريس كل وقتهم وطاقاتهم وجهودهم لهذه الدعوة، هم القادرون على أن يصبحوا كتابا حقيقيين ويكتبون أعمالا تتجاوزهم وتخلدهم”. معلنا أنه كان يكرس وقتا يوميا للكتابة بذهن دائم لنشاط ويلتزم به، ويقول إن الكتابة هي حياته، يستمتع بها حتى لو كانت صعبة أحيانا.
ومن البحث عن معنى الحياة وراء الحكاية التي يرويها إدوارد غاليانو إلى الهوس بالكتابة لدى إيزابيل الليندي إلى الحلم الذي يسبق الكتابة دائما عند بيتر هندكه، والتعامل مع الكتابة مثل تجربة الحب عند آني إرنو. وحتى التجربة الحسية والجسدية لدى بول أوستر بوصفها انعكاسا لجوهر الكتابة. وانتهاء برؤية أورنداتي روي للكتابة، حيث تقول “الرواية هي أبسط طريقة لعرض عالم شديد التعقيد، ولهذا أنا كاتبة لأنني لا أستطيع تبسيطه أكثر من ذلك”.
ويعد هذا الكتاب امتداداً مهما في مشروع الترجمة الذي تقدمه الدكتورة سارة حامد حواس وقدمت في إطاره حتى الآن ثلاثة كتب هي “ثقب المفتاح لا يرى… عشرون كاتبة أمريكية حائزات على جائزتي نوبل وبوليتزر”، و”ولاؤهم للروح… عشرون شاعرا أمريكيا حائزا على جائزة بوليتزر” و”في قلبي قارة… عشرون شاعرة وشاعرا أفرو-أمريكياً”.














