عمليات جراحية

reda saleh

د. رضا صالح

للمرة الثالثة في حياتي أرتدي جاون العمليات؛ تلك القماشة الرقيقة التي تغطي البدن وتربط من الخلف، وسروال واسع وغطاء رقيق للرأس

انتظرت في سريري، لحظات غريبة ينفي غربتها وجودك أنت وأحمد معي بالحجرة، بعد قليل فوجئت بسيدة تدخل الحجرة، وراءها اخري وقد ارتسمت علي ثغرها ابتسامة عريضة، جاءت لنقلى إلى غرفة العمليات؛ “جاءك الموت يا تارك الصلاة” نفسي تحدثني، صحيح وماذا لو انتهت صفحات عمري في حجرة العمليات؟ أليس هذا محتملا؟ هل استعددت لذلك؟ أسأل الله حسن الخاتمة، في الحقيقة لم أتم عمل ما أريده في الدنيا قبل المغادرة!

لا أتمنى أن أكون من الذين يقولون: رب ارجعون لعلى أعمل صالحا، لأتصدق مثلا، لا أتمني أن أكون من فئة الذين ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم) وأغادر الدنيا دون زاد، وتذكرت قول الشاعر:

ستندم إن رحلت بغير زاد

وتشقى إذ يناديك المنادى

فمالك؟ ليس يعمل فيك وعظ

ولا زجر كأنك من جماد

فتب عما جنيت وأنت حي

وكن متيقظا قبل الرقاد

أترضى أن تكون رفيق قوم

لهم زاد وأنت بغير زاد؟

فى المستشفى؛ وأنا نائم فوف سريري؛ جاءني شاب وحاول أن يبحث عن وريد؛ وخزني أكثر من مرة ولم يفلح في الحصول على وريد؛ بالرغم من بروز أوردتي وظهورها؛ فأنا لست بدينا.

شاهدت الجراح الذي سيقوم بالعملية لأول مرة!،حاولت ان افهمه حالتي، قال لي زميله الذي اتفقت معه على إجراء العملية محاولا إنهاء الحديث:

حاضر تمام، نحن نعرف ما سنفعله.

عندما دخلت حجرة العمليات قابلتني طبيبة أمام سرير العمليات بوجه بشوش وترحاب، رقدت على سرير العمليات واقتربت منى؛ عرفت أنها طبيبة البنج، في الحال طلبت مني أن أفرد ذراعي، وبدأت في إدخال الكانيولا، نجحت بمهارة لأول وخزة، خلاف ذلك الشاب الذي جاءني في الحجرة؛ ثوان مضت وهي تحقن مادة داخل الكانيولا، لم أدر بنفسي، فقد غبت عن العالم فى الحال.

***

فتحت عيني لأري ما حولي؛ أراك جالسة أمامي تحوطني عيناك بهالة من الاهتمام والقلق؛ بين حين وآخر تسألينني: عاوز حاجة؟

أنا الآن في حجرتي؛ كأنما كنت نائما، وكأنما أصحو لأول مرة، أو كأنني أًبعث من جديد! ماذا أريد؟ جاءتني فرصة أخري للحياة، تذكرت أنني كنت في حجرة العمليات، جاءتني منحة جديدة من الله لأراجع فيها نفسي قبل الفراق المحتوم، أتغذى علي المحاليل، حامل المحاليل جواري، ما الذي يلتصق بأنفي؟ إنها أنبوبة الرايل التي تتخلل تجويف الأنف إلى البلعوم لتستقر في المعدة، اكتشفت أنبوبتين أخريين تخترقان جسدي، إحداهما قسطرة بولية؛ والأخرى درنقة تخرج من الجرح بالإضافة إلى أنبوبة المحلول التي تصب في أوردتي عن طريق الكانيولا!

آلام شديدة وحارقة، آلام مبرحة لا تحتمل، في البطن، أنظر إلى وجهك ؛ أشعر بالفرح؛ الممرض يأتي ليضع المحلول ويذرف حقنة البتيدين المسكن في الكانيولا.

في اليوم الثاني حقن مسكن الكيتولاك، الآلام مازالت شديدة، أخف قليلا عن أمس، يأتي الممرض ويضع السماعة علي الكومودينو، يقول إن الطبيب قادم، بعد قليل يأتي الطبيب ويطلب كشف بطني، ويضع سماعته ليتحسس أصوات البطن، يبحث عن حركة الأمعاء، يسألني هل تشعر بشيء أو “زغولة” في بطنك؟

لا أشعر بشيء

أخاف من شلل الأمعاء لا أريد أن أكتب هذه الكلمة، تعود إلى ذاكرتي تلك المعلومات عن شلل الأمعاء، انتفاخ بالبطن وآلام وإمساك

صارت القدرة علي القيام من السرير، أو حتى تحريك رأسى يمينا أو يسارا؛ صارت من أغلى الأمنيات، الألم يسيطر علي أحشائي، أتذكر نعم الله؛ كم أنت رحيم يا الهى! رحمتك وسعت كل شيء؛ الوهن يعم جسدي ( وخلق الانسان ضعيفا) صدق الله العظيم.

***

كنتِ –في حجرتي بالمستشفى- تسهرين أمامي جالسة على المقعد؛ تتثاءبين ولا تغفلين؛ جالسة في مقعدك حتى يشقشق النهار؛ أرى ضوءا يتسرب من خصاص النافذة؛ تنظرين إليّ بين فينة وأخرى؛ لا يهمك شيء سوى استعادتى وخروجى من هذا المأزق أو ذلك الاختبار الإلهى!

 

  

د. رضا صالح

27 مقال
قاص وروائي مصري صدر له: - آه منها، قصص، دار "قراءة".2006 - فضاءات مدينة ، رواية، 2010 عن إبداعات –…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع