رائحة منتصف الليل

amr ez aldeen

عمرو عز الدين

تَعوّد أهل الحارة على رائحة الطبيخ الزكيّة التي تتسلل إلى أنوفهم حينما ينتصف الليل.

يأتي مصدرها من تلك الشقّة المظلمة دومًا، إلا من ضوءٍ شحيحٍ، ينساب كشعاع شمعة خجول عبر نافذتها الوحيدة المتسخة، المطلة على الحارة الضيقة.

أمام مدخل حانوته، يقول الخيّاط ذو العين الواحدة، إجابة لسؤال زبون من زبائن السهرة، وهو يرمق النافذة: “هي بتطبخ دلوقتي”. وحين يسأله مجددا عمن يقصد، يُكمل في غموض: “طباخة نص الليل”.

تقول المرأة الممتلئة، المتأوهة بهمسٍ مكتوم، تحت ضغط زوجها الأصلع اللاهث الغارق في العرق، دون أن تفتح عينيها: “هو ده وقت طبيخ؟”. لكن زوجها لا يأبه لسؤالها، وهو يتحرك بآلية رغبة منه في سرعة إنهاء تلك الليلة المزعجة.

يقول الأحدب ذو الملامح الغليظة والنظرة البلهاء، الجالس أسفل النافذة المتسخة في مقابل حانوت الخيّاط، وهو يلوك -بكل نهم- شطيرة استخلصها من قمامة أحدهم: “الريحة دي معفنة.. سيبوني آكل”.

يبدأ في النواح الرفيع، واللعاب يتساقط من فمه مصحوبًا ببقايا شطيرته، حتى تنفتح نافذة أخرى وتمطر منها مياهًا باردة على رأسه. ينتفض على إثرها شاهقًا، ويهب مهرولاً إلى بطن الظلام.

يترك الساكن الجديد قلمه وأوراقه. تنقطع أفكاره عن الرواية التي يكتبها. يتوقف رأسه عن التفكير، وتعوي معدته حين يشمها.

ينهض مأخوذًا مسحورًا. يفتح الباب، متطلعًا إلى السلم المُظلم الواهن. فيرى ذلك الرجل الضخم يصعد متثاقلا. يناديه بوجل، لكن الرجل لا يرد. يرفع صوته المرتجف مناديًا مرة أخرى. فلا يجيبه سوى التجاهل.

يصعد خلفه مسلوب الإرادة. يسمع صوت الملاعق والآنية المعدنية. تزداد الرائحة قوة، ولا يزال ينادي بلا استجابة.

يتوقف الرجل الصاعد أمام باب عتيق مُغبّر، ثم يعبث في قفله، لينفتح ويدلف تاركًا إياه مفتوحًا.

يتواثب القلب في صدر الساكن الجديد وهو ينادي بقوة أكبر، ويتساءل داخله: أما أيقظت نداءاته الصاخبة أحدًا من الجيران؟

يقف مترددًا عند الباب المفتوح، صارت الرائحة هي الهواء الذي يتنفسه المكان، ولم يعد يذكر كيف كان الحال قبلها. كأن لها وجود الأزل.

يشاهد الضوء الشحيح الخارج مما بدا له المطبخ. ينبعث منه صوت غليان، كلما ازداد قوة كلما وضحت الرائحة أكثر.

ثم يسمع الصرخة. أنثوية حادة رفيعة، انخلع لها قلبه، وتصاعدت ضرباته لتهز جسده بأكمله، بينما تجمدت أنفاسه حتى كاد يختنق. تلفت حوله منتظرًا خروج الجيران مذعورين من بيوتهم، لكن أحدًا لم يظهر.

بقدم مرتجفة مترددة تقدم إلى الداخل. المطبخ قريب، ولا تزال الرائحة تنبعث منه، إلا أنها لا تشجع على فتح الشهية هذه المرة.

أخذ يقترب. صوت نحيب مكتوم يداعب أذنيه. ينساب خيط من العرق البارد على أحد جانبي وجهه. ثم يمد رقبته عبر باب المطبخ وينظر، بكل الفضول الذي أزاح مشاعره الأخرى جانبًا، لتتسع عيناه هلعًا.

في الركن موقد صدئ من الصفيح، تعلوه آنيتان مهجورتان تكسوهما خيوط العنكبوت، وعلى الرخام المملوء بالحفر والأخاديد، تُركت أكواب وملاعق حتى فقدت شفافيتها وبريقها، ثم صورة زفاف مشروخة لرجل ضخم يقف فاردًا جسده بثقة، وامرأة جميلة في رداء أبيض مزركش.

لم تكن هناك شعلة نار واحدة في المطبخ. مصباح شاحب فقط يضيء المكان، وأسفله أرض تفترشها امرأة متغضنة الوجه، متشققة القدمين، متسخة الثياب. تستند إلى الجدار وتمد قدميها كالدلتا أمامها وتنتحب.

كانت مغمضة العينين، لكنها سرعان ما فتحتهما وتطلعت في وجه الساكن الجديد بنظرة تقتل، رغم ما تملؤها من دموع.

مرة أخرى ارتد للخلف وكاد يسقط، بينما لم تبعد عينيها عنه، ثم فتحت فمها المفتقد لأسنانه، وتقول: “الأكل جاهز لما يرجع. بس قولي هيرجع امتى.. امتى”.

تنطق كلمتها الأخيرة مقترنةً بصرخة حادة مولولة، وقد استحالت عيناها لهبًا. تراجع للخلف من جديد وهو يصرخ بدوره. يتعرقل ويسقط على الموقد والآنيتين. يسمع دويهما في كيانه. شعر بالدوار الشديد يكتنفه وروحه تنسحب من جسده ببطء. الظلام يحيط به ويخفت كل شيء حوله.

ينظر الخياط بعينه الواحدة من مجلسه بالأسفل، ويقول: “مفيش فايدة”.

تفتح المرأة الممتلئة عينيها، وقد ارتفع غطيط زوجها الذي نام جوارها فارغًا من كل شيء. تنساب من عينيها دمعتان تبللان وسادتها، وهي تقول هامسة: “مفيش رجوع”.

تلفظ بطنُ الظلامِ الأحدبَ، الذي عاد بشطيرة جديدة. ينوح أسفل نعي يلتصق بباب البيت منذ سنين دون أن يزيله أحد حتى بهتت حروفه، ولم يبق منه سوى صورتين شاحبتين لرجل وامرأة: “كل يوم نفس الحكاية.. كلهم طلعوا السلم ومنزلوش.. ولسه.. ولسه”، يصفق بخفوت مرددا “ولسه” للأبد.

تنفتح إحدى النوافذ إثر رياح شديدة. تتطاير أوراق الكاتب، يتدحرج قلمه إلى الأرض فينكسر. ثم يصمت كل شيء وتختفي الرائحة.

 

الإسكندرية

أول نسخة: فبراير 2009

نسخة منقحة: فبراير 2026

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع