المكونات السردية لشخصية البطل الإشكالي في المجموعة القصصية “ورقة حجر” للكاتب أحمد بوقري

د. رشا الفوال

مقدمة:

يتعامل النقد الثقافي مع النص بوصفه نسقًا من الرموز والأفكار بدءًا من مادة النص وطبيعته التكوينية وصولًا إلى أثره التنفيذي في المتلقي دون فصل بين هذه الثلاثية، مع ربطها بالواقع الخارجي وحركته الدائمة التي تحكمها ظواهر الاندفاع والانفعال والتذكر “(1)

فعملية بناء شخصية البطل الإشكالي وموقفه الفلسفي من طقوس الحياة ومدلولاتها هى أخطر مرحلة من مراحل تشكل قضايا الكتابة(2)، في مجموعة: ورقة حجر القصصية، الصادرة عام 2023م، عن دار أدب للنشر والتوزيع، للكاتب: أحمد بوقري، يواجهنا البطل الإشكالي بثورته الداخلية، الذي يكتفي غالبًا بالإشارة إلى الخطأ دون أن يشترك في إزالته(3) هذا ويُعد البطل الإشكالي محورًا مركزيًا في النقد الثقافي، إذ يُجسِّد التوتر بين الفرد والمنظومة الثقافية المهيمنة، تظهر من خلاله تمثيلات الصراع مع الهوية، والسلطة، والقيم الاجتماعية المتغيرة. وتُكتشف عبره آليات الهيمنة، والتهميش، والانفصال عن الخطابات السائدة في المجتمع. وهو الأمر الذي سنتناوله بالبحث ومحاولة التفسير من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: المكونات السردية لشخصية البطل الإشكالي وزمكانية الحدث

شخصية البطل الإشكالي تُعد من أبرز الشخصيات في الأدب الحديث، وخاصة في القصة القصيرة التي تتيح لهذا البطل التعبير عن أزماته النفسية والاجتماعية والوجودية في إطار مكثّف ومشحون بالدلالة. وتُعدّ التمظهرات الزمكانية(أي حضور هذه الشخصية في الزمان والمكان) من الأدوات الأساسية في رسم أبعاد هذه الشخصية وتعميق إشكالياتها.

فإذا افترضنا أن البطل الإشكالي هو أحد أكثر الشخصيات السردية تعقيدًا وغنى من حيث البناء النفسي والرمزي في القصة القصيرة، إذ لا يُقدَّم عادةً كرمز للفضيلة أو كخصم للشر، بل كشخصية متناقضة، تُجسِّد صراعًا داخليًا يتعدى حدود الخير والشر النمطيين؛ ولأن الصراع أحد أهم الركائز الموضوعاتية التي تتحرك بموجبها عجلة الأحداث في الكتابة القصصية، بالشكل الذي يسمح بتطور الشخصية الرئيسية، وتزداد حدته كلما تأزمت الأوضاع؛ نجد في قصة: أوركسترا الماء كيف أن ” الريح الجائحة تصب رحيق الموسيقى على وجه المدينة المعتق بالوجع، معلنة بدء الحفل السماوي/ والشاعر ينام في غربته، ظمآن والماء حوله/ الريح الجائحة تواصل نواحها في سماء الحي القديم، والشاعر تعب من التفكير، ينهنه قصيدته غير المكتملة “ البطل الإشكالي(الشاعر) يتحرك هنا في دائرة زمكانية مغلقة، يُعبر من خلال ذلك عن إحساسه بالغربة المكانية والاغتراب الزماني والوحدة. يمكننا اعتبار شخصيته نتاج تجارب وتحولات فكرية جعلته يعيش صراعًا داخليًا دائمًا. قد يكون مثقفًا مهمشًا يحمل قناعات تتعارض مع محيطه، أو إنسان ذا وعي مفرط يجعله غير قادر على التكيّف مع الواقع.

ولأن البطل الإشكالي أكثر أطراف القصة إدراكًا للصراع؛ فصفة الإشكالية تعني في حقيقتها عدم القدرة على التغيير للأفضل، يتضح ذلك في قصة: ليال سبع في ضيافة الدود حيث الشخصية المحورية التي لا تُقدم حلول، بل تُجسد القلق الإنساني، يقول ” زمني الجديد صار هنا الآن، يتحرك فوقي كالدود الذي أخذ يدب على جسدي وأطرافي “؛ فهو في حقيقته يمتلك خلفية نفسية مُركبة، بالتالي إما أن يكون إدراكه أوسع من العالم الخارجي المكون لمجال الأفكار، وإما أن يكون أضيق منه؛ فينتج عن ذلك نفسه التي تتسع أو تضيق في وعيها، لكن في الحالتين معًا هناك فشل أمام الواقع؛ لأنه_ أى البطل الإشكالي_ يظل مشدودًا إلى القيم(موطن الروح الحقيقية) ولو من خلال الصيغ غير المباشرة (4)

ولأن البطل الإشكالي غالبًا ما يكون على خلاف مع المجتمع أو السياق الثقافي المحيط به. نراه لا ينتمي بشكل كامل إلى محيطه، وهو الأمر الذي يخلق صراعًا سرديًا محركًا للأحداث. تتجلى هذه الفكرة في قصة: اللاشىء عبر المونولوج الذهني الذي يدور في رأس البطل، والديالوج بينه وبين امرأته، يقول: ” التفتت إلي امرأتي وسألت: ما بك؟، فيم تفكر؟ في اللاشىء، بينما كنت في واقع الأمر أفكر في ذلك البغل الأبيض … “ مع ملاحظة أن هذا النوع من الأبطال يتميز بوعي ذاتي حاد، وشك دائم في المعايير السائدة، وفي ذاته أيضًا. هذا الوعي قد يدفعه إلى التمرد أو إلى الانطواء أو حتى إلى الإتيان بأفعال غير متوقعة؛ فكلما ازداد وعى الإنسان بأزمته واجهته ضرورة اختيار موقف بعينه، فإما الانسحاب من الواقع وتجنب المواجهة والهرب واللامبالاة واليأس والتشاؤم والاقتصاص من الذات، وإما المصالحة الظاهرية مع الواقع والرفض الضمني له(5)

ولأن البطل الإشكالي يمثل المرآة لأسئلة الإنسان المعاصر بتمزقاته وهشاشته ووعيه المفرط. في القصة القصيرة، حيث كل كلمة محسوبة، يصبح هذا النوع من الأبطال أداة فعّالة لتكثيف الصراع الوجودي، وتمرير رسائل رمزية وفكرية معقّدة.

ومن تمظهرات شخصية البطل الإشكالي في الفضاء المكاني أولًا: البعد الجسمي المادي، الذي نعتبره من أهم وسائل الإقناع بواقعية الشخصية، وذلك من خلال تحديد مظهرها العام وشكلها الخارجي؛ فالبطل الإشكالي الواقعي يهدف تصويره إلى إيقاظ الوعى الاجتماعي من جراء الطغيان والفساد، إذ يمثل صراع الجماعة في سبيل التغلب على الاستلاب، يتضح ذلك من خلال مكون الوصف، يقول في قصة: زهور كورونا ” في الهزيع الأخير من الليل، ترتجف ركبتاي من البرد، وتصطك أسناني، فأصب لي-مرتعدة أصابعي- من حافظة الشاي بفربي شربة ساخنة من رحيق العشبة الصفراء، علها تفض اشتباك المعركة الفاصلة في دمي، علها تخفف من وطأتها.. وأجوس في عزلتي المربعة، وأنتقل من نافذة إلى أخرى كبندول ساعة صدأة “ المكان في هذه القصة لا يُقدَّم كخلفية محايدة للأحداث، بل كعنصر فاعل يتداخل مع البنية النفسية للبطل، ويعكس صراعاته وآلامه. ثانيًا: المكان كصدى للداخل النفسي؛ فالبطل الإشكالي غالبًا ما يعيش حالة من الانفصال أو الغربة عن محيطه، ويُوظَّف المكان ليكون امتدادًا لحالته النفسية، يتضح ذلك في قصة: ضجيج الرغبة، ثالثًا: المكان كموقع للتوتر الاجتماعي؛ فالبطل الإشكالي يكون دائمًا في حالة تصادم أو تنافر مع الفضاءات الاجتماعية التي يتحرك فيها، يتضح ذلك في قصة: ناطق طلق الريح رابعًا: المكان كمساحة للرفض والتمرد، خامسًا: المكان كمكان داخلي (مجازي) لا يُقدَّم بشكل واقعي، بل كصورة داخلية أو حلمية، اتضح ذلك في قصة: ورقة حجر، وقصة: هيا نسافر للعصر الحجري، سادسًا: ثنائية الداخل والخارج؛ فغالبًا ما يعيش البطل الإشكالي في قصص المجموعة بين مكانين متضادين، الداخل حيث يعيش الحصار أو العزلة أو المواجهة مع الذات، والخارج حيث يواجه رفض المجتمع، أو البرودة، أو الخطر. مثال لذلك قصة: وليمة لقطط الشوارع، وقصة: زهور كورونا، هذه الثنائية تعكس تمزقه المستمر، فلا الداخل يُطمئنه، ولا الخارج مأمون الجانب.

فإذا انتقلنا إلى تمظهرات شخصية البطل الإشكالي في الفضاء الزماني داخل قصص المجموعة، لوجدنا أنها تُعد من أبرز الأدوات السردية التي استخدمها الكاتب لتجسيد عمق هذه الشخصية وتعقيدها؛ فالزمن في القصة لا يُستخدم فقط كإطار للأحداث، بل كشريك رمزي في التعبير عن حالة البطل وتناقضاته الداخلية. اتضح ذلك من خلال أولًا: الزمن النفسي الداخلي الذي يعيشه البطل في وعيه وذاكرته وتيهه الداخلي مقابل الزمن الكرونولوجي الخارجي، ثانيًا: الزمن كمرآة للتمزق الداخلي؛ فغالبًا ما تشعر الشخصية الإشكالية بأن الزمن لا يمضي، أو أنها عالقة، وفي ذلك تجسّيد للشعور باللاجدوى أو بالانفصال عن الواقع، مثال لذلك في قصة: استحمام؛ فأم: حمودي ” غابت لأيام عن الوجود وهى ترى الأشياء كلها من حولهان ولا تراها في آن “.

 ثالثًا: الزمن كمأزق وجودي؛ فالبطل الإشكالي يعيش الزمن لا كحركة طبيعية، بل كصراع وجودي. كل لحظة تمثل سؤالًا؛ فالزمن عنده ليس شيئًا موضوعيًا، بل فوضويًا يُشعره بالدهشة مثال لذلك قصة: أغاني جمجمتي التي تنزف ضجيجًا ” حينما صحوت في مسائي قبل الشفق، نزفت على طاولتي شيئًا من أرقي “

 رابعًا: استخدام الكاتب للتقنيات السردية الزمنية التي تُعبّر عن البطل الإشكالي، مثل الاسترجاع الذي يُستخدم لكشف جذور الصراع الداخلي عبر الرجوع إلى لحظات حاسمة من الفقد في قصة: المرمدة والاستباق الذي يتضح من خلال تصور الأحداث قبل وقوعها في قصة: ورقة حجر بما يكشف عن تفاؤله، وتقنية التقطيع الزمني(اللاخطية) التي تُستخدم لكسر تسلسل الأحداث بما يعكس التشوش الذهني للبطل الإشكالي في قصة: هيا نسافر للعصر الحجري، خامسًا: رمزية الزمن من خلال مفردات الليل؛ لأنه يرمز إلى الوحدة، واللاوعي، والتأمل، والقلق. والفصول مثل الخريف أو الشتاء للإيحاء بالذبول والانطفاء الداخلي.

المحور الثاني: البطل الإشكالي وإعادة بناء الوقائع المتخيلة

تبدو الحواس قوية بشكل لا يُصدق في هذا الاتجاه الخاص بإعادة بناء الوقائع المتخيلة، إذ تُجري زاوية الرؤية انقطاعات مطابقة للفعل، وكأن مهمة حواس الكاتب هى التقاط التلميحات من العالم الخارجي ثم ترجمتها من أجل بناء واقع فعال يجعل المتلقي يصدق أن هذ التخييل أمرًا حقيقيًا. مع ملاحظة أن استدعاء عوالم قائمة على إثارة حواس المتلقي  تتم من خلال التفاصيل؛ ففي الأدب لا تُنقل الوقائع بوصفها حقائق ثابتة، بل تُقدَّم من خلال عدسة شخصية ما، تُعيد صياغتها عبر منظورها الخاص(الذاتي / النفسي / الفلسفي)، وتأويلها للأحداث، وتأثرها بالزمن والمكان والسياق.

إذن الوقائع المتخيلة ليست موضوعية، بل يُعاد ترتيبها داخل النص القصصي وفق وعي شخصية البطل الإشكالي الذي يُعيد بناء تلك الوقائع المتخيلة أولًا: من خلال وعيه القَلِق والمضطرب؛ فالبطل الإشكالي لا يرى الواقع كحقيقة مستقرة، بل يراه ممزقًا، غامضًا، ضبابيًا، لذلك يعيد بناء الحدث لا كما وقع في الحقيقة، بل كما شعر به. ويُخضع الأحداث لتأويل شخصي يحمل رؤيته القلقة، يتضح ذلك في قصة: طعام وموسيقى للرجال الجوف. ثانيًا من خلال تفكيره المتشظي / المونولوجي؛ فنراه يطرح أكثر من احتمال، ويتنقّل بين الذاكرة، الخيال، والواقع؛ فتبدو الوقائع المتخيلة أشبه بفسيفساء سردية يعاد تركيبها وفق تشوشه، يتضح ذلك في قصة: أقنعة كوفيد

 ثالثًا من خلال علاقته المتأزمة بالزمان والمكان، مع ملاحظة أن هذا التحول في إدراك الزمكان يجعل الوقائع غير مستقرة، بل قابلة لإعادة الصياغة وفق وعيه المعذَّب في قصة: الحي في قبره

ومن أدوات السرد التي تعزز إعادة بناء الوقائع المتخيلة عبر البطل الإشكالي:

الراوي الداخلي بضمير المتكلم الذي يتيح التعبير المباشر عن رؤية البطل للأحداث، اتضح ذلك في قصة: خارج المقبرة، والاسترجاع الذي يُستخدم لإعادة بناء الماضي بصيغة الحنين أو الصدمة، اتضح ذلك في قصة: أرواح متقاربة، والمونولوجات الذهنية التي تكشف كيف تُبنى الأحداث في وعي البطل وليس كما وقعت في قصة، والزمن النفسي الذي يُعيد ترتيب الوقائع بعيدًا عن تسلسلها الزمني المنطقي، وبنية المفارقة في قصة: أقدام حافية تبحث عن علبة كشري.

خاتمة استنتاجية:

في قصص مجموعة: ورقة حجر، البطل الإشكالي كما يراه أصحاب المنهج البنيوي التكويني هو العنصر الأقوى بين عناصر القص، الذي يمكن التعويل عليه في الكشف عن ذلك التماهي بين عالم الخيال وعالم الواقع.

_ صفة الإشكالية في شخصية البطل ليست مجرد سمة عابرة، بل هي جوهرٌ بنيويّ يُحدد طبيعة الشخصية ودورها في السرد، خصوصًا في القصة القصيرة المعاصرة، التي تميل إلى تصوير الإنسان المأزوم، القَلِق، الرافض، أو العاجز عن الانسجام مع العالم.

_ البطل الإشكالي ليس مجرد شخصية مأزومة، بل هو كائن سردي معقّد يتشكل من مكون ذاتي(نفسي/ جسدي) قلق، مضطرب، متشظي، جسده يعكس عجزه الذاتي، ومكون موضوعي يتجلى في صراعه الدائم مع المجتمع، ومكون معرفي لكونه يمتلك وعيًا مؤرقًا ورؤية مأزومة.

_ تجليات الإشكالية في شخصية البطل اتضحت في الخطاب الداخلي (المونولوج) الذي يعبّر عن قلقه، شكّه، شعوره بالوحدة. وفي علاقاته بالآخرين، وفي رؤيته للعالم، وفي النهايات المفتوحة أو العبثية التي لا يُحقّق من خلالها خلاصًا ولا انتصارًا، مما يعكس استمرارية أزمته.

_ تمظهرات البطل الإشكالي في الفضاء المكاني في قصص المجموعة ليست مجرد عناصر تقنية، بل أدوات تفجير للمعنى وتكثيف للمأساة الإنسانية؛ فالمكان يصبح مرآة للاختناق أو الغربة، والزمن يتحول إلى أداة لفضح التكرار أو العدمية، مما يجعل القصص فضاءات مثالية لتكثيف أزمة ذاته.

_ في قصص المجموعة، حيث التكثيف والرمزية ضروريان، يلعب الفضاء المكاني دورًا حاسمًا في كشف أبعاد البطل الإشكالي؛ فالمكان ليس مجرد موقعًا للأحداث، بل لغة سردية قائمة بذاتها، تنطق بما لا يستطيع البطل قوله، وتعكس تمزقاته وهواجسه وصراعاته الداخلية.

_ الفضاء الزماني في قصص المجموعة التي تحتوي على بطل إشكالي لا يُستخدم فقط لتحديد متى وقعت الأحداث، بل ليعكس التمزق النفسي والوجودي الذي يعيشه البطل؛ فيظهر الزمن وكأنه خصمًا داخليًا لا يمكن تجاوزه، وهو ما يجعل من القصص شكلًا فنيًا مثاليًا لالتقاط لحظة مأزومة ومكثّفة من حياة شخصية تمثّل الهشاشة الإنسانية في أصدق صورها.

_ الزمن في قصص المجموعة تم استخدامه لخلق مفارقات أو إبراز توترات داخلية، ومن أبرز تمظهراته: الزمن الدائري الذي يُشير إلى شعور البطل الإشكالي بالجمود أو العبث، حيث لا يحدث تغيير حقيقي في حياته، والزمن النفسي حين يغلب الزمن الداخلي (الذكريات، التخييل، القلق) على الزمن الخارجي، والزمن السريع (اللحظي)الذي يدل على ضغط الواقع، والتحولات المباغتة في مصير الشخصية.

_ القيمة الفنية والرمزية للبطل الإشكالي تمنح القصص كثافة فكرية ونفسية. وتُمثّل الإنسان الحديث في صراعه مع التقاليد، السلطة، والرغبة. تعكس أيضًا أزمات الوجود الفردي والجمعي، وتسمح للكاتب بمعالجة قضايا كبري مثل: الهوية، الحرية، العدالة، الغربة، المعنى…

_ البطل الإشكالي أداة مثالية لإعادة بناء الوقائع المتخيلة؛ لأنه يعيش في عالم متصدع، فيُجبر المتلقي على الشك في كل شيء؛ ولأنه يسرد من موقع الأزمة، لا من موقع السيطرة، وهذا ما يمنح قصص المجموعة طابعها التأملي والتفكيكي، ويحولها من مجرد حكايات إلى تساؤلات مفتوحة عن الحقيقة والمعنى.

_ إعادة بناء الوقائع المتخيلة عبر شخصية البطل الإشكالي تمثل إحدى أهم سمات قصص المجموعة حيث: يتحوّل السرد إلى مساحة تأمل وتفكيك، وتُمتحن فكرة الحقيقة، ويُعاد تقديمها كإنتاج ذاتي لا كمعطى موضوعي، ويتمازج الحلم بالواقع، والماضي بالحاضر، لتوليد سرد جديد لا يُشبه ما حدث، بل ما أحسّ به البطل الإشكالي في لحظته المعقدة.

_ صفة الإشكالية تعني أن البطل في صراع مستمر، يعيش حالة من التمزّق أو التناقض بين ذاته والعالم.يرفض الواقع أو يشكك فيه أو يعجز عن التأقلم معه.لا يُقدّم حلولًا، بل يطرح أسئلة، ويعاني من غموض المصير. باختصار: البطل الإشكالي ليس بطلاً نمطياً، بل شخصية تبحث عن ذاتها أو عن معنى وجودها في عالم غير واضح أو غير عادل.

الهوامش:

1_ محمد عبد المطلب، النقد الأدبي، الهيئة العامة لقصور الثقافةن سلسلة الشباب، ع 5، 2003م، القاهرة، ص93

2_ عادل فريجات، مرايا الرواية: دراسات تطبيقية في الفن الروائي، إصدارات اتحاد الكتاب العرب، 2000م، دمشق، ص87

3_ محمد عزام، البطل الإشكالي في الرواية المعاصرة، دمشق، الطبعة الأولى، 1992م، ص11

4_ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، الطبعة الأولى، القاهرة_ باريس، 1987م، ص 13

5_ اعتدال عثمان، البطل المعضل بين الاغتراب والانتماء، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد الثاني، 1982م، ص94

 

ناقدة مصرية حاصلة على درجة الدكتوراه في الآداب تخصص علم نفس، نالت جائزة أحمد فؤاد نجم فئة الدراسات النقدية. من…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع