حاورها: صبري الموجي
على شاطئ نهر الإبداع، وقفت تعزف بناي التفرد، فصاغت أدبا رصينا، تنوع بين شعر ونثر، كان من بينه روايتها الأخيرة «أن يتأرجح بك»، التي استحقت عنها جائزة شاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي للرواية العربية في دورتها الـ 31.
قالت لجنة التحكيم إنّ الرواية نصٌ متميز البنية، يُثبت تضلع صاحبتها باللغة، وامتلاكها لأدوات الرواية المحكَمة، وتعدد أساليب السرد، إلى جانب لغتها الشاعرة المفعمة بالأحاسيس. لها عديدٌ من الدراسات النقدية، وكتبت القصة والرواية والسيرة الذاتية، بالإضافة إلى دراساتها النقدية الجادة. ترى أن تكريمها عربيا، وغياب ذلك محليا اختلالٌ لمنطق الأمور في بلدها. تعشق السرد ولا ترضى عنه بديلا، ولها مشروع إبداعي يمزج بين الفكري والوجداني . تؤكد أن المبدع الحقيقي هو من يُعبّر عن جوهر ذاته.
مع الروائية والناقدة د. كاميليا عبد الفتاح يدور هذا الحوار
عن روايتك الأخيرة «أن يتأرجح بك» حصلتِ مؤخرا على جائزة الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي فإلى أي جنس تنتمي هذه الرواية وماهي مسوغات اختيار لجنة التحكيم لها؟
ذُكرت هذه المسوّغات في كلمة لجنة التحكيم، التي قام الشاعر الكبير الدكتور منصف الوهايبي بقراءتها في حفل التكريم، والتي أكَّدت أنَّ الرواية نصّ متميّز من حيث بنيته الطريفة المحكمة القائمة على تأرجح بطلته ليلى بين أبويها المتخاصمين المتنافرين دائما؛ وهي تسعى إلى التوفيق بينهما وإلى إشاعة بعض من عشق في البيت. والتأرجح قائم أيضا بين مكانين متناوبين، تتنقل بينهما العائلة؛ فتعشق هذا، ثمّ لا تلبث أن تغادره للبحث عن عشق آخر. ويرد كلّ هذا في رمزيّة رائقة، تتمثّل في أشياء ليلى اليوميّة وصفًا واستقراءً لبائعي الورد والفل والياسمين، وكذلك في وصف ليلى، التي لا تنفكّ تحمل تمثالا لأرنب بحثا عن حبّ غائب في البيت؛ ممّا جعل الكاتبة المتضلّعة بلغتها، المتمكّنة من أدوات الرواية، تعدّدُ أساليب السرد وتُنوّعُها؛ حيث نقف على الشعر والمحكية المصريّة الشاعرة من نفسها، المناسبة للمقامات، والعبارة المفعمة بالأحاسيس البشريّة، وأسلوب الرسائل واللغة الإنجليزيّة؛ بديلا من سرد الأحداث، مثل الخوض الذكي في المسائل الخطيرة (نقد أساليب التدريس في الجامعة) وما إليها.
وهل تكريم د. كاميليا عربيا وغياب ذلك مصريا، يمثل لها فرحة أم أنَّه يطرح علامات استفهام؟
الأمر يثيرُ بعض المشاعر المتضاربة وكثيرا من الأسئلة بالفعل، بما يتجاوزُ حدودي الشخصية إلى كثير من الأدباء المستحقين للاهتمام الجاد في أي صورة جادة كان هذا الاهتمام أو التكريم. أكاد أجزمُ بأن كلَّ أديب مصري حقيقي نال تكريما عربيا أو جائزة عربية قبل أن يحظى بتكريم بلده، قد استشعر غصةً ما، كدَّرتْ ابتهاجه؛ نتيجة اختلال المنطق، الذي تسير به مثلُ هذه الأمور، حيث يُفترض أن يبدأ ذيوعُ الأديب وتقديره من الداخل إلى الخارج، من الدائرة القومية إلى البلاد العربية الشقيقة، ثم إلى المحيط العالمي.
تتعدد إسهاماتك الأدبية بين شعر ونثر ونقد .. فإلى أيِّ لون يجنح سفين د. كاميليا عبد الفتاح؟
أعشقُ السرد بما لا مجال فيه للتفكير التفاضلي بينه وبين كتابة إبداعية أخرى. أرى الوجود الإنساني رواية عظيمة، وأرى الناس نصوصا سردية، لا قصائد. أمّا النقدُ فهو المضمارُ الذي أنظرُ من خلاله إلى إبداع الآخرين، وأجدُ فيه متنفسا موضوعيا لعرض رؤيتي حول هذا الإبداع الذي لم أكتبه. وهذه الرؤية مزيج من الفكري والوجداني.
كتبتُ ذات يوم .. كاميليا أكتبُكِ لأستعيدَك؛ فمتى أراكِ؟! هذه هي وجهةُ كتابتي السردية. وفي حال النقد أرى ذوات الآخرين.
بوصفك امرأة .. هل أنت مع تأطير الإبداع من حيث الجنس(ذكوري ونسوي) أم أنك ترفضين هذا التأطير؟
هذه المقولة ناتجٌ من نواتج التفرقة بين مُنتج المرأة ومُنجزها، وبين مُنتج الرجل ومُنجزه في مجالات عديدة؛ ومن ثمّ أعتقدُ أنّ مثل هذه المصطلحات جرت على الألسنة استجابةً لهذه التفرقة، التي صارت ملمحًا من ملامح مجتمعاتنا الإنسانية، وأفترضُ هنا أنّ بعض الكُتّاب يُسوق لها من منطلقٍ عنصري، وبعضهم يستعملها من منطلق نقديٍ لتمييز المُنجز الإبداعي النَّسوي بما يحمل من قضايا ورؤى وسمات فنية خاصة مُنطلقة من الذات النّسوية. كما أنّ بعض الأديبات، يستعملن هذه المصطلحات من باب التقليد والاتباع، وبعضهنّ يستعملنها تعمّدا لتوجيه الأنظار إلى قضاياهن ورؤاهنّ، أي تأكيدا لمعاناتهن من التهميش المجتمعي أو التجاهل على الصعيد الثقافي.
إنَّ اهتمام المرأةُ المبدعةٌ بطرح إشكاليات ذاتها الأنثوية، لا يعني انفصالها عن الدائرتين: المجتمعية والإنسانية. بل إنّ هذه الإشكاليات جزءٌ أصيلٌ من الهمِّ المجتمعي ؛ فالمرأة المبدعة لا تعيشُ في كبسولة فضائية، كما أن المُنجز الأدبي يعبّرُ عن صاحبه بطريقةٍ فنية ما أيا كان جنسُ كاتبه.
دافعك للكتابة .. هل هو مجرد إخلاص للفن أم أنَّه انشغالٌ بقضية تحاولين إيجاد حل لها؟
مشروع كل كاتب حقيقي أكبرُ من الكاتب ذاته، وأكبر من مدى حرفه، وأكثر تعقيدا من أن يتسع له مدى الزمن المتاح له على هذه الأرض. يكفي أن تريد من الكتابة أن تصل بك إلى جوهر ذاتك وأن تقف بك أمام مرايا الذات الإنسانية، يكفيك هذا لتدرك المفارقة بين حلمك وتناهيك الإنساني.
كانت للرواد مثل نجيب محفوظ جهودٌ للنهوض بالرواية العربية من خلال تأسيس بنية روائية، والمزج بين الواقعية والرمزية، وتنوع الأساليب، وغير ذلك، فهل أضاف اللاحقون إلى الرّواد.. أم أنهم يسيرون حيثما اتفق؟
نلمسُ – نقادا ومتلقّين – مدى السرعة في إيقاع التجديد والتجريب في الرواية العربية المعاصرة، التي بدتْ وكأنها في مواجهة دائمة مع نظيرتها التقليدية، وفي تخلص تدريجي ممّا تتسمُ به الأخيرة من الكثير من السكونية.
تمظهر التجديدُ في الرواية العربية المعاصرة في كل ما يتصلُ بعناصرها تقريبا على صعيد السرد والحوار والأنساق والشخصيات والأبنية واستراتيجيات السرد، وتقنياته. كما كان تعالق الرواية بالفنون الأخرى إضافة مهمة أمدَّتها بدماء جديدة على صعيد البنية والثراء الدلالي، وعلى رأس هذه الفنون: السيرة الذاتية والسينما والفن التشكيلي، فضلا عن تعدد الأصوات الساردة وتداخلها، والقدرة الناعمة على الارتكاز على الأسطورة والسيرة الشعبية، والواقعة التاريخية والحدث الراهن، وتضفير كل ذلك في جديلة مقنعة ثرية؛ ممّا أتاح للرواية الإيحاء بأكثر من احتمال دلالي، واكتناز كثير من الرؤى، وكسر المسار التقليدي للسرد، وذلك عبر خلخلة البنية السردية، وعدم الالتزام بالوضعية التقليدية لعنصري الزمان والمكان. وأقف هنا عند مصطلح الخلخلة ، وأُشير إلى أنه هو النهج الأساس، الذي التزمت به الرواية العربية المعاصرة في مواجهة التحولات الكبرى على صعيد الواقع العربي والعالمي، وكأنّ الخلخلة الفنية التي تشهدها هذه الرواية هي انعكاس طبيعي للخلخلة التي يشهدها الواقع على جميع الأصعدة.
يتباين تقييم النقاد للعمل الواحد ويتعدد تأويلهم لمقصود المبدع .. فهل في ذلك إثراء لنص المبدع أم أنه تعد على عقليته وخنق للإبداع؟
النص الثري يستنفر تعدد الرؤى النقدية، فالأعماقُ تستوجبُ الغوص، أما المياه الضحلة الراكدة فلا تسمح إلا بوقفة سريعة عابرة.
قيل إنَّ الناقد مبدع فاشل، واستنادا لهذا فإن إبداع الناقد يخرج مضطربا متوجسا خيفة .. كيف تغلبت د. كاميليا على هذه العقبة الكئود؟
قال أحدهم إنَّ النقَّاد يُشَبِّهون جنرالات فاشلين عجَزُوا عن الاستِيلاء على بلدٍ، فلوَّثوا مياهه. وأقولُ: للنقّاد بلدٌ ٍيُغنيهُم: البصيرة النَّافذة.
التوفيقُ والملاءمةُ بين الإبداع والنقد يحدثُ بشكل طبيعي لوجود تماسٍ بين المجالين؛ فعملية الإبداع تشتمل في جانبٍ منها على الممارسة النقدية؛ ففي كلِّ مبدعٍ يكمنُ ناقدٌ خفيٌّ، لكن هذا الناقد يبدأُ عمله بعد خروج المبدع من النص، وبعد انتهاء عملية الكتابة بما تتطلبُ من حضور نفسي وفكري وروحي مغاير لما يتطلبه النقد من حضور كاملٍ للوعي والقدرات المنهجية. كما يكمنُ في كلّ ناقدٍ مبدعٌ خفيٌّ، يضطلعُ بوظيفة التذوق الجمالي ويضطلع برهافة الحس الكافية لاستغوار تفاصيل التجربة الإبداعية بما قد يصل إلى درجة التقمص النفسي، ومن ثم القدرة على الكشف عن الرؤية التي تنتظم هذه التجربة، والكشف عن طبيعة التشكيل الجمالي والفني بين عناصر هذه التجربة.
وفيما يتصل بلحظة الكتابة عندي، فأنا أستجيبُ لدواعيها، وللمسار الذي تتخذه الحروف، نقدًا كان أو إبداعا، انطلاقًا من يقيني الخاص بأنّ للكتابة وعيًا داخليًّا كافيًا لتصديقه والاحتفاء به.
التنقل من لون أدبي لآخر، يعتبره البعض سيرا على ألغام لإثبات الذات، وكان البعض الآخر قاسيا واعتبره إفلاسا فنيا .. رأي الناقدة د. كاميليا عبد الفتاح فيما قيل؟
التحول من جنسٍ أدبي إلى آخر في رؤيتي رحلة بحث عن الذات الإبداعية، حتى يتم العثور عليها، إذ من الممكن ألا تكون الكتابة الأولى هي الكتابة الأكثر قدرة على التعبير عن هذه الذات، بل يحدث أن تكون بمثابة المسوَّدات أو تمارين الوصول إلى النص الكبير.
من خلال رحلتك الإبداعية المتنوعة، نلحظ أن وراءك مشروعا ثقافيا .. نود معرفة معالمه؟
مشروع كلِّ كاتب حقيقي أكبرُ من الكاتب ذاته، وأكبر من مدى حرفه، وأكثر تعقيدا من أن يتسع له مدى الزمن المتاح له على هذه الأرض. يكفي أن تريد من الكتابة أن تصل بك إلى جوهر ذاتك وأن تقف بك أمام مرايا الذات الإنسانية، يكفيك هذا لتدرك المفارقة بين حلمك وتناهيك الإنساني.
في مقال لك قلت إن الإطاحة بالموهوبين عمل جماعي .. برأيك كيف نتغلب على هذه المشكلة .. على مستوى الدولة والمبدعين أنفسهم؟
يُنتظرُ من الأدباء والنقاد الذين ينتمون إلى هذا المجال بموجب موهبة حقيقية أن يدعموا كل كتابة حقيقية وكل موهبة ناشئة بأن يلتفوا حول صاحبها احتفاء واهتماما. وفي مقابل هذا يُوجبُ عليهم شرفُ الانتماء إلى الكتابة أن لا يحتفوا بالذين ينتسبون إليها دون وجه حق. أمَّا المؤسسة الرسمية، فلديها القدرة على ما هو أكثر من ذلك من خلال توسيع رقعة الاحتفاء بالأنشطة الثقافية والإبداع الأدبي والجهود النقدية، ورفع أسقف الميزانية المخصصة للمواسم الثقافية ورعاية المبدعين وتكريم أصحاب المنجز المتميز وفق ضوابط ولجان جادة رصينة بما يمنح الموهوبين فرص النجاة من هيمنة الانحيازات والمنافع المتبادلة.
أخيرا .. هل للمبدعة كاميليا عبد الفتاح مثلٌ أعلى تقتفي أثره، وتنسج على منواله؟
أنحازُ لأقلام كثيرٍ من المبدعين ذوي السمات الفارقة، وأصطحب نصوصهم في غدوي ورواحي، كما يقال، كأنها الأصدقاء والرفقة الطيبة، لكني لا أقتفي أثر أي حرف مهما بلغ شأنه، لأنَّ لي نظرتي الخاصة إلى الحياة، ولي تجربتي ومواقفي ومشاعري الخاصة التي استقبلتُ بها كل هذا بما يشكلُ رؤيتي التي تميزُ حرفي. يحدث هذا بصورة طبيعية لا أدَّعيها ولا أتعمد حدوثها. أختزنُ في ذاكرتي، بصورة غير واعية، كل ما وعت ذاكرتي من القراءة والاطلاع، وأختصُّ رغم هذا بسماتي الشخصية، التي صبغت كل ما في الذاكرة بصبغتها ووجهة نظرها.


















