عمرو السيد
إذا جربت أن تبحث على محرك جوجل بعبارة “الرواية التي لم يفهمها أحد” فسوف تجد “كافكا على الشاطئ” للكاتب الياباني الشهير هاروكي موراكامي تتصدر قائمة نتائج البحث. فهل حقا تستعصى هذه الرواية على الفهم؟
في “كافكا على الشاطئ” يكسر موراكامي كل الحدود، فنجده يمزج الحلم بالواقع، والوعي باللاوعي، والحقيقة بالخيال، والحاضر بالماورائي. من ثم يسمع القارئ قططا تتحدث، ويرى أسماكا تهبط من السماء وغرابا يعلم عن بطل الرواية أكثر مما يعلمه هو عن نفسه. صاغ موراكامي كل هذا في حبكة ممتعة، سريالية، غامضة، وفريدة إلى درجة تجعلك تشعر أنك لا تقرأ حكاية واحدة، بل تدخل متاهة من الأحلام والرموز والأسئلة الوجودية التي لا تُقدم لك أي إجابات مباشرة. لذلك وعلى الرغم من مرور قرابة ربع قرن على صدورها، لاتزال “كافكا على الشاطئ” مادة للنقاش والتحليل والجدل ولا يزال بعض قرائها يشكون من عدم فهمهم لأحداثها الغرائبية.
أحاول في السطور التالية إعادة استكشاف المعاني الخفية في الرواية التي أسست للهوس العالمي بالواقعية السحرية الآسيوية وأعلم أنني لن أستطيع تقديم كل الأفكار وفك كل الرموز ليس فقط لضيق المساحة ولكن لكثرة التأويلات الممكنة.

من الأسئلة للتسليم والقبول
يقدم هاروكي حكايته في “كافكا على الشاطئ” عبر خطّين سرديّين متوازيين يبدوان في البداية منفصلين تماماً، ثم يتقاطعان تدريجياً وبشكل غير مباشر.
يتتبع الخط الأول رحلة كافكا تامورا، وهو فتى في الخامسة عشرة من عمره، يترك بيت أبيه هرباً من نبوءة مفادها أنه سيلاقي مصير أوديب وسيعيش عقدته فيقتل أباه ويعاشر أمه. يقرر كافكا أن يعاند قدره هذا لكن الهروب لا يقوده سوى للمزيد من الصراع الذي يحتدم حين يدرك أنه لا سبيل لديه للتخلص من مصيره إلا بالتخلص من جذور هويته، الأمر الذي قد لا يحدث سوى بالتخلص من نفسه:
“ربما يمكنني قتل أبي إن أردت ذلك، أنا بالتأكيد قوي بما يكفي لفعلها، ويمكنني محو أمي من ذاكرتي. لكن لا توجد طريقة لمحو الحمض النووي الذي نقلوه إلي. إذا كنت أريد أن أذهب بعيدًا، فعلي أن أتخلص مني.”
أما الخط الثاني في الرواية فيحكي قصة ناكاتا، العجوز الذي فقد وعيه في طفولته إثر حادث غامض خلال الحرب العالمية الثانية، وحين أفاق من غيبوبته وجد نفسه غبيا وخاويا. يقول ناكاتا:
“كنت عاديا مثل الجميع، لكن شيئا ما حدث فأصبحت مثل حاوية لا تضم بداخلها أي شيء.”
يقترن هذا الخواء الذي يعانيه ناكاتا بقدرات استثنائية تجعله قادرا على التواصل مع القطط والتأثير في الظواهر الطبيعية واستشعار دوره في الحكاية من خلال حدسه الداخلي وكأن تخففه من ذكرياته ومن ذكائه أخرجه من دائرة الإنسانية وجعله أقرب للطبيعة وللكون بكل ما يحمله من عوالم موازية.
من خلال هذين الخطّين، يرسم موراكامي شخصيتين متناقضتين ظاهرياً، لكنهما متكاملتان. فكافكا مراهق ذكي لا يزال في مرحلة تشكيل الهوية والبحث عنها. هو العقل الحذر الذي يحاول معاندة النبوءة، والهرب من مصيره المحتوم، لكنه مع كل خطوة يجد نفسه يحقق هذا المصير وكأن مقاومة القدر هي الطريق الأقصر لوقوعه.
أما ناكاتا فهو عجوز محدود الفهم، يعيش بلا ذاكرة ولا ذكريات تكدر حاضره، ويمتلك يقيناً داخلياً يجعله لا يقاوم القدر بل يسير معه بهدوء، كأنه يؤدي دوراً كُتب له مسبقاً دون سؤال. ناكاتا هو الرجل الذي فقد نصف ظله (نصف هويته) لكنه لا يتعب نفسه بأي أسئلة بل يكرر دائما إنه غبي وهو ما يجعله يتجاوز أي صراع داخلي قد يعيشه شخص مثل كافكا. ناكاتا فهو القلب الصافي الذي يستطيع ببصيرته ونقائه أن يصبح جسرا بين واقعنا وعالم ما بعد الموت.
من ثم يمكن النظر لكافكا ونكاتا على أنهما عقل وقلب في جسد واحد، أو أنهما وجهين لرحلة إنسانية واحدة. فالأول يمثل الإنسان في بدايته وهو مثقل بالأسئلة، والخوف، والرغبة في الفهم والسيطرة. أما الثاني فهو يمثل الإنسان في نهاية عمره وقد تخلّى عن الأسئلة، مكتفياً بالقبول والسلام الداخلي.
الذاكرة والهوية
لا تكتفي حبكة الرواية بمجرد تتبع رحلتي كافكا وناكاتا بل تكتسب عمقا أكبر من خلال ثلاث شخصيات أخرى محورية تلتقي جميعها في لحظة ما في مكتبة كومورا.
من هذه الشخصيات السيدة سايكي مالكة المكتبة والتي تعيش في حالة من الحداد الأبدي بعد أن فقدت حبيبها في شبابها، حتى أن ذاكرتها وهويتها توقفتا عند تلك اللحظة. في مكتبة كومورا المكان الذي يرمز للوعي والمعرفة تلتقي سايكي بناكاتا ذات يوم فيخبرها عن خوائه الداخلي ويسألها بفضول عن معنى أن يكون لدى المرء ذكريات فترد قائلة:
“الذكريات تدفئك من الداخل، لكنها أيضًا تمزقك لأشلاء.”
سايكي شخصية معذبة تعيش بجسدها في الحاضر بينما روحها معلقة بالماضي. هي نقيض ناكاتا الذي ليس لديه ذاكرة تؤرقه ومن ثم ليس لديه هوية كاملة. ولأنها معلقة بالماضي فهي تكاد تنتمي لعالم الموتى أكثر من الأحياء.
الشخصية الثانية هي أوشيما والذي ويصوره هاروكي كرجل محبوس في جسد امرأة ومصاب بمرض الهيموفيليا (نزيف الدم). هذا التكوين يجعله يعيش دائماً على الحافة بين الموت والحياة، وبين الذكورة والأنوثة. يشترك أوشيما مع ناكاتا في تقبله لتصرفات القدر، لكن بينما يفعل ناكاتا هذا بدون وعي تام، نجد أوشيما يفعله عن نضج وفهم عميق لذاته ولفلسفة الوجود مما يجعله المرشد المثالي لكافكا في رحلته لفهم هويته فنجده يقول جملا مثل:
“كافكا ، في حياة كل شخص نقطة لا عودة وحين نصل لتلك النقطة فكل ما علينا فعله هو أن نتقبل الحقيقة بهدوء، وهكذا نظل أحياء.”
أوشيما يمثل الإنسان المتفرد الواعي والذي لا يمكن وضعه في قالب واحد. هو الإنسان المتقبل لذاته على الرغم من تناقضها الداخلي واختلاف هويته عن كل من هم حوله.
ولأن كل الشخصيات السابقة استثنائية بعض الشيء فقد أضاف موراكامي هوشينو ليمثل دور الإنسان العادي البسيط الذي لا يؤمن بالخوارق ولا يقرأ كثيرا ولا يشغل باله بأسئلة الوجود. تبدأ رحلة هوشينو في الرواية من شعوره بالملل ورغبته في تقديم مساعدة بسيطة لناكاتا، وتنتهي بتحوله إلى شخص يتذوق موسيقى “بيتهوفن” ويبحث مع ناكاتا عن حجر المدخل الذي سيكون جسر كافكا للعبور من الغابة لعالم ما ورائي. تنضج هوية هوشينو من خلال الخبرات التي مرت به مع ناكاتا ومن ثم فقد استحق أن يتحمل عبء الأمانة ومسؤوليتها ففي نهاية الرواية وبعد أن يحصل ناكاتا على موت هادئ مستحق يجد هوشينو نفسه أمام مهمة كبيرة بالنسبة لشخص مثله وهي إعادة حجر المدخل وإغلاق البوابة للعالم الماورائي.
لماذا يقف كافكا على الشاطئ وهل تجاوزه؟
يمثل الشاطئ في عنوان الرواية الحد الفاصل بين ما نعرفه (البر) وما نجهله (قاع البحر) بين الواقع والغيبي، وبين الماضي والمستقبل.
عندما تتاح له الفرصة يقرر كافكا تجاوز الشاطئ (الحاضر) فيتجه نحو غابة يدخل من خلالها لعالم مواز يتقابل فيه مع سايكي بعد وفاتها، ويتفاجأ بأن الجميع من حوله بلا ظلال. يعيش في هذا العالم المثالي بضع أيام فيدرك أن السكينة المطلقة التي شعر بها فور دخوله لهذه الحياة الموازية هي سكينة مخيفة لأنها تفتقر إلى المشاعر والطموح و الألم. يفهم كافكا من خلال حديثه مع نسخة سايكي التي بلا ظل أنه لا معنى للحياة بلا ألم وأن النجاة ليست في البقاء في عالم الأحلام هذا، بل في العودة إلى العالم الحقيقي المليء بالدماء، والدموع، والحروب. ثم حين يعود إلى عالمنا نجده قد تغير فأصبح أكثر قبولا لواقعه وقدره:
“يشبه القدر أحياناً عاصفة رملية صغيرة لا تنفك تغير اتجاهاتها. وأنت تغير اتجاهاتك. لكنها تلاحقك. تراوغها مرة بعد أخري، لكنها تتكيف وتتبعك… كل ما عليك فعله هو أن تستسلم لها… في لحظة انتهائها لن تتذكر كيف نجوت منها، لن تتذكر كيف تدبرت أمرك لتنجو، ولن تدرك هل انتهت العاصفة أم لا. ستكون متيقناً من أمر واحد فقط : حين تخرج من العاصفة ، لن تعود الشخص نفسة الذي دخلها.”
يمكننا القول بأن موراكامي من خلال شخصيات هذه الرواية أراد أن يعلمنا أن الهوية ليست شيئاً ثابتاً نولد به، بل هي شيء نصنعه من خلال شجاعتنا في قبول اختلافنا (مثل أوشيما) أو من تعلمنا وانفتاحنا على التجارب الجديدة (مثل هوشينو)، لكنه يعلمنا أيضا من خلال كافكا أن للقدر سطوته وأنه ينبغي علينا أحيانا أن نتقبل أحداثا خارج سيطرتنا تشكل هويتنا وتجعلنا أشخاصا مختلفين شئنا أم أبينا وأن رفضنا لهذه الهوية المفروضة علينا لا يغير من الأمر شيء بل ربما يجعلنا خارج حسابات الحياة مثل سايكي التي رفضت موت حبيبها فتحول جرحها لهوية وعاشت حية ميتة.
عندما تنتهي من قراءة “كافكا على الشاطئ”، لن تكون الشخص نفسه الذي بدأها، لأنك مثل كافكا ستكون قد أدركت معنى الهوية والذكريات والألم وسطوة القدر. هذه رواية تعج بالرسائل الخفية وينبغي أن تُقرأ أكثر من مرة لتكتشف رمزاً جديداً لم تلاحظه من قبل وتفهم جانبا لم تكن قد فهمته في قراءتك الأولى. لكن ربما جمال هذه الرواية الحقيقي يكمن في أنها لا تطلب منك أن تفهمها بشكل كامل. كل ما عليك فعله هو أن تقف مع بطلها كافكا على الشاطئ فترى كيف تتلاعب الأمواج بالسابحين في البحر وكيف أن النجاة تكون أحيانا في الطفو وعدم مقاومة الغرق.
………………
*كاتب وقاص مصري














