ذاكرة الهاتف

zainab ahmed ali

زينب أحمد علي

كطفل في طريقه إلى اللهو تمشي فرِحةً نحو غرفتها.. تحرص ألا تصدر صوتاً كأنما تخطو على قشر البيض حتى لا يستيقظ صغارها.
في يدها تحمل شاي البابونج، مشروبها في رحلة الاسترخاء بعد يومٍ شاق وطويل رغم مروره سريعاً.. تضيء مصباحاً خافتاً، وتستندُ بظهرها أخيراً على السرير.. تسمع صوت طقطقة فلا تكترث أيهما مصدر الصوت؛ ظهرها أم السرير. كل ما ترغب به هو اللحاق باللحظة.. لحظة الهدوء من بعد يومٍ مليء بالصخب وتلبية الطلبات، وأفواه المسؤولية التي تكاد تبتلعها كثقب أسود. لحظة ثمينة تدرك قيمتها كل أم، وهي كأم لأربعة أطفال لا تتعدى أعمارهم العشر سنوات، تنتظرها كما ينتظر الصائم أول رشفة من كوب الماء البارد في عز الصيف.

أغمضت عيناها لثانيةٍ لكن سرعان ما فتحتهما سريعاً.

ـ تذكرت.. هاتفي.

منذ فترةٍ وهاتفها يختنق. يستغيث بها كي تنقذه من الصور والفيديوهات والتطبيقات التي تراكمت حتى كادت تشل حركته. ولأنها تهرب من فكرة الحذف أجّلت الأمر كثيراً، خاصة بعدما خذلتها ذاكرة الحاسوب، فهي الأخرى لا تستطيع تقديم المساعدة. يكفيها ما تحمله من بيانات تخص عمل زوجها، ثم صور وفيديوهات وألعاب وأفلام كرتون تخص الأولاد، ومساحة قليلة لها تكتب فيها شيئاً من مذكراتها كلما سمح لها الوقت. لا مفر من الحذف إذاً.

أمسكت هاتفها وبدأت تبحث، وكلما اقتربت يداها من صور تحمل ذكرياتٍ لها مع أسرتها لا تجرؤ على حذفها، حتى تلك التي تعلم جيداً أن هناك نسخة منها في مكان آمن.. تخشى حتى من فكرة فقدها ولو باحتماليةٍ ضعيفة.

العجيب أن ما ينتابها دوماً حين تفكر في الحذف ليس الفقد وحده، بل يرافقه شعورٌ آخر.. نوعٌ من قلة الوفاء. نعم، فكيف لها أن تضحي بضحكاتهم من أجل مساحة إضافية لاستخدامات أخرى؟ تمنت لو كان هناك هواتف تمتلك مساحة لا نهائية للتخزين؛ مساحة تتمدد من تلقاء نفسها، وكلما خُزنت فيها الذكريات تفتح ذراعيها لذكرياتٍ جديدة.

تتملكها الحيرة.. كيف تنقذ ذاكرة هاتفها دون أن تفقد ولو صورة واحدة تحمل ذكرياتها مع العائلة؟

تفكر في الفيديوهات، تقلب فيها وتتفحصها بدقة، ربما تجد شيئاً يمكنها الاستغناء عنه فتتنفس رئة هاتفها أفضل، لكن لا أمل هناك على الإطلاق، فالأمر في الأوقات المسجلة بالصوت والصورة أكثر تعقيداً.. من أين يمكنها استعادة أولى محاولات ابنتها الكبرى للمشي وهي تتسند على الحائط؟ إنجازاتها في الرسم واللعب بالصلصال، فرحتها بها وهي تُسمع آية الكرسي لأول مرة.. كيف يمكنها أن تجلب من الماضي لحظات غرقها في الضحك حين حاولت ابنتها الصغرى وضع كريم الشعر لنفسها دون علمها، فكانت الكارثة بأن غطت به وجهها كله، والقليل من شعرها؟

تتوقف عند “ألبوم” مملوء بأوقات قضتها بالخارج رفقة زوجها والأولاد، تنظر له وتسرح في ذكريات كل يوم وتغرق في تفاصيله كما لو كان بالأمس.

في حديقة الحيوانات ضحكات متناثرة بالقرب من بيت النعامة التي حاولت قضم شيءٍ من رأس ابنها، وفي مدينة الملاهي صوت بكاء الصغيرة التي لم تقتنع في نهاية اليوم بأنها أخذت نصيبها الكافي من اللعب والحلوى.

تقلب وتبحث بدقة أكثر.. كم عيد ميلاد مضى؟ كل عيد منهم له أكثر من فيديو يجمع صغار العائلة، أبناء الخال والخالة. مساحةٌ هائلة لو حذفتها لأصبح هاتفها طليقاً، ولعاد لمجده القديم، لكنها لا تجرؤ.. لا يمكنها حذف كل تلك الضحكات والتصفيقات والدندنات والأحاديث الجانبية وأمنيات المستقبل الحلوة… تباً لذاكرة الهاتف.

الأوقات الدافئة مع العائلة هي كنزها الذي تدخره في هاتفها لتعيشه مرات ومرات، لتذهب إليها كلما ضاق صدرها من الدنيا، فلا تفشل أبداً في إسعادها وتحسين مزاجها، في إعادتها بالزمن للوراء حيث أوقات الطفولة الأولى لأبنائها؛ إذ تشعر دوماً بالشوق لها كلما رأتهم يكبرون ويعتمدون أكثر على أنفسهم.

تفرك رأسها علّها تتعطف عليها بفكرة. ما زالت في حاجة لكل التطبيقات. ما من شيء يمكنها حذفه، لكنها تذكرت: “الواتساب”..

هذا التطبيق الذي لم تكن تطيقه في البداية، ثم أصبح الآن وجوده ضرورياً، بيد أن هناك دوماً رسائل غير ضرورية.

مررت يدها برفقٍ وبدأت رحلة إنعاشٍ لهاتفها المسكين.

في البداية قابلتها رسائل مندوبي شركات الشحن، فالشراء الأونلاين أصبح المفضل لديها منذ زمن الكورونا وإلى اليوم، خاصة مع وجود أطفال ومسؤوليات يصبح الخروج من المنزل ثقيلاً، فيا حبذا الشراء بضغطة زر من المنزل. ثم رسائل متبادلة مع الأطباء والصيدلية، فالصغار لا يتوقفون عن الإصابة بنزلات البرد، خاصة وقت الدراسة. ثم قابلتها جروبات “الماميز”، لتكتشف أنها لم تحذف جروبات السنوات الدراسية السابقة وما تحمله من أحاديثٍ وشكاوى وملفات مرئية ومسموعة ومكتوبة لثلاثة من أبنائها. رسائل يمكنها تفجير هاتفها كله، وليس ذاكرته فقط.. تمسحها فينظر لها هاتفها مبتسماً.

تذهب بعدها لرسائل “جروب” البناية التي تسكنها، تتأملها لتجد أنه لا فائدة منها.. كلها أسئلة عن الحارس وصيانة الأسانسير و”اللمبة” المحروقة وانقطاع الماء، والبحث عن قطعة ملابس هربت عمداً من حبل غسيل أحد السكان.. مشاكل لا تنتهي. حذفتها فابتسم الهاتف مرة أخرى.

مررت يديها ثانية.. هناك حيث رسائل بعيدة جداً.. في ذيل القائمة.

أولها كانت رسائل لشركة ديكورات منازل نجحوا في النصب عليها ذات مرة، تعددت شكواها لكن دون إجابة. ثم جاءت بعدها رسالة غير ودودة من زميلة عملها السابق كانت تحاول فيها إفراز بعضٍ من مشاكلها النفسية. وفي الأخير كانت ترقد رسائل من صديقة الجامعة، أو هكذا كانت تظنها لسنوات، صديقة، حتى بيّنت الأيام غير ذلك.

امتعض وجهها ثم أطرقت برأسها قليلاً. لا شيء يستحق الحذف من حياتنا كلها سوى أولئك بذكرياتهم، وليس من هواتفنا فحسب.

استمر إصبعها يحذف الرسائل واحدة تلو الأخرى، وهاتفها يصدر رنيناً محبباً كأنه يشكرها.

انتهى الحذف.. ابتسمت وأسندت ظهرها ثانية لتكمل في هدوء ما تبقى من شاي البابونج.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع